حسين سرمك حسن: يحيى السماوي في ديوانه الجديد “تعالي لأبحث فيك ِ عنّي”: مراهقة شعرية ثانية مباركة

في ديوانه الشعري الجديد “تعالي لأبحث فيك ِ عنّي” للشاعر الكبير “يحيى السماوي”، والتي صدرت عن دار التكوين في دمشق هذا الأسبوع، فارق هائل في حدة التعبير وشراسة الصورة واللهاث الحارق للإلتحام بموضوع الحب عن مجموعاته الشعرية السابقة، وقد يكون لزحف السنين والشعور بملاحقة شبح المثكل دور في انبثاق العواطف كالينبوع. وهذا القلق يتحول إلى نعم شعرية على يدي المبدع المقتدر، في حين يُصبح مصدرا لليأس والإكتاب والخمود لدى الأناس العاديين مثلنا:
(لي فيك ِ معجزتان :
منذ غدوتُ عبدكِ
صرت ُ حرّا
توّجتني عرشها الجنّات ُ
تاجي هدهد ٌ
والصولجان ُ الورد ُ
والطير ُ الندامى والعبيد
فأنا
قديمك ِ في الهوى
وأنا
“سليمان” الجديد )
… قد تكون هذه المجموعة الشعرية ليحيى هي المجموعة الشعرية العشرون للشاعر. ومع هذا الفيض الإنتاجي كنت أكتم في داخلي شعورا أسررت به ذات مرة إلى يحيى ومحتواه الخشية من أن الغزارة قد توصل إلى التكرار في المعاني، والرتابة في الصورة الشعرية، واستهلاك القدرة اللغوية على اكتشاف وخلق المجازات والتكنيات والصور وهي روح الفعل الشعري. لكنني مع أي مجموعة جديدة أجد يحيى متجددا مع المحافظة على سماته الأسلوبية المركزية. إنه “كائن شعري” يتنفس الشعر ويجري في دمه ولا يمكن أن يحيا – ولاحظ أن اسمه “يحيى” – من دونه ابدا. والمشكل في هذا الكائن الشعري، أنه كلما تطاول به العمر وصار عتيا – بلغ الآن الستين من عمره – دخل مرحلة “مراهقة” ثانية موغلة في عنفوان العواطف واحتدام الانفعالات حدّ النزق. لكن أي نزق ؟ إنه النزق الشعري المحبّب الذي لا تزدهي الحياة من دونه، بل تجف وتذوي ويجتاحها الخواء. وذات مرّة سمعت لقاء إذاعيا مع الملحن الراحل “بليغ حمدي” قال فيه ” إن الشرق لا يدرك أهمية الليل بالنسبة إلى الفنان !!” ويحيى أسرّني بأنه يعاني من عدم إدراك أغلب من حوله لأهمية “الحب” بالنسبة إلى الشاعر!!
وعندما بدأ يحيى كتابة الشعر، بدأه على الطريقة الفراهيدية – عموديا – ثم تفعيليا ، وبعدها حرّا كقصيدة نثر. وقد حيّاه بعض النقّاد “النباتيين” لأنه عندما نشر نصوصه الأولى بعد رحلة طويلة مع القصيدة العمودية – لأنه وصف هذه النصوص بأنها “نصوص نثرية” كي لا يتيحوا لقصيدة النثر التشفّي بهم من خلال الظفر بشاعر عروضي أوقعته في مصيدتها الحرّة!! لكن يحيى جاء بجديد رائع وباهر في تحوّله من القصيدة العمودية إلى قصيدة النثر وقد وقفنا عليه في كتابنا عنه “إشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء – يحيى السماوي أنموذجا” الصادر في دمشق قبل سنتين. وهو تحوّل غير شكلي لأنه ظل مخلصا للبحر الموسيقي الذي لا تستقيم بنية الشعر من دونه. ويتجلى هذا الولاء “المقدّس” في هذه المجموعة الأخيرة (تعالي لأبحث فيك عنّي) والتي تتلامع بين يديك كجسد أنثى مغوٍ إفعواني وساحر .. فالنصوص تتلاحق عمودية وتفعيلية، بنفس القدر من المهارة المؤصلة:
(قلت ِ : كيف الشعر ُ .. والطين ُ .. الفراتان ؟
تعثّرتُ بصوتي
ارتجف القلب ُ
الضحى كان دجيّا
فتساقطت ُ على ظلّك ِ
مغشيّا عليّا
قال لي الهدهد ُ :
بُشراك َ
لقد صرت ً نبيّا
قلت ُ : ما معجزتي ؟
قال :
فراديس ُ التي صارت تُسمّى
نخلة الله ببستانك
فاخلع أمسك الداجي
تعِش فيها فتيّا – ص 13)
لاحظ أن اللعب على الأوتار الإبداعية لا يرتبط بالشكل البنائي – عمود أو تفعيلة أو قصيدة نثر – ولكنه لعب يتمظهر في هذه المداعبة الجميلة والحيية لتوظيفات غنيّة وثرة للموروث القرآني مثلا من خلال نصين اخترناهما تلقائيا ومن دون تخطيط.
وستلاحظ تكرار رمز “الهدهد” في أغلب القصائد، حتى ليمكنك أن تضع لهذا الديوان مجازا تسمية “ديوان الهدهد” بمحمولاته الأسطورية والدينية والفلكلورية التي ضرب على أوتارها يحيى ببراعة في أكثر من وقفة :
(آمنتُ أنك قلتِ بي : كنْ ما أشاءُ
فكنتُ حارسكِ الأمين :
السادن
المتزهّد
المتعبّد
المتأبّد
المتهجّد
المتورّد
المتجدّد الأزهار
أنك ِ هدهدُ الملكوت
منتظرا بشارته البهيّة
منذ جيل – ص 91، قصيدة ترنيمتان).
إنها أسماء العاشق الحسنى ..
وفي مجموعة يحيى هذه، بل في كل مجموعاته، يمتزج ما هو وطني بما هو قومي، وما هو فردي بما هو عام، وما هو محلي بما هو كوني ، وكلها – متشابكة بخلاقية عالية – تحت ظلال خيمة هائلة لا يمكن تحديد حدودها هي خيمة الشعر. ورغم حياة المنافي التي أكلت من عمره وعمر عائلته سنين طويلة ، إلا أنه مازال يحتفظ في أقصى مكان من ذاكرته بـ “لقية” يتستر عليها خوف الإنخداش والصدأ .. لقية اسمها “السماوة” ، المدينة الأم، والتي يماهيها بالأم وبالحبيبة في أبهى صورة وذلك في قصيدة “إنها السماوة .. فادخلي آمنة مطمئنة” وكأنها الجنة التي تدخلها النفس المؤمنة آمنة مطمئنة كما ينص الموروث:
(ها نحن في وادي السماوة
فاخلعي الخوف القديم
الناس أهلي
وكل بيوتها بيتي
اطرقي ماشئت ِ من أبوابها :
تجدي الرغيف
الظلّ
والماء القراح وما يسرّك من كلام
…………………..
يا نخلة الله
السلام عليك يوم ولدت من قلبي بتولا
والسلام عليك ِ
يوم أموت فيك مضرّجا
بلظى الصبابة والتغرّب
والسلام على جذورك يوم ابعث في الفسيلة
والسلام على الفراتين
السلام على السماوة
والسلام على السلام – ص 45 و46) .
و “إسراف” يحيى الشعري ضروري وخلّاق .. هو فعليا مسرف في صحته إلى حدود مازوخية .. ولكنه مسرف في الحب أيضا . يسرف ليعلمنا معنى أن نموت في حب حبيباتنا شعريا. هي حالة الموت شعرا” من الوجد واللهفة والإشتياق للإلتحام بالمحبوبة ، نخلة الله كما يسمّيها:
(أضناه ُ ليل صبابة .. فسرى
لم ينتظرْ شمسا ولا قمرا
ألقى إلى الإعصار أشرعة
مُستنفرا … لم يتخذ حذرا
نصحوه أن يُلقي إلى قدر ٍ
أمرا .. فقال : سأقحم القدرا
فاستخبلوه ُ … فقائل ٌ : نزق
لا يرعوي فاستعذب العثرا
فإذا غفا صبحا على دعة
فز الضحى يستعجل السفرا
ما كان ذا مال ٍ … ولا فرس ٍ
يوماً وليس المُسرف البطرا
لكنّه في العشق ذو سَرَف ٍ
يُعطي ويُرخص دونه البصرا )
لكن إسراف يحيى هذا في الحب العارم والإشتياق العزوم الملتهب يجرفه كالطوفان ويوصله إلى التحرّش يكل المرجعيات المؤسسة ليعلن أن لا واحد إلا الحب :
( هي نخلةُ الله اصطفاني سادناً
متهجّدا في عشقها مترهّبا
معصومة الأعذاق والسعف اشهدي
يوم الحساب إذا يساريَ ألّبا :
أنا ما عبدتك رغبة بضلالة ٍ
فلقد عبدتك للإله تقرّبا- ص 84 ،قصيدة “المتماهيان”).
إن حبّها – التي يسمّيها ايضا “التي لا تُسمّى” لأن لا اسم يستوعب عطايا حضورها وأبعاده المستحيلة كأي مطلق ينبث في كل مكان وزمان ويحيط بوجوده حدّ عدم الإحساس به – يؤسس لـ “ديانة” جديدة لها كتابها وسورها وطقوسها .. ولها مريديها من عصافير وطفولة وجداول ونخيل :
(آمنتُ أن هواك ِ آخر آية ٍ
من سورة العشق الحنيف
تنزّلتْ
في ليلة الإسراء
من غار الجحيم
إلى رحاب الجنة العذراء في واديك ِ
أسرى هدهد البشرى بروحي –لاحظ العودة إلى موضوعة “الهدهد”، الناقد-
فاستعاد رفيفه القلب القتيل ُ
…………
أنّى أيمم مقلتيّ فثم ّ وجهك ِ
لا هوى إلاك ِ – قلت ُ –
فردّدت “آمين” :
أسراب العصافير
الطفولة ُ
والجداول ُ
والنخيل ُ – ص 90 و91) .
تحية للمبدع “يحيى السماوي” في مراهقته الشعرية الثانية المباركة …….

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *