مصطفى سعيد: الرسول

تجمع الناس في السوق المكتظ يشاهدون رجلاً كهلاً   بين يدي رجلٍ طاف عن الثلاثين من عمره بقليل, تعجب الناس وتناثر الصراخ بعدما صُفع العجوز على وجهه وانقلب من أثرها على الأرض, كان الشاب يهم للانقضاض عليه مجدداً لولا أن الناس تدخلوا وأنقذوا العجوز من بين يديه المفتريتين…

كان المشهد مؤثراً حتى في قلوب أكثر الناس قسوةً, مظهر العجوز المنقلب على الأرض والناس تحيطه, والرجل الثائر الذي وقف أمامه كأنه لم يكتفِ, حتى استطاع الناس أن يردوه, حضرت الشرطة ووثبوا على الرجل الذي بدا أمام الجميع مجرماً لا يملك أدنى صفات الإنسانية ولا أقل إحساسٍ بالمروءة…
انقاد الرجلان ووقفا أمام الضابط في قسم الشرطة, وأكثر من شخص يريد أن يشهد على الواقعة الوضيعة, لأن ما شاهدوه يتنافى مع القيم والأخلاق ولم يشهدوا كتلك الحادثة حتى الساعة…

تكلم المجني عليه والضابط ورجال الشرطة والشهود يسمعون بإصغاء, أما المتهم ظل واقفاً بمكانه لا يحرك ساكناً:

كنت أمشي في السوق بحثاً عن أبخس البضائع لأستر جسدي المتهالك, سمعت الرجل ينادي من خلفي بأعلى صوته…

– أستاذ رياض …. أستاذ رياض …

نظرت خلفي لأرى من الذي يصيح باسم ٍ كنت على وشك نسيانه بعدما تقاعدت من الوظيفة منذ سنواتٍ خلت, رأيته واقفاً أمامي يلهث… ثم فجأة سألني وأدهشني, هل أنت الأستاذ رياض…؟

– أجبته يا حضرة الضابط, نعم أنا هو… لكن لا تخمن أني باقٍ مثلما كنت, ها أنت ترى أمامك عجوزاً أضرم العجز بطقوسه العديدة على رأسه، وانحناء الظهر غدا صديقاً لهذا الجسد…

– من أنت …؟

كل ما أذكره أني سألته هذا السؤال قبل أن أجده يصفعني على وجهي, وقعت على الأرض وأنا لا أرى أمامي, دارت الدنيا بي كأني أتأرجح على جسرٍ معلق وأقدامي لا تلامس الأرض, عندما أفقت أبصرت الناس الخيرة من حولي… وهذا اللئيم واقفاً كما كان قد زادت معالمه شراسة, كأنه لم يكتفِ بالأولى حتى يتجهز للثانية لولا ستر الله وبر الناس الطيبة لكنت فقدت اليوم ما بقي من فتات عقلٍ في رأسي…

كان الضابط يسمع بتأثر, والشهود تزيد على كلامه ليوَثق بالصدق, لكن المتهم ظل واقفاً جامداً كأنه هو المجني عليه, طلب من الضابط السماح له بإشعال سيجارة فأضرمها وشهق بها عميقاً حتى نفخ ملء رئتيه ليعود ويراقب كثافة الدخان المتصاعد للأعلى كأن شيئاً لم يكن …

ضجر الضابط وصاح به, سمحنا لك بالتدخين حتى يهدأ بالك وتحكي لنا ما جرى ونسمع من الطرفين, ولولا ضرورة تدوين أقوالك لزججت بك في السجن الانفرادي شهوراً ترتجي بعدها الصفح من هذا العجوز, والخلاص من السجن المظلم الذي سيأكل بدنك..

هيا … ارمِ اللفافة التي بيدك, ثم قف على أقدامك لتمثُل أمام الناس وتحكي لهم ما جرى معك, على الرغم من علمنا بما جرى لكننا نريد أن نسمع منك حتى أمنحك أقصى ما تستحق من عقاب..

بقي المتهم ماكثاً على كرسيه, ومدّ بقدميه أمامه, وعاد ليكمل سيجارته وهو ينظر في سقف الغرفة المتآكلة…

كان صمته وبرودة أعصابه غريباً, حسب الناس بعدما صاح به الضابط أنه سيتكلم ويتحدث, لكنه ظل صامتاً يكمل لفافته ببرودة..

كاد الضابط يفقد أعصابه, وعاد وصرخ به : هنا ليس مقهى يا معتوه, إنك قد تواجه عقوبة السجن من ثلاثة إلى أربعة شهور وتبقى صامتاً … على العموم ابقَ كما أنت, ضرب الجرس المختبئ تحت الطاولة, دخل الحارس عليه ملقياً التحية ضارباً بقدمه أصقاع الأرض مُحدثاً هزة, قال له سيده, خذوه للسجن حتى يجف عظمه, وإن ارتجاكم لا تأبهوا له إلى أن أشاء بنفسي وأخرجه وقتما أريد ليعلم أن القانون يمشي عليه وليس هو من يمشي بحذائه فوق القوانين والأعراف…

أمسك الشرطي ببنيته الضخمة بساعده وقاده إلى سجنه, نظر قبل أن يرحل للعجوز دون أن ينطق بكلمة, بقيت الحيرة تعوم على وجه العجوز والشهود والضابط المحقق بالواقعة, وخرج الجميع على أمل جلسةٍ أخرى بعد عشرة أيام بالحضور والوجوه الشاهدة نفسها…

في اليوم المحدد حضر الجميع وسط ذهول الجميع, وكان الضابط غائباً ثم عاد ليُحضر المتهم بنفسه يسوقه دون أغلال على مهله, بدا كأنه عائد من معركة, أكرموه في سجنه بالضرب والرفس حتى عجبوا من صمته غير العادي, وعدم نطقه أي كلمة منذ حضوره, سوى طلبه الماء والتبغ… أعادوه لزنزانته بعد أن سئم الجميع وتجادل الشهود أنه ربما مختل عقلياً, لكن الضابط أكد لهم بأنه ليس مختلاً ولا مهلوساً, بل أنه يفهم بقدر ما يفهم الحضور جمعاً..

مر شهرٌ على هذا الحال, يخرج للجميع, يحدق بالعجوز ثم يعود حيثما كان, حتى أشفق العجوز عليه آخر مرة وقال :

إني يا سيادة المحقق أتنازل عن حقي, وهاهو قضى أكثر من شهر باستضافتكم لعلها أرجعت لعقله الصواب, لقد سئم الشهود والجنود, وسئمت أنت بنفسك وأنا أكثر منك… سامحه الله, عله لن يفعلها مجدداً أن يضرب عجوزاً في عرض الطريق دون ذنبٍ أو سبب…

حينها نظر المتهم نحو العجوز نظرة كأن العيون لو خرجت من محجرها لقذفته حقداً, لكنه في آخر المطاف بدا صوته المتحشرج بحلقه يبدأ بالعمل بعدما كان في نقاهةٍ شبه أبدية…

أشار بيده صوب الرجل العجوز وقال:

أنت الأستاذ رياض…

أجابه العجوز ونفس العجب يكسوه, نعم … أجبتك بذلك وصفعتني, وتعلم الجواب لتعود مرة أخرى وتسألني…

أشار نحو الضابط وأصابعه كأنها تعلن إشارة النصر, لكنه كان يقصد الحصول على لفافة تبغ مرةً أخرى…
عندها ملّ الضابط والحضور والجمع ممّا يفعله المتهم, وقال الضابط متعجباً, هل ستعود للدور الذي بدأته..! ونبدأ من جديد! الرجل يتنازل عن حقه, سننهي أوراقك لتخرج لبيتك وأولادك لعلهم قلقون عليك لغيابك حتى يومك…

وبطريقة باردة انزلقت من فم المتهم تلك الكلمات:

تنازل العجوز عن حقه… ثم ضحك ضحكة ً كأنها صرخة تبعثرت أصداؤها في المكان وقال :

تنازل عن حقه… هكذا بكل بساطة, من أجل صفعة تحتجزونني أكثر من شهر…لو كان هنالك عدل على هذه الأرض اللعينة لكان حقي الآن بين يدي, أنت أيها المحقق, كنت حريصاً على أخذ حق العجوز مني من أجل صفعة, هل ستحكم بالعدل إن سمعت مني باقي القصة…

قال الضابط والملل يغمر وجهه, وعندما لاحظ تكشيرته الفاقعة سكت وكأنه استيأس, لكن الضابط صلح من لهجته ونحت تقاسيم وجهه بملامح البهجة المصطنعة وقال له… أتعبتنا يا هذا, نحن هنا لنسمع منك, لقد سمعنا من الطرف الأول, وبقي أن نسمعك حتى نكتب ما ورد في المحضر …

أرجو أن تسمعوني يا سادة, يا من دبت بكم الشهامة على عجوزٍ لا تعلمون أصل شيب رأسه من أين كان…

كما أتعشم أن تبلغ حراسك يا سيادة المحقق أن يغلقوا الأبواب, إني ما أريده أن تسمعوني, طالما كان سكوتي, هو الشيء الذي حيركم وطالما تدعون العدالة ورجالاً حريصة على حقوق المستضعفين…

منذ ثلاثٍ وعشرين سنة… حينها اندهش الجمع وكأن صوت التذمر طغى على حديثه…لكنه أكمل عندما صار صوته فصيحاً خارجاً من كبته, كنت طفلاً يا سيادة الضابط, أسابق الجميع بانتصاراتي وأهزم الجموع بكبريائي ولدت وسط عائلة كأن الشيء الوحيد الذي يربطني بهم هو اسمي, أمٌ تعمل في البيت جاهدة مسؤولة عن سبعة رؤوس وأبٌ يجول مع عناصر الجمارك لا يحضر البيت إلا كل أسبوعٍ مرة, كنت محبوباً وسط الطلاب والمدرسين لأني كنت أسبق سنوات عمري بكثير, هكذا كان يقول لي مدرس التاريخ, وفي يومٍ حضر هذا الرجل, وأشار بيده صوب العجوز… وعرفنا أنه أستاذ الرياضة, لكن لا يخفى على حضرتكم أنه كان الساعد الأيمن لكل المدرسات الضيفات اللواتي لا يقدرن على قمع تلاميذهن, حتى صار سيطه شائعاً بين المدرسين والإداريين, وفي يومٍ دخل الفصل, كان بمقدار حجمه الآن مرتين, أكتافه تسد الباب ورقبته لا تقدر على مسكها إن أردت ذبحه, عروق وجهه تنبض بالحياة والحقد ضربة واحدة…

كان العجوز سيتكلم ليجيبه, لكن الضابط رفع يده كي لا يقاطعه, ثم أشار برحابة كفه إليه حتى يكمل… صمت الرجل ثم بدأ من حيث وقف بعد أن أضرم سيجارةً أخرى…

حضر الرجل وأبلغ الجميع بتوحيد لباس الرياضة كل شعبةٍ بلون, وأعطى مهلة أسبوعاً على الأكثر وتوعد للجميع بالعقاب الفظيع إذا أخل أحدٌ بمطالبه المفروضة…

لا أعلم كيف مر الأسبوع, ولم أعطِ للأمر أي اكتراث لأني أعلم أن المهلة ستمتد أسبوعاً آخر, حتى يحضر الأب الذي لا تقبل طيات عقله أن يشتري ابنه لباساً رياضياً من أجل اللهو, والأم التي لم تكن تعرف عن ولدها سوى أنه ذكي وشاطر يلجأ له أولاد الجيران كلما استعصت على أذهانهم أية مسألة…

ولأن الرياضة لم تكن شاغلتي, ولأنهم كعصاباتهم المروضة لا تحبذ أن تلتهي الأجيال إلا بالأناشيد التي تغنى لتمجد رذائلهم  أو أن يلهوهم عن نتاجهم العلمي والثقافي بالرياضة وغيرها, ولأن مجوفي الرؤوس وعديمي الجدوى هم الأغلبية حضر في ذلك اليوم الجميع بلباسه, إلا أنا وابن أخ مدرب التربية العسكرية, أشار له بيده ليصرفه هذا الحقود… وأنا أشار بيده لأتوجه صوب باب المدرسة الخلفي, كنت أرتعد لأنها أول مرة منذ بدء العام الدراسي سأنال عقاباً على شيء لا يستحق, بعد جلوسي أكثر من نصف ساعة أراقب الطلاب منقسمين لعدة فرق رياضية منذ الصباح, ولأن المدرسة تحيطها الباحة والردهة الخلفية القريبة من ذاك الباب الأسود الكبير, حضر هذا الكلب…

كان العجوز يسمع بدهشة, وكاد أن يرد عليه, لكن الضابط عاد وأصدر من فمه إشارة الصمت…
– صه…
حضر هذا العجوز الكلب, وجنته تشع احمراراً, كان قد شرب كأس الشاي وأنهى فطوره المحمس فوق المدفأة مع الأساتذة الآخرين, يحمل عصا غليظة من شاهدها وشاهد حماسه واندفاعه سيظن أنه سيحرر بها القدس…لكنه كان قادماً صوبي, جاء ليعبر عن كل معاني الرجولة بنظره على رأسي أنا, الطفل الذي بدأ بتعلم الأبجدية, خمنت أني سآكل عدة ضربات وسيكتفي…

لكن …

صار المتهم يبكي كالأطفال, الشهود مشدوهة والضابط مشدود لحديثه والعجوز يدق بأنظاره صوب الأرض, ثم عاد بعد أن مسح دموعه وأشعل لفافة تبغٍ أخرى…

ضربني يا حضرة الضابط وأنا ابن الأعوام التسع, وانبطحت أرضاً, والله لو قلت أنه أمطر على جسدي ومؤخرتي وأقدامي الحافية في صباح ٍ بارد قارص أكثر من مئة ضربة لما صدقني أحد, كنت أريد ساعتها فقط أن يتوقف للحظات لألتقط أنفاسي ثم يعود, وهيهات لو يفعل, وأكبر مطلبٍ وأمنية لي حينها أن أقدر الإمساك بيده ليتوقف لحظات, كانت أنفاسه تلهث كأنه كلب ووقعت الفريسة بين يديه, وقعت على الأرض وكاد يغمى علي, أذكر تماماً أن الدموع لم تكن تعرف طريقاً من شدة الحرقة والفزع والألم حينها, وكله من أجل ماذا؟ … من أجل توصياته وتوصيات قيادته العليا ولا يخفى عليكم أن الجميع كان يهابه للسبب نفسه, أنه عضوٌ عامل في الحزب الحاكم, لذلك كانت هذه طريقته بالضرب والعنف ولا يقدر على ردعها أحد, بل أنها طابت للجميع, وعندما حضر مدرس التاريخ ذُهل مما رآه ولم يقدر على الكلام, فقط قال له عني, إنه تلميذ مجد عندي, أجابه هذا الكلب, لم يحضر لباسه الرياضي غير ذلك أني وجدته يكيل بنظراته العجيبة على مدرسة الفرنسي… لم أعلم عن ماذا كان يتحدث, لكني حللت ما دار بينهم بعد أيام, وعرفت أنه برر ضربه غير الإنساني بسببٍ أخلاقي…

حضرة الضابط…طُرحت بالفراش أكثر من أسبوع, لم أقدر على لمس مؤخرتي وأقدامي, ولم تطلب مني أمي الكشف عنهما, لأن ذلك لا يهمها, كنت أنتظر مثول أبي من سفره حتى أعلمه عمّا جرى معي, لكنه أخرسني بكلمة, أن الأستاذ لا يضرب دون سبب…

تهشمت يا سيادة الضابط بعد تلك الحادثة, وصرت أبول كل ليلة في لباسي, ينتشر عبق البول في الصف من بعدما كنت أطارح الجميع بهندامي, بعد ما كانت درجاتي في الفصل الأول على صفي, صرت ترتيباً ربما العاشر واندهش التلاميذ والأساتذة من انكماشي وانطوائي على ذاتي, وأكملت المرحلة الإعدادية بالعافية بعدما صارت الدراسة عندي في آنية واحدة مع وجه هذا القبيح, لازمتني طيلة حياتي إلى يومك, بعدما تغلبت على عادة التبول اللاإرادي خلقت عندي صفة عدم الثقة بالنفس والخوف من العتمة والبكاء إن مكثت لوحدي, أنا الآن يا حضرة الضابط أتمزق في داخلي كلما صادفت طلاب الجامعة وكم أتحسر لأني لم أكمل تعليمي, لكني أيضاً تجاوزت محنتي, وها أنذا خريج الإعدادية أُدرس طلاب الثانوية دون الكشف عن ماضيّ, وألفت أكثر من كتابين, وقنعت بحياتي العادية الرتيبة والندم يغمرني, لأني لو أتممت تعليمي لكنت الآن أساوم على منصب وزيرٍ ولا أرضى به…

حتى صادفني هذا الكهل الكلب الذي أمامك في السوق, علمت أن حتى الجبلين يمكنهم أن يلتقوا بإرادة الله لو وضع المهندس الجبار بينهم جسر القدر والصدفة, ولم أقدر إلا أن أهجم عليه وأصفعه..

والآن بعدما سمعت يا حضرة الضابط, هل لي أن أسألك؟
هل صفعة مقابل عمرٍ بأكمله كافية؟ …

بدا الشحوب والتعاطف على كل الحضور, تنهد الضابط واستنشق نفساً عميقاً وقال للمتهم…

– هل لديك أقوالٌ أخرى …

– لا يا سيدي…

– هل تريد أن تدعي عليه؟

…لا يا سيدي …إنما أدعو الله أن يستدعيه في أقرب يوم ليلاقي هذا الرسول الزنديق ما ينتظره..
” بعض الرسل تُهدي شعوباً وبعضهم يسخر من الإنسان, لتضمحل بهم العقول ” ..

يا حضرة الضابط..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.