فؤاد يوسف قزانجي: الفونسو منكانا باحث عراقي أغفله المؤرخون دارس للديانات أخرج الكتب من الأديرة إلي عامة القراء

هو هرمز بولص منكنا او منكانا،ولد في 23 كانون الاول من عام 1878 في قرية شرانش العليا قرب مدينة نوهذرا (زاخو) في شمال العراق،وتوفي في5 كانون الاول من عام 1937 في مدينة برمنكهام البريطانية. كان والده قسيسا كلدانيا في شرانش، وكان اكبر اخوته واخواته الثمانية، ومنذ صغره ارسله والده وعمره 12 سنة ليدخل المدرسة الدينية في الموصل وليصبح قسيسا.
كان هرمز فتا ذكيا مثابرا في تحصيل العلم،يحب المطالعة،ويعشق تعلم اللغات وقرائتها كما سنري: فخلال دراسته الاولية اتقن اللغات التركية و السريانية والعربية كما كان ملما بالكردية، وعندما التحق بمدرسة الاباء الدومنيكان سرعان ماتعلم الفرنسية والعبرية،وكان متقدما في دراسته، وقد رسم قسيسا في عام 1902 واختار له اسما جديدا وهو (الفونس)، وهوتقليد درج عليه رجال الدين من المسيحيين ليفرقوا بين الفترتين المدنية والدينية التي تتميز بالتقشف والتبتل.
وبعد فترة اشهر من ممارسته الدينية في شرانش،اختير من بين الخريجين لاتقانه كتابة اللغة السريانية لان يحل محل استاذه في المدرسة الدينية العالية الاب اوكين منا الذي اصبح مطرانا. ولم يكد يدرس لفترة وجيزة حتي عهد له ايضا تصحيح الكتب المدرسية باللغات التركية والعربية والفرنسية التي كانت تطبعها مطبعة الاباء الدومنيكان في الموصل.
ادرك الفونس منكنا alphonse mingana ان السريان القدماء خلفوا لنا كتبا عديدة مهمة في الفترة السريانية ــ الفارسية بين القرن الثاني والقرن السابع للميلاد، فراح يبحث عنها في الاديرة والكنائس القديمة في الموصل واربيل وزاخو ودياربكرالتركية، ويستنسخ مايستطيع منها . وبدأ الفونس بالكتابة والتاليف فالف كتابا في قواعد اللغة السريانية معتمدا علي استاذه المطران اوكين منا. وفي عام 1905 قام بتحقيق مخطوطة تتضمن رسائل الاستاذ نرساي عميد جامعة نصيبين. وتقدم خطوة كبيرة حينما انكب علي مخطوطة من اهم المخطوطات في تاريخ التراث السرياني الا وهي (تاريخ اربيلا) من تاليف مشيحا زخا، وراح يحققه باللغة الفرنسية ،ثم قام في عام 1907 بطبعه وترجمته الي الفرنسية . وكان في تقديمه لهذا الكتاب قد ذكر ان الكنيسة الكلدانية كانت تابعة الي كنيسة انطاكيا في القرون الاولي الميلادية، بالاضافة الي بيعه للمخطوطة الي الالمان بطريقةغير امينة اذ اتهم بعدم صدقه في تاريخ كتابة المخطوطة ،مما سبب خلافا بينه وبين رؤوسائه،فاعفي من التدريس واعيد قسيسا الي قريته. وعاش سنوات وهو يفكر بالسفر الي الخارج، حتي اتيحت له الفرصة فسافر الي احد المراكز العلمية البريطانية في17 من آذار عام 1913، وهي كلية وود ــ بروكة .حيث بدأ بدراسة اللغة الانكليزية، وفهرسة وتنظيم المخطوطات ونسخ المخطوطات التي جلبها معه. وفي عام 1915 التقي بالانسة ايمي فلور ،وكانت طالبة علوم دينية من النرويج، تدرس معه فتعرف عليها وتزوجها في عام 1916 وانجبت له ولدا وبنت. وانتقل في نفس العام الي مكتبة جون رايلاند التابعة الي جامعة مانجستر للعمل كمسؤول لقسم المخطوطات الشرقية والتي تضم مخطوطات قديمة عربية وسريانية وتركية وفارسية . وخلال هذه الفترة الف بضعة كتب كما كتب عدة دراسات تاريخية بعضها بمشاركة باحثين انكليز وفرنسيين مرموقين.
وخلال الاعوام 1924 ــ 1929 قام بثلاث رحلات الي الشرق الاوسط، بتمويل من البروفسور ادورد كادبري، حيث اقتني مجموعة من المخطوطات السريانية والعربية . وعند عودته انتقل الي مدينة برمنكهام و اخذ يعمل محاضرا في جامعة برمنكهام لتدريس تاريخ الادب العربي والثقافة السريانية، وتوفي فجأة في عام 1937 وقبل وقت قصير من اكمال الجزأ الثالث من فهرسة (مجموعة منكنا) التي حفظت في مكتبة جامعة برمنكهايم، والتي تعد ثالث افضل مجموعة للتراث السرياني في العالم بعد مجموعة مكتبة الفاتيكان ومكتبة المتحف البريطاني(حاليا المكتبة البريطانية). وكان قد تراسل مع بعض الشخصيات المشرقية من بينها الباحث افرام برصوم الموصلي، كما كان قد اتصل بكثير من علماء وباحثي عصره من بينهم ثيودور نولدكة وكريستوفر لوكسمبرك ،والعلامة ماركليوث احد مؤلفي موسوعة الاسلام .
توفي الفونس منكانا فجأة في عام 1937 ،بعد ان خلف ولدا وبنت قررت ان تدخل احد الاديرة كراهبة.

مؤلفاته وكتاباته
يعد الفونس منكنا من ابرز الباحثين العراقيين في مفتتح القرن العشرين، الي جانب انستاس الكرملي وعبد الرزاق الحسني وغيرهما، واشتهر في بريطانيا وفرنسا اكثر ما اشتهر في العراق والمشرق: ويعود السبب الاول لذلك ان مؤلفاته ودراساته العشرة تقريبا ومقالاته التي تقرب من الثلاثين، كان قد كتبها او حققها ، باللغتين الفرنسية والانكليزية:
ــ جمع رسائل الاستاذ نرساي عميد جامعة نصيبين(491 ــ 502) وكتب عنها دراسة باللغة الفرنسية ونشرها في عام 1905 .
2ــتحقيقه ودراسته لكتاب تاريخ اربيلا chronicle of arbela لمؤلفه مشيحا زخا الذي يعود الي القرن العاشر للميلاد ومعني اسمه (المسيح ينتصر)، وكان قد كتبها( زخا) نقلا عن كتاب آخر كتب في القرن الرابع عن حياة الكنيسة في منطقة حدياب من تاليف المعلم (هابيل) . قام بطبعه اولا في الموصل بمساعدة الاباء الدومنيكان في الموصل عام 1907، كما طبع في لايبزك باللغتين السريانية والفرنسية بعد ذلك، ثم باع المخطوطة الي مكتبة برلين . وقام الباحث الالماني اي.ساخاو بترجمتها الي اللغة الالمانية في برلين عام 1915 . ثم ترجم المخطوط الي اللاتينية من قبل فرانس زورل في عام 1917 . وذكر الباحث جان فييه ان تاريخ المخطوطة لايعود الي القرن العاشر، ولذلك شكك فيه، وتبعه آخرون دون دراسة وقائع الاحداث فيها. وفي عام 1978 اكتشفت الباحثة روث التهايم بان تاريخ ارتقاء الملك الساساني الاول للعرش بعد قضائه علي حكم الفرثيين هو في 28 نيسان من سنة 224 كما جاء في تاريخ اربيلا. والحقيقة ان الفونس كان قد اطلع علي المخطوط المشار اليه واستنسخه لكن لم يستطع الحصول علي نسخة منه، وفعل ما فعل من ادعاءه ان نسخته التي كانت قد كتبت حديثا،بانها تعود الي القرن العاشر. والكتاب يسجل بايجاز سيرة حياة 20 مطرانا او رئيسا لللاساقفة جلسوا علي ابرشية منطقة حدياب ومركزها مدينة اربيلا بين القرن الثاني ومنتصف القرن السادس للميلاد، ويعتبرون من آباء الكنيسة العراقية الاولين .كما يتحدث عن آخر ملك او حاكم لمنطقة حدياب في القرن الثاني ويدعي نرساي كان قد قتله الملك الفرثي،لانه لم يرسل له مقاتلين لقتال الرومان، اذ كانت مملكة حدياب وكذلك مملكتي ميشان وحاطرا تحت النفوذ الفرثي.
3ــ رسالة (ابا عفر Aba Afar) الي فيلكسينوس المنبجي،اسقف مدينة هيرابوليس(منبج) التي جاءته من حاكم مدينة (حيرة النعمان) حول قيام زعيم لاحد القبائل اليهودية في مدينة نجران بقتل شيوخ مملكة حمير الذين كانوا مسيحيين بين الاعوام 525 ــ 535 ،واحراق بعضهم والذين عرفوا في التراث الاسلامي (اصحاب الاخدود). واضاف منكنا وثيقة اخري وهي رسالة اخري في نفس الموضوع ،واصبحت هذه الوثيقة مثارا للجدل حتي اليوم.
4ــاصول لغة القرآن الكريم بالاشتراك مع الباحث نولدكة واخرين كتب في عام 1915. احدث هذا البحث ضجة في حقل الدراسات اللغوية والاسلامية، وكانت الدراسة معتمدة علي تحليل التعابير والمصطلحات التي وردت في آياته، ومدي علاقتها باللغات الارامية والسريانية والعبرية وغيرها والتي كانت سائدة في المشرق ،والبحث يحتمل المناقشة ،ناسيا النقوش القبرية العربية والتي وجدت في جنوب سوريا، ولكن بحثه لايخلو من حقائق. نقل عنه عدد من كتابنا المعاصرين،وبعظهم لم يشر الي المصدر.!
5ــ مواعظ واشعار الاستاذ والفقيه والشاعر نرساي عميد جامعة نصيبين الثانية 491 ــ 525 . حققه بالاشتراك مع كريستوفر لوكسمبرك بالفرنسية ،ويذكر ان كتابات نرساي وترانيمه واشعاره لم تترجم الي العربية حتي الان!. وقد اضاف الفونس نص سرياني قديم الي الكتاب كملحق يتضمن احوال ونظام جامعة نصيبين الذي استحدثه الاستاذ نرساي ،لعله للراهب برهاد بيشابا، لم يترجم كاملا بل اوردت الباحثة الروسية نينا بيكولفسكايا جزءا منه، في كتابها عن تاريخ ثقافة السريان.
10ــ الف بالانكليزية مع كاتب (آثوري) من اورمية ،كان قد هاجر الي امريكا يدعي جورج لاماسا lamasa كتابا بعنوان (المسيحيون القدماء) وذلك في عام 1926 ولانعرف مدي اهمية هذا الكتاب؟
11ــ دراسة بعنوان الخليفة المقتفي:(المناقشات التي جرت بين عبد ايشوع الثالث والخليفة المقتفي) في اواخر العصر العباسي في عام 1139، طبع علي الارجح بالانكليزية.
12ــ جمع في كتاب مواعظ وكتابات افراهاط الحكيم وترجمها الي اللغة الفرنسية، لم يترجم حتي الان.
13ــ في نهاية عام 1913 ،انتهي الفونس من تحقيق مخطوطة سريانية قديمة يعود تاليفها الي القرن الثاني للميلاد بعنوان( اشعار سليمان) لمؤلف مجهول،وحيث ان انكليزيته كانت ضعيفة بعد، فانه ارسل النص باللغة الفرنسية الي مجلة المانية،والتي ترجمت النص الي الالمانية.وذاع صيت منكنا في الاوساط البحثية وتنافس الباحثون الانكليز والفرنسيين والالمان في تعليل مؤلف النص فمن قال انه يهودي واخرون قالوا هل كان اليهود يعرفون السريانية؟ انه ولاشك مسيحي، وقال ثالث انه ولابد يهودي تحول الي المسيحية، ولاتزال التساؤلات قائمة الي اليوم!
14ــ فهرس المخطوطات المشرقية (مجموعة منكنا) في مكتبة جامعة برمنكهايم بالانكليزية في 3 اجزاء. والمطلوب من باحثينا في بريطانيا ان ينشروا اهم المخطوطات المتعلقة بتاريخ الثقافة السريانية خاصة بين القرن الرابع والقرن العاشر. وتظم المجموعة حوالي ثلاثة الاف مخطوط،وتعد من المخطوطات التي تبين نشاط رجال الدين وغيرهم من المثقفين في العراق والجزيرة ومعظمهم عراقيين ودورهم في رفع مشعل الثقافة السريانية منذ القرن الثالث عشر حتي القرن العشرين. ويقول عنها الباحثون ان كثيرا من هذه المخطوطات برهنت بانها مصادر لاغني عنها بالنسبة للبحوث المشرقية.
15ــ حقق مخطوطة حياة سوريوس الانطاكي لمؤلفها زكريا الملطي، من مدينة ملطيا في منطقة آمد (الجزيرة).
16ــ حقق كتابات برصليبا المعارضة للفكر المسيحي الارمني.
اما مقالاته ودراساته الاخري فمعظمها نشرت في مجلات بحثية في بريطانيا وفرنسا والتي تبلغ زهاء عشرين بحثا ودراسة، من بينها نصوص سريانية عن دير صابرايشو ودير برفنكاي مع ترجمة فرنسية وذلك في عام 1908 .

اهم المصادر
(1) chronicle of arbela. English translation by timothy kroll. lovani 1985
(2) مقالة شاملة عنه كتبها الباحث اللبناني الاستاذ سمير خليل سمير بالانكليزية والمنشورة تحت اسمه في الانترنيت:samir khalil samir

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بلقيس خالد : مصادر موهومة (تعاليم الصوفيين التصوف بين الشرق والغرب: ولتر ستيس ).

يتوزع  كتاب (تعاليم الصوفيين التصوف بين الشرق والغرب) إلى عدة أبواب. يسأل المؤلف نفسه : …

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

تعليق واحد

  1. تحية خالصة للأستاذ قزانجي
    عزيزي: أنت قلت إنه لم يكتب شيئاً بالعربية فكيف يعرفه إخوته العراقيون؟ ولست أدري لماذا؟ هل كان يتعالى على اللغة العربية؟
    رأيت الكثير من الكتاب في ديترويت ممن يعرفون العربية لكنهم يكتبوت بالإنكليزية والآثورية ويحتقرون العربية وحينما تسألهم شيئاً بالعربية يجيبونك بالإنكليزية، أو لا يردون. ولست أدري متى يدركون أن من يتعالى على شعبه يفقد لا احترام شعبه بل احترام الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *