الرئيسية » نصوص » شعر » موفّق محمّد: قلْ لها يا أمُّ صبرا

موفّق محمّد: قلْ لها يا أمُّ صبرا

في الغروبِ
وهي تضعُ عينها بعين ألله
تحمل أمي وحشتها لائبةًًَ من العتبة
وتدخل حجرتها
كانت ترقّصها
والريح تنحبُ حين تلمس وجهها
الناطرَ في رؤوس الأزقة
وهي تضع قلبها على الطريق علّه ينبضُ
من وقع خطاه
عيناها فاختتان
قال الصمت
وهو يلملم ما تبقى من دموعها
ويدعو الحمام الذابلَ في أرجاء البيت
الأعشاشُ تغلقُ مناقيرَها
وخيطٌ من الدود الفرّاس يسيل من العتبةِ إلى
حُجرتها
ويتوهجُ في الظلمة
لترى الوحشةُ طريقها
والريح تضربُ الأشجارَ تنفض ثمارها
المتيبسةَ وتدعو أغصانها المتشابكةَ
إلى الرحيل
فهذا الليلُ غريبٌ في ظُلمته
يرفع عصاه
ويهشُّ أمواجه المحدودبة التي تحمل أسماءنا
ويهبط
لاعقاً جراحنا
منتعلاً أرواحنا
ويتلاطمُ عربيداً في الدروب
وما من باب يسلمُ
فندخل حجرتها
نختبأُ تحت جناحيها
وأمي تنفخُ في ناي مكسورٍ يدمي بحتها
فأصلحوا الناي
لأنَّ البلادَ تغني
البلادُ التي يداها نهران
ويضحك الرُطب جنياً في نخيلها
ويستند الطلق إلى جذعها
ويرضعُ حكمتها الأنبياء
هي الآن تتقوس في حجرةٍ مغلقةٍ
نادبةً أبناءَها
متذكّرةً البراعم التي تنزلُ من السماء
لتمكث في أرحامها
وتهتزَ باليانعِ من الثمار لتظلل بنيها
هي الآن تنزفُ من توأمين يتقاتلان في رحمها
وخيطانِ من الدم الفوار يسيلان من حجرتها
إلى العتبة
فتدّلهمُّ الدروب
ويخطف بعضها بعضاً
وقتالكم لا تأخذهُ سِنةٌ ولا نومٌ
فيا ناي أعني
ضع شفتيك على جراحنا المتفطّرةِ ذات الأجراس
لتُطلق أنينها المكتوم
ليصكّ أبصارنا وأسماعنا
يا طيرُ
إنّ لي أماً على عتبة ينحت الغياب فيها
ويتوقف عند عينيها طويلاً
ليمسكَ بالبسمة التي تسيل في دمعتها
وبالغناءِ الذي يصدح في نخيلها
قل لها يا أمُّ صبرا
فالصواريخُ التي تسافر في أجسادنا أخطأتك
ويَاللحظِ
وتركت لك بيتاً وعائلةً من رماد
وقلباً كان على شفا حفرةٍ من النارِ
فأستوى في أصبع النحات فَحمَه
فدعيه يكمل الليلة رسمَه
وأريه الجرح يجري نجمةً في إثر نجمهْ
يغزلُ النحتٌ كريات دمي
فتنطُّ الروح من كلتا يديه
نجمةً مذعورةً مضطربة
وقتها
أهبط من رأسي فيلتف عليه
ويراني في طريق الرقبة
هارباً منه إليه
فيا أيها الأحبة
عذراً لهذا الموت
ولكنْ
أرجو أن تنظروا إليّ جيداً
فعندما يفتحُ الجراح رأسي
سترونه كما خلقه الله إلا في الجزء المعطوب بماكنةِ رعبكم
وحين يفتح القفص الصدري
سيندلق الهمُ المجنحُ تحت أقدامكم
خائراً
أما قلبي
فلا تستغربوا من المسامير التي
تطرّزه
فالاسكافي الذي وضعه منذ خمسين عاماً على لسان سندانته
لينظم ضغطَ دم البساطيلَ والحوافر التي تركض فوقه
كان حاذقاً جداً
12 /11/2007
*************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *