شوقي يوسف بهنام*: صورة الأب عند لميعة عباس عمارة.. رؤية نفسية

*مدرس علم النفس / كلية التربية – جامعة الموصل

تؤكد الشاعرة  لميعة عباس عمارة بأنها لم تلتق بأبيها غير فترات قليلة من عمرها . ولننقل عبارتها بصورة مباشرة حتى نــّـكون فكرة عن تلك العلاقة . تقول الشاعرة ” لم ألتق بأبي إلا فترات قليلة من عمري ، فقد كان مولعا بالسفر ، من مصر لايطاليا لطرابلس الغرب لتونس لفرنسا فأمريكا . ثم التقينا بعد فراق سبع سنين ، فكنا صديقين يربطنا الأدب والظرف ، ولم يدم لقاؤنا الأخير غير شهرين ” (1) . وكان هذا التعليق بمثابة ، في تقديرنا ، تقديم لقصيدتها المعنونة ” عباس عمارة ” والقصيدة عبارة عن صورة انطباعية كونتها الشاعرة عن ذلك الشخص الذي لم يعش غير خمسة وأربعين عاما لا غير . وما يجعلنا ان نهتم بهذه القصيدة هو وجودها في مجموعتها الأولى من منجزها الشعري ، لأن الشاعرة مازلت تعيش حضوره الزمكاني . والقصيدة هي محض إعجاب بهذا الأب الذي يمثل لدى الشاعر أنموذجا للرجل الذي يعيش هوس الترحال ؛ إذا كنا دقيقي التعبير في إطلاق هذا النعت على الرجل . ولم تذكر لميعة عن دافع هذا العشق للسفر لدى أبيها ولا عن مهنته (2) ولكنها تصفه بأنه كل ما يتمنى الرجال من خصائص وسمات . ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن النساء هن أيضا يعشقن ويتمنين مثل هذا الرجل . وإذا كنا سليمي التصور فأن لميعة هي الأخرى تتمناه !!! . هنا بروز لمشاعر عقدة اليكتراElectra Complex في تقديرنا . هنا حضور للأب وغياب للام والتي كانت لميعة وحيدتها . يقول الحفني في موسوعته النفسية الجنسية عن هذه العقدة ما يأتي ” قد تحب البنت أباها وتبغض أمها ، ويحدث ذلك كثيرا في العائلات التي يكون البون فيها شاسعا بين الأب والأم ، من النواحي الثقافية والاجتماعية ، وقد تكون للأب انجازات كبيرة وسمعة ضخمة بينما الام عادية ، وربما الأب إنسان واجب وصاحب مبدأ ، والأم من النوع اللاهي المهتم بنفسه دون بيتها وأولادها . وقد تغار البنت من أمها إذ تشهد مع ذلك سيطرتها على أبيها . وهذا الحب وتتلك الغيرة  بينهن وبين الأولاد …..” نكتفي بهذا القدر لان القارئ يستطيع الرجوع الى تلك الموسوعة (3) . ونحن نفترض إذا كان الأب رساما وكثير السفر فهذا يعني ان هناك فارقا في المستوى الثقافي والعلمي بينه وبين أم لميعة ومن هنا هذا الولع بالسفر الذي كان نتيجته حرمان لميعة من اللقاء به الا لفترات قليلة . وعندما توفي الأب في عام 1946 لم يكن للميعة غير سبعة عشرة سنة . وهذا يعني انها كانت في فترة المراهقة المتأخرة ولم تدخل سن الرشد . وعندما نلاحظ تاريخ كتابة هذه القصيدة وهو 1948 فان هذا يعني ان لميعة  كانت في بواكير الشباب . ونحن نسأل إذا كانت لميعة لم تلتقي بابيها سوى مرات قليلة فكيف لها ان ترسم لنا صورة للأب father image على هذا النحو الذي سوف نراه في سياق القصيدة ومجراها ؟. وسوف نركز كثيرا على عبارة لميعة ” وكنا صديقين ”  هذه . القصيدة صغيرة الحجم ولكنها مفعمة بالاطلاقية لهذا الرجل . نعم تعاملت لميعة مع عباس عمارة كصديق مفكر .. رسام .. حالم .. سوريالي … وتناست علاقتها به كبنت لأب . هذا التناسي ، في تقديرنا ، عبارة تصعيد أو تسامي لمشاعر لميعة نحو هذا الأب . كانت تتمنى لو يكون صديقا لها يفهم هذا الطير المعذب الذي خنقته أهواء العالم وهو لما يزل بعد في ريعان الصبا . تعيش لميعة حالة اكتئاب يتجلى برفض موت الأب . لنقرأ هذه القصيدة الصغيرة محاولين استجلاء رموزها وكوامنها النفسية . تقول لميعة :-

هنا كل ما يتمنى الرجال

ذكاء وعلم وخلق وفن

فوا أسفا كيف غاض الشباب

وكيف طوى كل هذا كفن .

                                  (الزاوية الخالية ، ص 41)

                         ****************************

توفي الرجل وهو في الخامسة والأربعين . هذا العمر ،على الرغم من تجاوزه عتبة الأربعين فأنه عمر لا يزال دالا على الخصوبة . ولميعة من أصحاب هذا الرأي ، إذا أخذنا في اعتبارنا ، الحرمان العاطفي الناتج عن السفر . فهو ما يزال شابا يتمتع بقواه . علاوة على خلقه وعلمه وفنه . من هنا  جاء الرجل لكي يصبح أنموذجا للرجال كلهم . وطالما تغنت لميعة بأنه لن يأتي . ولميعة تعيش هوس الرجل الغائب . لقد غاب فعلا من الوجود ولم يعد الا في أدراج خيال الذاكرة . لميعة تأسف عليه وتتساءل كيف طوى الكفن  كل هذه الوجود . لنلاحظ كيف ان لميعة تعتبر هذا الأب أبا للرجال كلهم لأنه هو غايتهم مثلما هي معلمة أجيال . هنا إنكار لميعة لموت الأب واستمراره في هوة الغياب .. وليست هوة العدم .. بل غياب السفر . من هنا محنة لميعة في أحزان الانتظار . لميعة تنتظر من لا يأتي ولن يأتي مثلما كان ينتظر كودو الذي لن يأتي . وفي قصيدة ” حبك أكبر مني ” اعتراف من لميعة على انها أحبت شبيها حتى تعيش لاشعوريا ذلك الانتظار .تقول لميعة :-

أكبر مني كان الحب

فكان الصمت

وكان هروبا للأحلام

شبهتك َ

أحببت‘ شبيهكَ

أدركت لماذا أجدادي

عبدوا الأصنام .

                                        (عراقية ، ص 94)

                              ***************************

أليس في هذا إقرار من لميعة انها لم تفارق دائرة حب الأب وما عدى هذه الدائرة كان محض عبادة أصنام !!

 وفي القصيدة التي حاولنا قرائننا لها والمعنونة الغد الأعمى كانت لميعة تتمنى لو لن يأتي هذا الزائر لأنه لن يجد في لميعة غير حطام وركام . هذا الزائر كان في تقديرنا ذلك الأب الصديق ..القريب الى هذا الكائن الذي لم يدخل معترك الحياة . هذا ما نقرأه في قطعتها الصغيرة المعنونة ” همسات راهبة ” . تقول لميعة فيها :-

بعض سنين ثم يمضي الصبا

ولم تمتع بالصبا نفسي

ليت فؤادي لم يكن شاعرا

وليتني ‘جردت‘ من حسي

                                 (الزاوية الخالية ، ص 33)

                                **********************

في هذا النص الصغير تكسف من خلاله لميعة عن نظرة سوداوية مبكرة نحو العالم . وكأني بها لم تعش الا الحرمان والخيبة  والحزن . وللأسف ليس هناك تاريخ للقصيدة . ولكن من الواضح انها قد كتبت في زمن مبكر من حياتها الشعرية . لقد عانت لميعة من فقدان الأب المبكر والتي تركها وحيدة ، بالمعنى النفسي ، وجعلها تعيش أمل المجيئ الذي لن يجيئ ….

الهوامش :-

1-  عمارة ، لميعة عباس ، 1959 ، الزاوية الخالية ؛ مجموعة شعرية ، مطبعة الرابطة ، بغداد ، العراق ، ص 40 .

2- أثناء تجوال الباحث في شبكة الانترنيت للحصول على معلومات شخصية عن لميعة فتبين ان والدها كان رساما ….

3- د . الحفني ، عبد المنعم ،1992 ، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، مصر ،ط1 ، ص 504 – 505 .

shawqiyusif@yahoo.com

shawqiyusif@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.