هشام القيسي: ماسك الماء في المنافي؛ لقمان محمود: الحواس والأنتظار

ابتداءً ، يمنحنا الشاعر لقمان محمود ، من خلال نسيجه الشعري قدرات ايحائية متوهجة تجعل استجلاء التناظر في العلاقات الداخلية أمراً يؤدي مهمته في عملية الكشف ، ولهذا لانغالي ان قلنا انه شاعر فني خصب بمستوى مدهش . فنسيجه الشعري يتأسس على عفوية وتلقائية وتدفق يفضي الى تقابلات ، الأمر الذي يعكس حركة الحواس على نحو فاعل وبما يمنح التلقي سياقات من الأنفتاح والتعدد الصوري :

( الحياة جميلة
فكل ما أفعله
أيها الحليف – أيها الألم
هو أنني أضللك )
تضليل –  استنفار العزلة .

و

( أيها الموت
مهما تكن لمساتك رقيقة
فهي مؤلمة )
الموت – استنفار العزلة

وعليه فالهاجس الأنساني في أجواء الأنشراح أو الضد المفروض يتجلى من خلال الأيحاءات والمعطيات  في عملية خلقه الشعري ، لذلك نجد قصائده تنطوي اضمارياً على مشاهد لعوالم تنحاز بكل وضوح للرموز والثيمات البصرية كي تعبر دون أدنى شك عن العلاقة الوثقى بين الطبيعة الشعورية والرؤية الشعرية :

( سيمضي وقت طويل
على وحدتي هنا
أناديك – أيتها البعيدة – بالماء
فيرجعني الصدى أكثر عطشاً
لتبقى المسافة بيننا عذراء )
مسافة عذراء : كي لا يراك الألم بوضوح

وكذلك
( أنتظر أمي
لتعيدني الى نور الرحم
فأنا خائف من ظلام الحياة )
الأنتظار

وتماشياً مع هذا المسار يكون من المناسب أن يشار الى الشاعر بتوصيفة دقيقة ( شاعرقضية ):

( يأتي الظلام
من الأسلاك الشائكة
فكل معلوماتي عن الحدود
انها تراقب
الآلام المتبادلة
بين الأكراد )
الجحيم

وهكذا فان مفرداته بفضاءاتها الدالة طرية بالأيحاءات المتعايشة على نحو متناسق ، فهي تحمل طاقات تعبيرية تمتلك القدرة الفنية على الأستدلال بجهات الفضاء المكاني ( كردستان ) ومن ثم التطابق الى  حدود عميقة وبعيدة مع اسقاطات هواجس الرؤية الشعرية :

(  كلما استيقظت جراحي القديمة
من ليل الجلاد
أخذني أنين الأفبية
لجلاد جديد يبتكر التعذيب
في جثتي النائمة )
جلاد

كذلك

(  كل شيء مستريح في مكانه الثابت
ما عدا القبور
انها تمشي )
تراب مشلول
ان المشاهد الثرة التي تخلقها صوره الشعرية تشير الى مهارات في أركان التواصل الأبداعي  وتوطين العلائق بما يجعلها تترشح من مخيلة ناضجة برؤية أعمق استلهاماً في تجسيد الدلالات :

( صدقيني
حتى لو كنت زهرة العباد
سأدور نحوك
لا نحو الشمس )
حلم بحاجة الى النوم

وجرياً على مسالك المبدعين ، يبقى الشاعر عاشقاً متوحداً بالمرأة / القضية – القضية / الوجود ، فالمرأة بالتالي هي الموجود المعبر عن الذات ، القضية ، الوجود . ومن هذا المناخ  الرومانسي المسور باسقاطات الواقعية يشهر الشاعر أدوات حركية في ترصين التشويق والوحدة الشعورية للمتلقي :

( فأنت أنت
حكايتي الأبدية
في وطن الأسطورة )

و

( أنهض من موتي
كل يوم
أكثر موتاً
ماذا أفعل دلشا ؟ )
ماذا أفعل
و

( ما عادت تلك الأرض موجودة دلشا
فقط هناك دول قوية ،
دول مريظة
ودول ميتة )
وطني دلشاستان

ولغة الشاعر بسيطة تنساب من هطول تخيلي يعمق خطابه الشعري ومحاكاته بصدق ، ناهيك عن استعماله الحكايات الشفاهية ، الموروث الشعبي ، الأساطير عبر ( الأم ، العرافة ، ملحمة
مم وزين ) في عملية استنطاق توافقية تغني الأيحاءات والدلالات لأجل أبعاد ايقاعية بعيداً عن
الضبابية والأقحام غير المبرر :

( كل شيء يطفو على ظله
وأنا لا أطفو الا على نارك … )

( قليلاُ من الحكمة
كي لا أورطها  في الحب
وقليلاً من الحكمة
كي لا تحب )  .

صراحة النسيان

لقد أبدع الشاعر رؤى جميلة تتناغم فيها تقابلات من اشارات النقيض عبر دلالات لها الأفعال الحية في الجسد الشعري ، ولهذاا فتعابيره تتسم بروحية الجدة التي تأسر القاريء .
أما التكنيك الشعري لديه فيتمثل في جانب منه بقصائده القصيرة والمقاطع التي تثير المتلقي عبر مسارات تجمع بين عناصر متعددة تأخذ سياقات صارخة وغيرها وتأزمات متعددة المستويات حتى مراحل التفريغ :

( تبقى الفراشة أمية
حتى تتعلم
قراءة النار
دون أن تحترق )
جسارة السر

و
( الدمعة
في أغلب حالاتها
دم يبكي )
قالت دلشا

و

( أبذل جهدي
أن أموت
فكل موت يعلمني
أن أحبك أكثر )
دلشا أحبك أكثر

وتأسيساً على ما تقدم ، أجد نفسي مدفوعاً ومبهوراً الى القول ان الشاعر لقمان محمود وعبر كونه الشعري يتسم بتدفقات تعبيرية تثير وتثري لأسباب عديدة منها : –

1 –  ان غربة الشاعر وأزماتها لا حدود لها ، عبر تنويعات لونية تتوهج على مساحاتها الشعرية الأنفعالات والتجارب الشعورية .

2 – ان المسار النفسي والفكري للشاعر ينسجمان عبر حركية وفاعلية وطاقة موسيقية تشهر الغليان في المواقف والأنفعالات النفسية التي غالباً ما تؤكد حسه العميق ومهارته في خلق العلاقات الداخلية .

3 – ان معجمه الشعري يعكس ذوق الشاعر واطاره الحياتي ، فضلاً عن هيمنة النظور الفلسفي للأشياء وفق امتدادات تعبيرية جوهرية وموحية .

4 – وهكذا فان آفاقه التخيلية تتفاعل على أشد التفاعل بالمعاينة الحية للموجودات المكانية ، ومن هنا فان  ثيمات قصائده تشير الى أثيرية وحضور متقد ينطلق من المستوى الأول من مستويات  الوعي – الشعور – بحسب مفهوم فرويد الأصلي ، بشكل جاد وغير مألوف .

– كل التضمينات الشعرية الواردة هي من قصائد مختارة للشاعر لقمان محمود زودها لكاتب المقال

 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *