د. جمال العتابي: الشبيه

على مقعد مستطيل من الخشب ، احتل الزاوية اليسرى من قاعة الاستقبال التي تفضي إلى قاعة أخرى للاجتماعات ، اقتسمنا المكان أنا وهناء ، القاصة القادمة من عمّان ضيفاً على مهرجان ثقافي توافد عليه عدد كبير من المثقفين والأدباء .. المكـان ، جزء يكاد يكون مهملاً في قاعة كبيرة تكتظ بالوجوه من الرجال والنساء ، وباللوحات المعلقة بالجدران التي تغرق في دوائر من الضوء.
سحرت بجو القاعة ، والحركة المتصلة ، وسط ضجيج يتصاعد مع دخان ابيض ينفثه المدخنون ، أسهم في خفض درجات الحرارة الخريفية.
بدت الفتاة الجالسة إلى جانبي هادئة ، تبدو على ملامحها خيوط الفرح ، والرغبة في معرفة أسباب صمتي ، وشرود ذهني ، فلم يكن يفصل بيننا شيء ، سوى هذا الحاجز الذي بدا ثخيناً ، شديد الوطأة.
لم يطل الأمر أكثر مما ينبغي ، حينما تقـدم لنا احـد الضيوف يحمـل حزمة من الكتب ، رصفها بحذر شديد على كف يده الأيسر ، وراحت يده الأخرى تمسك بقلم مشرع لكتابة شيء ما ، وبادرنا بالتحية ، بكل أدب وتواضع :
–    مرحباً بك أستاذ ناجح ، في مدينتنا التي تراها تتجدد في كل عام ..
–    أهلا وسهلا ، أيها الأخ الصديق ، وان سمحت ، عرفنا بجنابك ، أولاً ، وعذراً إن أخبرتك أنني لست المقصود الذي تبحث عنه ، علما إن ناجح موجود بيننا كذلك وبإمكانك أن تجده ..
–    عفواً ، أنا هيثم ، أرجو قبول اعتذاري ، لكنني غير مصدق تماماً .. انك لست ( ناجح ) .. ها إني أعيد النظر في التدقيق والتأمل ..
بدا هيثم أكثر تركيزاً في وجهي ، وعلامات الدهشة ، أكثر وضوحاً في عينيه ..
–    غير معقول ،!! شبه في أكثر من ملمح …!! أرجوك دلنّي على الحقيقة .. ويكفي مزاحاً ..!
–    أستاذ هيثم .. تأكد إنني قلت لك الحقيقة ، ألا تؤمن بالقول : ( يخلق من الشبه أربعين ) ، أليس كذلك .. ولأزيدك اطمئناناً ، انك لست الأول الذي وقع في هذا الألتباس ، لقد سبقك كثيرون ، وذات مرة وجدت اسمي على صورة للأخ ناجح أو بالعكس .. في إحدى المجلات الأسبوعية ذات الانتشار الواسـع . وبودي أن أعرب لك عن ارتياحنا نحن الاثنين ، لهذه المفارقات الجميلة ، لأننا نشترك ونلتقي في أشياء جوهرية أهم من الشكل .. وعليك ألان أن تضيف اسمي لقائمة الأصدقاء المشمولين بالإهداء …
–    بكل تأكيد وسرور – أجاب هيثم – ثم رجع خطـوة إلى الوراء واستدار بتثاقل ، على أمل اللقاء مساء ، وهو غير متيقن تمام اليقين ، إن محدثه شخص آخر ، غير ناجح.
التفت إلى هناء ، لم انتظر تعليقاً منها ، فكل نظرة من نظراتها إجابة ، وكل إيماءه وحركة عين ، تدل على شيء خفي ، وما أن ملت إلى السكون ثواني ، حتى رأيتها في تلك اللحظة السـاخنة تمد يدها اليمنى قائلة باللهجـة الأردنية ( شفت كتابي الأخير ) ، فأبتسمت كمن به حياء ، وتمهلت قليلا ، وقلت هات إذن يدك الشمال ، فهي أقرب إلى جهة القلب ، لم أكد اخفي لهفتي وإعجابي بنبرة صوتها الموشوم باللين والرقة ، كأنه يأتي من بعيد ناعماً ، صوت أنثوي يصل إلى سمعي من أعماق موغلة في البعد ، وهي تمسك بيدي ، أحاول الهروب من عينين زرقاوين ، ينفثان وميضاً لا ينقطع ، يتهيأ لي أنني اغرق في هوّة ، وابحث عن منقذ في صحراء مترامية الأطراف . ( قوم يازَلَمة عالغدا ) .. قالتها هناء بعصبية ، وصوت مرتفع بعض الشيء ، ( لا تشغل بالك بهذا الرجل الذي لا يميز بين صديقه وآخر يلتقيه لأول مرة !! ) ، هل لديك اعتراض ، أردفت بالقول ، فندّت عني ضحكة صغيرة بحجم فمها ، لم أجرؤ بعدها على الإجابة.
لم يكن المطعم ، بعيدا عن قاعة الاجتماعات ، فأخترنا أن نمضي إليه مشياً على الأقدام ، كانت الأرض والأشجار مغلفة بالثلج الذي بدأ يتساقط ، والأفق معتماً ، والريح تصفع أعلى البنايات ، وصفوف الشجر ، فتتساقط ذرات الثلج ، والأوراق التي اصفرت بسرعة ، وتدور الطيور البيضاء والرمادية ، ثم تتطاير بخواء ووحشية ، فأحسست بالبرد يتسلل إلى عظامي ، رغم احتمائي بالجدار السميك الذي يقف حاجزاً لصد الريح الشمالية ، القادمة من قمة جبل أزمر الذي تتسلق سفحه البيوت بقوة والبنايات العالية الجديدة.
أدركت حينذاك أسباب وصول هناء بسرعة إلى البوابة الرئيسة للمطعم ، التي تفضي إلى قاعة دائرية واسعة ، حيث الدفء ، وازدحام الرواد بطابور طويل بانتظار دورهم لاختيار الطعام.
بقيت أتطلع إليها بعينين مندهشتين ، ونحن نرمي بكتبنا ، على طاولة بعيدة عن الضجيج والتزاحم ، لهنيهة ، شعرت بالامتنان ، أنها أدركت متاعبي في مواجهة برد شديد ، لم نحسب له قبل الوصول إلى المدينة ، وشعرت إن كلماتها قد حملتني إلى فضاء فسيح داخل نفسي ، وملأتني فجأة بالفتوة والقوة.
وغمرني شعور بالزهو ، وهي تراقب انفعالاتي ، وحركة يدي ، حدثتها عن الولع بتوثيق الزمان ، واحتجاز اللحظات الهاربة ، عن حتمية التغييرات في العالم ، وتسارع ذلك في أجواء عالم جديد .. ودورنا في مسار التحولات والتطورات ..
وسط أجواء الحوار الذي بدأ تواً ، بحميمية ودفء .. اطل هيثم من جديد ، بخطوات واثقة نحوي ويقين تام .. ليقدم لي مجموعته الشعرية .. ووجهه يحمل ابتسامة عريضة ، غطت على حمرة وجهه تشي بالوصول إلى ضالته .. وبادرني بالقول :
–    أستاذ ناجح ، يسرني جدا أن التقيك ، وعذراً إن تأخرت عنك .. أرجو قبول إهدائي لمجموعتي الشعرية الجديدة
–    أشكرك
ثم غادر بسرعة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : دموع من رمال .

أخرج عن صمتك يا أنا، تحدث فالحزن يتضاعف مع الصمت، أنفث سموم همك فالفقد جلل، …

| نبيـــل عـــودة : حتى ابن الله!! .

لم يعرف أبو رباح طعما للنوم منذ أسبوع.  كان يظهر عليه القلق والشرود الفكري، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *