كريم الثوري: صديقي الوهم

1

على يسار الطاولة يلمع كأس الخمر ، فيما يستكين كأس الماء على يمينها
انسحبت يده اليسرى عند كأس الذكريات، أغمضت عيناه طواعية ، استدعت مخيلته وطنا بلا مهاجرين ، شبابا بلا شيخوخة ، صحبة بلا قطيعة  ، عائلة بلا شقاق ، سنة مُتحابّة الأشهر والأيام … اهتزت الطاولة ، مسح آثار دمعتين انسابتا حتى لاذتا بطرف اللسان ، تذوقهما ، فسرى مفعول الخمر حتى اسكرّه…
مدَ يده اليمنى الى كأس الماء ،  وقبل أن تغمض عيناه  ليجرب كما المرة السابقة ، تعالت الأصوات المشككة في مدى ولاء مفعوله
مُبقية على صهيل لذة مازالت تغترف منها الحواس وتسكر ، حتى ينقطع النفس …

2

كنسر مكابر ، أراد أن يروي حكايته عند أعلى رابية يستطيع اللحاق بها ، يطل من هناك مُتشفياً بكروية الأرض
هام في أرض الله متخطيا الهضاب والجبال ، الوديان والسهول ، وكلما وطأ أرضا انسل من يهتف به :   هناك المزيد من البلدان تفتح ذراعيها لتتويج نصابك  ، لم يصغ لنداء أيامه بالكفاية ، ولا لهواجس اندفاعه بالقناعة ، حتى وصل لقمة بركت عندها راحلته ولم يعد يستجيب النداء ، نظر باستخاف لإنحباس حد البصر وهو يرسم 360 درجة حول نقطة إرتكازه ، استند إلى صخرة متوحشة ، ملتمسا سحابة عابرة ، إلى من يعيده ، إلى نقطة الصفر ، قبل كروية الأرض بسنين ضوئية…

3

الطريق إلى الجحيم يمر عبر بوابات مختلفة الأشكال والأحجام
الطريق إلى الجحيم ، يزرع فيك منابت مختلفة ، تصارع منبتك الأصل ، فلا تنتصر عليه
الطريق إلى الجحيم ، يجعلك أكثر قناعة بأن ليس بالإمكان ألذ مما كان…
أكثر هشاشة بنفسك ، تبدو كالحجارة الصماء ، أو الأسفنجة الماصة
يقوض فيك اللهفة والرأفة والاشتياق ، يبدو كل شئ باهتا كطعم نساء المباشرة… دون مقدمات
الطريق إلى الجحيم ، معناك وقد تطشر ، فليس بمقدورك استرجاعه…
يزرع فيك لذة اصطناعية ويبقيك محنطا تمارس أشواقك بعدما شُلّت حواسك بالكامل
طريق من أضاع بعدما أكتشف نبوءته باكرا ً، أن لا طريق يدله عليه ، سوى البحث عن ملهاة  ، أي ملهاة ، تسرقه من يومه ، فيبدو جسدا… بلا ذاكرة
الطريق إلى الجحيم ، المنافى مجتمعة… في منفاك الغربة ،
جئت… لترحل ، ذلك هو الطريق… اللاعودة من جديد ، بعدما اكتمل النصاب .
كريم الثوري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.