حسين سرمك حسن: كيف تدرس قصة قصيرة ؟ بحث في نقد النقد : قصة “عين لندن” لفاتح عبد السلام أنموذجا

لا أعلم هل كان القاص والروائي العراقي “فاتح عبد السلام” مسرورا بمقالة الأستاذ “جورج جحا” عن مجموعته القصصية الأخيرة “عين لندن” والتي حملت عنوان ” فاتح عبد السلام في (عين لندن): سرد متدفق وعمق وإيحاء” ، والمنشورة في ملحق “ألف ياء الزمان” يوم 26/8/2011 ؟ وهل كان الأستاذ جورج منصفا وأعطى المجموعة ما تستحقه من جهد وتقييم نقديين ؟
لقد كتب جورج مقالة من ثمانية وعشرين سطرا فقط (بعد رفع الاقتباس الذي نقله من قصة فاتح “الناقوس لا يُقرع الآحاد” ، وبحجم الخط 12الذي نشرت فيه ).. نعم ثمانية وعشرين سطرا فقط عن مجموعة من (107) صفحات ، ضمت سبع قصص هي : عين لندن ، الشظية لاتزال في ساقي ، ماراثون المسافات القصيرة ، الناقوس لا يُقرع الآحاد ، لحظة الاستنساخ البشري ، حديقة عبّاس في ساوث هول ، وجنّية الساعة الحادية عشرة .
وكنت أقول دائما إن من الظلم أن يكتب الناقد مقالة – خصوصا إذا كانت قصيرة – عن مجموعة قصصية – أو شعرية – كاملة أمضى القاص – أو الشاعر – سنوات من عمره في كتابة نصوصها . وقد يكون أمضى سنوات في كتابة القصة الواحدة – قد ينطبق هذا على الشعر بدرجة أقل بكثير بسبب طبيعة الإبداع الشعري – . هناك – مثلا – إشارة في نهاية قصة “ماراثون المسافات القصيرة” تشير إلى أن الكاتب كتبها بين عامي 2006 و2010 ، وأنه أنجز قصة “حديقة عباس في ساوث هول” بين عامي 2005 و2011 . هكذا يحرق الكاتب سنوات من عمره ليكتب مجموعة قصصية يأتي الناقد ليسلخ جلدها كلها بسكين مقالة قصيرة بثمانية وعشرين سطرا ، أي أقل من صفحة واحدة من نوع ((A4 !! . ولأننا في مجال نقد النقد ، فلابد أن نقدم أولا المقالة التي كتبها جورج بعد رفع الاقتباس لأنه لفاتح وليس له :
(في “عين لندن” مجموعة القصص القصيرة للكاتب والروائي العراقي فاتح عبد السلام سمة عامة تجمع بين القدرة علي السرد السهل المتدفق والسخرية المضحكة حينا والمحزنة حينا آخر وان تركت الخاتمة دون تحديد في بعض الاوقات. ولدي فاتح عبد السلام في بعض قصصه وفي واحدة منها في شكل خاص غوص في النفس الانسانية وخروج منها بالمفجع والمحزن وبصور عن مرارة التجربة الانسانية وفعل الزمن وانشطة بشرية علي رأسها الحروب. تألفت المجموعة من سبع قصص توزعت علي 107 صفحات متوسطة القطع وصدرت عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) في بيروت. ولعل قصة “الناقوس الذي لا يقرع ايام الاحاد” أكثر قصص المجموعة تأثيرا في النفس وتعبيرا عن كثير من العمق في النفس البشرية ذلك العمق الذي يراوح بين مر الزمن وفقد من نحب اما لابتعاد نهائي او لبعد يجعلنا نخاف من البعد النهائي. إنها قصة الحياة والموت والحرب والعمر الطويل وانتظار الاحبة خلاله. مرة اخري تظهر قدرة علي الوصف الشيق وعلي الحوار السهل المتتابع المعبر عن افكار قد لا تكون دائما “فلسفية” بل من عمق التجارب عند الانسان تورد دون تفلسف واحيانا قليلة بقليل منها. وفوق كل ذلك هناك قدرة علي اجادة “الثرثرة” الظريفة. القصة كسائر القصص تجري في لندن او يجري فيها القسم الغالب من بعض القصص. إننا هنا ازاء اثنين، رجل وامرأة في حديقة عامة وهما يحتفلان بمناسبة ستتكشف لاحقا ”
في القصة الأولى “عين لندن” التي اعطت اسمها للمجموعة رحلة في تلك العين وهو اسم تلك الآلة التي تشبه الناعورة والتي تحمل الناس الي الأعالي في رحلات يشرفون فيها على المدينة من عل. فتاة وشاب عربي وهو مهندس كان يحدث الفتاة عن انه يستطيع نسف نصف مباني لندن لإعادة بنائها بشكل أنسب، أم الفتاة نتيجة الرعب من الارهاب والإرهابيين تبلغ الشرطة فيتجمع حشد من رجالها. الفتاة معجبة بالشاب. اما نتيجة الامر فتركها الكاتب للقارئ علي طريقة “المعني في قلب الشاعر”.
قصة “الشظية لا تزال في ساقي” التي يجعل عنوانها اذن القارئ تطن متذكرة “الرصاصة لا تزال في جيبي”.. تحمل قدرة علي الحوار السريع الذي يكشف عن جوانب من الاحداث وفيها كثير من “الفرضيات” الفكرية والنفسية غير المقنعة.
قصة “ماراثون المسافات القصيرة” تحمل ايضا “فرضيات” في علم النفس و”الواقع” لكنها في الحالين لا تبدو “واقعية”.
قصة “لحظة الاستنساخ البشري” ذكريات وناس والتباسات تجري بين مكانين : العراق ولندن.
وفي قصة “جنية الساعة الحادية عشرة” اظهار لمتي يبقي الانسان اسيرا لمخاوفه واوهامه ومعتقداته الراسخة حتي انه “يقولب” الواقع المختلف لينسجم معها ) .
وقد يقول قاريء إن المقالة المذكورة جاءت تحت عنوان “قراءة” ولذلك فمن المتوقع أن تكون موجزة ، فأقول إن القراءة هي عرض موجز ، وفيها نستعرض بتركيز محتويات المجموعة من دون تقديم الآراء النقدية ، ولكن عندما نقيّم كل قصّة ونبيّن إيجابياتها وسلبياتها ، فنحن نقف أمام مقالة نقدية .
ومن وجهة نظري ، وهذا من أسس المنهج الذي أسير عليه ، ينبغي كتابة مقالة أو دراسة عن قصة واحدة أو دراسة تفصيلية عن مجموعة كاملة . وسنتناول هنا القصة الأولى “عين لندن” والتي يستهلها الكاتب بالقول :
(كان طابورا طويلا متعرجا من رجال ونساء وأطفال ، يمتد على رصيف يحاذي نهر التيمس ، وكنت أسير نحوه خارجا من مقابلة فاشلة لطلب عمل في كبرى الشركات الهندسية وسط لندن . لم أشأ العودة إلى المنزل مبكرا قبل أن أبدّد أثقال الخيبة في صدري في مكان ذي هواء طلق – ص 7 ) .
ومن هذا الاستهلال نفهم أن مسرح أحداث القصة هو وسط لندن ، الذي يكون في العادة مركزا لمؤسساتها المهمة ، ومنها الشركة الهندسية الكبرى التي لم يكن الراوي يتقدم إليها طلبا للعمل فيها لو لم يمتلك مؤهلات مقتدرة ، الأمر الذي يجعل درجة الشعور بالإحباط شديدة ، وهو السبب الذي دفعه إلى أن يحاول إيجاد منفذ يزيح بواسطته أثقال الخيبة عن صدره خصوصا وهو يلاحظ أن الناس هنا ذوي تعبيرات تختلف عن وجوه الناس في المكان البعيد الذي يسكنه في غرب لندن الذي هو ليس لندن الحقيقية كما يرى .. فمكانه بعيد جدا في غرب لندن :
(قلت في نفسي : ما أبعد سكني .. هنا لندن الحقيقية . كانت الوجوه غير الوجوه التي أراها في غرب لندن حيث أسكن . هنا العيون تتأمل المكان وتمسك بالأشياء لا تدعها تمرّ بسرعة ، كأنها تبحث عن شيء مفقود . والآذان كذلك تحب أن تسمع كل شيء ، والشفاه باسمة هامسة – ص 7 ) .
ومن المنطقي أن نستنتج بالتضاد ، أن الصورة المعاكسة لوجوه غرب لندن هي وجوه تعلوها مسحة اكتئابية وانفصال وعزلة سلوكيين . هذا ما يجعل الراوي مهيئا للإنجراح بالخيبات بدرجة أكبر ، وهو ما ضاعفه فشله في الحصول على العمل ، خصوصا وأن المدينة بأكملها – كما يقول – قد خرجت توّا هذا الصباح من موجة ضباب داكنة . وهذه العتمة تزيد من كمد النفس البشرية التي يساعد النور – نور الشمس خصوصا – على تفتح تطلعاتها ، وهذا ما لا يتوفر في لندن باستمرار .
وبرغم أن الراوي قد قرر أن لا يعود إلى مسكنه البعيد بعد فشله في المقابلة مباشرة لأن ذلك سيضاعف من إحساسه بالأسى ، وأن يفرّج عن همّه من خلال وسيلة ما ، لم يُفصح عن طبيعتها حتى الآن ، إلا أنه يقوم بـ ” إسقاط – projection ” مشاعر الحزن اللائبة في أعماقه على الموجودات الخارجية حيث يرى (البنايات العالية كجدّات يرتدين معاطفهن الصوفية ، يحنون على حفيداتهن في ليلة ينقصها الدفء – ص 7 ) ، معبرا عن حاجة أصيلة للتواصل والمشاعر الإنسانية الدافئة .
وبصورة مفاجئة ، وليفكّ عن نفسه أغلال هذا النهار المُحبط ، يقرّر ، أن يلتحق بالطابور الذي يتجه الآن نحو الدولاب العظيم الرابض وسط لندن ، والذي يذكّره فورا بنواعير العيد في أيام طفولته في بلده الأم . فهو يرى أن هذا الدولاب أشبه بناعور يغرف بعيونه المتتابعة الماء من نهر “التيمس” الذي يشق قلب لندن ، ويغسل به وجه المدينة كل حين كما يقول . وهي مشابهة “شعرية” فرضها الأسى والحنين إلى مراحل الهناءة الفردوسية في الطفولة .
ومباشرة أيضا ينقل إلينا حوارا متوترا يجري بين فتاة انكليزية وأمّها . والكاتب استغنى عن الوصف الميكانيكي الفوتوغرافي لكل خطوة يخطوها الراوي ، مثلا : اقتربت من الطابور فشاهدت فتاة تحاور امها بتذمر .. إلخ ، ووضعنا في قلب الحوار المتوتر وهذا يسهم في رشاقة القصة وتركيزها وخلوّها من الاستطالات الفائضة . الفتاة تعلن لأمها ، بنفاد صبر ، أن خيارها هو ان تصعد إلى “عين لندن – الدولاب العظيم” ، ولا ترغب في مشاهدة الأفلام السينمائية لانها متاحة في كل وقت ، في حين أن أمها المهووسة بمشاهدة الأفلام الجديدة تصر على أن تشاهد الجزء الثاني من فيلم “سكايلاين” ، لأنه سيشكل سبقا لها امام صديقاتها عندما تعود إلى وارشو . تصر كل واحدة منهما على تنفيذ رغبتها ، ولأن الراوي يقف خلفهما بصورة مباشرة ، وبطريقة تلقائية تشركه الأم في الحديث عن تصميم لندن كمدينة ذات شوارع وعمارات وبيوت ضيقة مبنية للقرن الثامن عشر فقط . وأنها بحاجة إلى معماري يعيد هدم معظم مبانيها وإعادة تصميمها من جديد . ولأن الراوي هو مهندس معماري أصلا ، فهو يعلن لها ، بطرافة وبطريقة مسرحية ، أنه هو هذا المهندس المعماري المطلوب ، ويقول لها وهو يرفع حاوية الخرائط الإسطوانية التي عاد بها من مقابلة الشركة ، أنه يستطيع “أن ينسف نصف المدينة في يوم واحد” . وهذا التسويد مني لحركة الراوي ولجملته العنيفة ضروري لأن عليهما سيتأسس اللبس وسوء الفهم ومن ثم تصعيد الخط الدرامي لوقائع القصّة . ولا حبكة دون لبس في أغلب الأحوال . فبعد أن يصعد الراوي والفتاة في كابينة من كابينات دولاب عين لندن ، وتصعد بهما قليلا تلاحظ الفتاة أن مها عادت أدراجها بسرعة ، فتعتقد أنها نسيت شيئا آخر ، بعد أن نسيت هاتفها في حقيبة ابنتها قبل ذلك . وبصعود الكابينة يخلق فاتح مقابلة بين عالمين : عالم داخلي (الكابينة) فيه الراوي والفتاة . في هذا العالم يبدأ إنتساج خيوط علاقة إنسانية حميمة ، يرسم لنا الكاتب الملامح الأساسية للشخصيتين : فالفتاة هي انكليزية عاشت في وارشو ، وأمها بولندية عاشت في لندن ، وأن اسمها كوشا ، إسم بولندي لا تعرف معناه ، ومن المتوقع أن لا يعرف معناه الراوي ، ولكنها تعلن له أنها لا تعرف معنى اسمه “يوسف” ولم تسمع بنبي بهذا الإسم من قبل رغم أنها مسيحية !! وهي فتاة واقعية التفكير ، ورغم أنها مغرمة بالسينما وعوالمها الخيالية مثل أمها أيضا ، إلا أنها لا يمكن أن تنسى المتع التي يقدمها الواقع ، مثل هذه المتعة المتحصلة من رؤية المدينة من عل في مشهد بانورامي هائل ، والاستمتاع بتصويرها . يعلّق الراوي على ذلك بالقول إنها مثله ، وعندما تسأله كيف ذلك يقول :
(اليوم حاولت أن أنتزع من الواقع متعة الصعود إلى هذا الدولاب ، بعد أن ذقت مرارته في الصباح بالفشل الجديد في الحصول على عمل – ص 15) .
ولأن الفتاة مولعة بالفن السينمائي ، فهي لا تصدّق أن الراوي يوسف مهندس معماري ، فقد كانت تعتقد أنه ممثل . وفي مسار الحديث بين الإثنين تأتي لمسات فكرية عميقة وبسيطة منها الحوار الموجز حول الحب الذي يتفقان فيه على أن الحب ليس فكرا ، بل هو مثل القدر يأتي بالصدفة ، من دون تفكير :
( – أتحبين الإرتفاعات ؟
-كثيرا .. وأنت ؟
-أحبها لأنني أفكر فيها دائما
-يعني أساس الحب التفكير . وضحكتْ .
قلت : ربما ..
كأنها أصبحت جادة لحظة وهي تقول : هذا تفكير وليس حبا ، الحب يأتي مثل القدر من دون تفكير . هكذا بالصدفة .
قلت : كأنني أشعر بكلامك قريبا من الواقع . لا نحتاج إلى التفكير في الحب – ص 14 ) .
والقاص الحاذق يصمم أبسط الحركات لشخوصه أو للأشياء المحيطة بهم ، ليعبر عن الموقف النفسي الراهن ويرسخ تأثيراته في نفس المتلقي . بعد هذا الحديث الموجز يصف القاص حركة للفتاة تبدو وكأنها امتداد “حركي” للحديث (إنحنت تنظر إلى أسفل وتدلّى من صدرها قلب ألماسي – ص 14) . وقبلها ، ومع شيوع جو البهجة والإلفة ، يرصد الراوي حركة شاملة في الخارج ، وكأن حال المدينة في الخارج يتناغم مع مشاعر الداخل من جانب ، و “يسقط” الحضور الأنثوي البهي للفتاة لينسرب في أوصال وملامح المدينة الجامدة ملهبا مشاعر الشاب الراوي التي تفتحت الآن بعد طول خمود وكمد : (إرتفع الدولاب درجة أخرى .. وبدت لندن كعروس تنزع عن كتفيها شالا ، فيبين جمال كتفيها وصدرها – ص 12 ) .
… ومقابل هذا العالم الداخلي الصغير (الكابينة) ، يصمم القاص عالما خارجيا يقابله لكنه يناقضه تماما . فهذا العالم سيكون عالما معاديا قائما على المخاوف والقلق والتحامل وسوء الفهم المرعب . فبعد أن خطت الأم خطوات قليلة خارج الطابور للذهاب إلى دار السينما ، قفزت إلى ذهنها كلمات الشاب يوسف (أنه يستطيع “أن ينسف نصف المدينة في يوم واحد” ) ، وحركته (وهو يرفع حاوية الخرائط الإسطوانية) ، فأعماها التأويل عن رغبتها في مشاهدة فيلمها الأثير ، فقد عادت أدراجها منذعرة من أن هذا الشاب هو إرهابي يريد نسف لندن بالإسطوانة التي يحملها !! كانت فزعة حتى من أن تتصل بابنتها خوفا من أن يفلت لسانها أمام الرجل بسبب لا أباليتها ، فيشعر أن أمره انكشف ، وأنه مهدّد فيعمد إلى الإنتقام منها فورا .
وعندما نعود إلى مراجعة ما يتصل بشخصية الأم من أفكار وسلوكيات ومواقف ، فسنجد أنها ذات عقلية “سينمائية” إذا جازالوصف . شخصية ذات طبيعة درامية . هي من نوع الشخصيات التي تفكر بمشاعرها ، والتي يمكن أن تبني قبة خيالية من حبة واقعية ، وهي مستعدة دوما للإستجابة للمؤثرات المقلقة بردود فعل “استعراضية” . إن ما يهمها في الوقائع هو “شكلها” لا “مضمونها” ، وما يمنحها العالم الخيالي من “امتيازات” أفضل لديها مما توفره الحوادث الحياتية . فهي تفضل مشاهدة فيلم على الصعود مع ابنتها في دولاب عين لندن ، لأن هذا الفيلم (سكايلاين) –الجزء الثاني منه ، وبرغم تأكيد ابنتها على أنه لم يُنتج بعد – يعطيها سبقا أمام صديقاتها على حدّ قولها . وهي من النوع المتعجل الذي لا يحتمل صبر الطوابير والإنتظار . كما أن الإبنة – وبتخطيط من القاص طبعا – كانت قد هيّات أذهاننا لمثل استجابة الأم الهستيرية هذه عندما قالت للراوي – وهي ترى أمها من علٍ وسط حشد من الناس – أن أمها تحدثهم الآن عن فيلم سكايلاين ، فهي تحب أفلام العالم الخارجي ، حتى أنها تتخيّل أشياء مستحيلة وتصرّ على صحة وجودها (ص 15) .
ومن الأشياء المستحيلة التي تخيلتها الأم الآن هي تصوّرها أن يوسف شخص إرهابي يخطط لنسف نصف لندن باسطوانته التي يحملها وأنه قد يقتل ابنتها !! لقد نسيت أن كلامه هذا جاء من خلال حديثها معه عن ضرورة حاجة لندن إلى إعادة تخطيط وتصميم ، يتصدى لها معماري يعيد هدم معظم مبانيها ويصممها من جديد بما يناسب القرن العشرين . لقد نسيت أنه قال لها بوضوح إنه مهندس معماري ، ومن مستلزمات عمل المهندسين المعماريين أنهم لكي يعيدو تصميم وبناء مكان معين على نفس الأض ، ينبغي أن يتم نسف مبانيه القديمة . لقد نسيت حتى أنه دعاها للصعود معهما – هو وابنتها – للاستمتاع برؤية المدينة من فوق ، فرفضت قائلة إنها لا تحب ذلك ، وتفضّل التعرف على المدن من داخلها . وقد استغرب قولها إنها لا تحب ذلك حتى لو كانت هناك شمس تنزع غلالة الكآبة التي تحيط بالمدينة . ثم أي إرهابي هذا الذي يعلن للناس عن نواياه المدمرة قبل تنفيذها بقليل وفي طابور عام . إنها في حالة تشغيل دائمة لمحرك عقلها الفنطازي ، الذي يمدّها بمعين هائل من التخريجات والصور والبدائل حتى في محاكمة الحادثة “منطقيا” . ففي هذه المحاكمة يتسيّد ما هو ذاتي في بنيتها الشخصية على ما هو موضوعي فتسقط سماتها الأساسية المربكة على الشاب :
(حاولت أم الفتاة إلتقاط أنفاسها اللاهثة واستعادة آخر كلمات حوارها مع ذلك الرجل . وقالت في سرّها : “ربّما بالغتُ بعض الشيء ، وأنه كان يتحدث للمفاخرة ولفت الإنتباه نحوه كشاب فقط . أعرف هذه الشخصيات جيدا ، دائما ألقاها في الحياة . هناك أشخاص ينسبون إلى أنفسهم أعمالا لا يعرفون عنها شيئا . لكن لا أستطيع ترك الأمر كلّه لهذا الإحتمال – ص 16 ) .
وهذا الإحتمال ، لو شفعته بقرائن من ذاكرتها القريبة عن حديث الشاب وسلوكه ، لوضعت الحكاية في إطارها اليومي العادي ، ولما حوّلتها إلى حكاية فنطازية ذات أبعاد خطيرة . لكن العقل البشري – وهذا من دروس فاتح في هذه القصة – يميل إلى “الإنتقائية” ، فيستل من ركام مخزون الذكراة تلك القرائن التي تنسجم مع الدوافع المكبوتة ، ومع السمات الأساسية لشخصية الفرد ، المستتر منها خصوصا ، ليأتي الوعي المتنفج ويضع الإطار “المنطقي” للحكاية المفترضة ، لتصبح “واقعية” . هذا هو حال العقل البشري في كل مكان وزمان . كان أرسطو – المعلم الأول !! – يصر على أن عدد أسنان الرجل أقل من عدد أسنان المرأة !! وقد علق برتراند رسل على ذلك بالقول إن المعضلة “الفلسفية” هذه كانت ستنتهي لو أن أرسطو طلب من إحدى زوجتيه فتح فمها . وتنطبق هذه السمة “الإنتقائية” على الفلسفة والأفكار الكبرى مثلما تنطبق على حوادث الحياة اليومية البسيطة ، ومنها حادثتنا هذه . فالأم المنفعلة بإفراط لم تعد تستطيع رؤية جميع الإحتمالات . ولا يمكنها أن تركن إلى فرضية أن الرجل / الراوي قد قام بسلوكه هذا للمفاخرة . إنها تعتقد – وهنا يزوّدها المستودع العقلي الفنطازي بالمدد – أن هذا الإحتمال قد يكون مميتا ، لأنها تتذكر أن “جين فوندا” الممثلة الأميركية المعروفة ، قد قالت في فيلمها “إنهم يقتلون الجياد .. أليس كذلك؟ ” إنها تعرف أن موتها يكمن في الإحتمال الأخير !! إن الهلع يجتاحها ويعصف بتفكيرها ، ويجعلها مقتنعة بأن ليس ذلك الإحتمال قد يكون مميتا حسب ، ولكن الإحتمالات كلها قاتلة . ولكي تكمل “سيناريو” الحكاية ، فإنها تغوص في تفاصيل الجريمة الوشيكة الوقوع ، فتبدأ بالتفكير مرتبكة في الأدوات الجرمية القاتلة التي يحملها هذا الشاب . فقد يكون يحمل أدوات صغيرة للقتل ؛ إبرا صينية مثلا ، كتلك – ودائما من أرشيف ذاكرتها الفيلمي – التي استخدمها ذلك الصيني في فيلم “قبلة التنين” :
(ما أفظع القتل بتلك الإبر الصغيرة ! . كان يغرزها في الرقبة بلمح البصر فيتجمع الدم في لحظات من كل أنحاء الجسم متجهاً نحو جهة واحدة هي الرأس ، وينحصر هناك ولا ينزل . ثمّ ينفجر من العيون والأنف مثل النافورة – ص 17) .
وحتى عندما تتذكر هذه الأم أن ذلك الشاب لم يكن صينيا ، تجد مخرجا آخر يسند “نظريتها” وهو أن ليس بالضرورة أن يكون صينيا كي يقترف هذا النوع الفظيع من القتل ، فهذه ( مهارات مكتسبة ومُتاحة .. ولعله تعلّمها من هونك كونغ ، فهناك كل شيء يجري تقليده وتعليمه – ص 17 ) .
وقفة :
——–
صحيح أنني قلت في دراسات كثيرة إن القصة القصيرة فن ، في حين أن الرواية علم إذا جاز الوصف ، إلا أن هذا لا يعني أن لا “يخطط” القاص لأدق تفصيلات نصّه . ويتجلى ذلك في أمور كثيرة أشرنا وسوف نشير إليها ، ولكن من أهمها هو أن حتى الأفلام التي ذكرتها الأم في القصة هي ذات مضامين لا تعكس الإنهمامات الفكرية والجمالية للأم وتكشف تركيبة شخصيتها وعقليتها حسب ، بل تغني مواقف الشخصيات وأفكارها وتعزز رؤى القاص أيضا . ففيلم مثل “سكايلاين – skyline ” الذي أخرجه الأخوة كولين وكريغ ستراوس ، هو من أفلام الخيال العلمي ويفترض هجوما تقوم به سفن فضائية غريبة على مدينة لوس أنجلس الأمريكية حيث تقوم بـ “شفط” البشر من الأرض ثم امتصاص أدمغتهم لتزويد كائنات بشرية مصنّعة بها . أما فيلم “قبلة التنين – kiss of dragon ” فهو من أفلام ممثل الكاراتيه الصيني “جت لي” وفي ختامه يغرز البطل إبرة في منطقة خطيرة خلف عنق المجرم اسمها “قبلة التنين” تسبب النزف الرهيب الذي تحدّثت عنه الأم . وكلا الفلمين ينبغي أن يكونا ضمن انشغالات المراهقين ووالشباب الصغار في الغالب وليس أماً كبيرة ناضجة . أما فيلم “إنهم يقتلون الجياد ، أليس كذلك ؟” الذي مثلت فيه “جين فوندا” شخصية “غلوريا” وأخرجه “سيدني بولاك” عام 1969عن رواية “they shoot the horses .. are nt they ? ” لـ “هوراس مكوي” صدرت في ثلاثينات القرن الماضي ، فيتحدث عن غلوريا التي تريد الموت بأية طريقة لكنها لا تقوى على تنفيذ رغبتها ، فتطلب من صديقها روبرت في النهاية وبعد سلسلة خيبات مريرة في ماراثون الرقص الذي يسحق فيه المنظمون الجشعون كرامة المتسابقين بلا رحمة ، تطلب من صديقها “روبرت” أن يطلق عليها النار من بندقية فيفعل كوسيلة من وسائل “القتل الرحيم – euthanasia ” . وإذا أمعنا النظر في ما يربط الفلام الثلاث فسنجد نه الموت والعنف المدمر . وقد تعبّأت عقلية الأم بها حد الإختناق ، مثلما تتعبأ بها نفوس المواطن الغربي ، فوفق أحد البحوث يشاهد الطفل الأمريكي (20000) جريمة قتل على شاشة التلفاز إلى أن يختم مراهقته . وحسب تقرير مكتب التحقيقات الفدرالي (Federal Bureau of Investigation) حول الجريمة المنظمة وذلك لعام 1995 فقط . يقول تقرير المكتب (أنّ (1,800,00) جريمة عنف (قتل , إغتصاب, سطو مسلّح,…) إرتكبت في الولايات المتحدة ( أي بمعدل (5000) جريمة يوميّاً , أي حوالي (208) جرائم في الساعة , أي (3) جرائم في الدقيقة الواحدة) ومن بين ال(1,8) مليون جريمة عنف كانت هناك (97,464) جريمة أغتصاب, و(21,597) جريمة قتل إرتكب أكثر من (70%) فيها باستخدام البنادق. وفي الولايات المتحدة يُعتبر القتل السبب الرئيسي الثاني للموت بين الاشخاص الذين تتراوح اعمارهم بين 15-25سنة . ما أقصده من هذا هو أن البنية العنفية للمجتمع الغربي تنتج عقلية عنيفة تأوّل الإشارات وفق دلالات عنفية وعدوانية .
عودة :
——-
وهكذا نتعامل – وهذا درس آخر من فاتح – مع بنية عقلية ونفسية تغلق كل المنافذ في وجه أي تأويل “سلمي” وإنساني محتمل ببساطة ، وتقودنا قسرا في مسار تأويلي أسود ملىء بالدم والموت والخراب والبشاعة ، وفق استعداد “معرفي” عنفي مسبق . والمشكلة الأخطر هي أن هذا الإستعداد صار مشفوعا وبقوة ، وبعامل حاكم لا يمكن التقليل من دوره وهو “الصورة النمطية – stereotype” السلبية التي كان يحملها الإنسان الغربي أصلا عن الإنسان الشرقي ، والتي تصاعدت إلى حدودها القصوى في العقد الأخير بعد تفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من ايلول من عام 2001 ، لتشكل الدوائر الغربية للشرقي – العربي خصوصا – ملامح الإرهابي المدمّر سفّاك الدماء وعدو الحضارة ، وترسّخها في عقل الإنسان الغربي . ها هي الأم تسائل نفسها عن ملامح الشاب ومن أي بلد يكون ، فترى أنه ليس باكستانيا ! .
ويتعزز دور تلك الصورة النمطية وفعلها عندما نجد أن رجل الشرطة مهيّأ بصورة مباشرة للتعامل مع أي معلومة وفق معطيات مسبقة تفترض أولا تغلّب النوايا الإرهابية على أية نية أخرى . فها هي الأم تقترب من رجل شرطة ، حائرة حدّ الضياع ، وتقول له :
( – إنه هناك ، صعد في الكابينة التي تضم ابنتي . هناك شيء مريب ..
استنفر الشرطي ملامحه ، ومدّ يده إلى جهاز اللاسلكي المعلّق في سترته ، وطلب منها الاسترسال في التفاصيل . تشجّعت وهي تقول :
-الرجل كان عاديّا أول مرّة ، لكنه قال كلاما خطيرا . قال إنه سينسف نصف لندن .. وأشار إلى شيء يحمله بيده .
-ما ذلك الشيء ؟
-أسطوانة طولها متر تقريبا.
-يا ألهي منذ متى حدث هذا ؟
-قبل دقائق ، قبل عشرين دقيقة ، لا أدري بالضبط . لكنّه لا يزال في عين لندن .
تكلم الشرطي بجهازه اللاسلكي ناقلا تفاصيل سريعة من رواية السيّدة كأنه يقرأ في كتاب .
… كأن سيارات الشرطة نبعت من الأرض ورجالها نزلوا من السماء ، وانتشروا في المكان كلّه – ص 18و19 ) .
وقد يقول قائل إن واجب أي رجل شرطة في مثل هذه الحالة أن يتصل بمراجعه باسرع وقت وينقل إليهم المعلومات التي قدّمتها السيّدة ، خصوصا وأنها قدّمتها بطريقة درامية مثيرة تشعل القلق والمخاوف . رجل يعلن أنه سينسف نصف لندن ويحمل إسطوانة طولها متر تقريبا تذكرك بمدافع البازوكا مثلا . فماذا تريد من رجل الشرطة أن يفعل ، وقد صارت من أول أولوياته مكافحة الإرهاب بعد أن كانت الحفاظ على الأمن ومكافحة الجريمة – في موقف سابق جعل القاص المرأة تعلّق وهي تشاهد سيارة شرطة مسرعة ” لعل الشرطة تطارد مراهقين يتعاطون المخدرات ، ولا تدري أية كارثة يمكن أن تهز لندن بعد قليل ” ص 17 – ؟. لكن أليس من واجب رجل الشرطة أن يأخذ معلومات كاملة ؟ من قال هذا القول ؟ في أي موقف ؟ ولو – أقول ولو – ساعدها فقط على أن تتذكر أن الشاب مهندس معماري ، لكان قد تذكر أن من ضمن عدّة المهندسين المعماريين هي إسطوانة الخرائط . ثم ، ومن جديد ، أي إرهابي هذا الذي يعلن لامرأة في طابور عام أنه سوف ينسف نصف لندن . لنقل إن هذا الشرطي حصل على تبليغ أولي يجب أن ينقله إلى قيادته بأسرع وقت . الآن جاءت مجموعة شرطة من المؤكد أنها مسؤولة بدرجة أعلى ولديها صلاحيات أكبر . إن الشرطي الجديد يسأل المرأة سؤالين ، كليهما يصبّان في مجرى الصورة النمطية المسبقة . فقد سألها أولا عن لكنته ، وثانيا عن لونه (هل هو أسمر أم أبيض ؟) . ولو سألها بهدوء عن “السياق” الذي جاء فيه حديث الشاب ، وقالت له بأنه جاء في سياق حديثهما عن تصميم مدينة لندن الذي كان يناسب القرن الثامن عشر ، ولم يعد يناسب القرن العشرين ، وأن الشاب قال لها إنه هو المهندس المعماري الذي تبحث عنه وإنه يعدها بنسف نصف المدينة في يوم واحد … إلخ ، فسوف تتغير النظرة إلى المسألة جذريا . لكن الكل مهيّأ مسبقا فقط ، لـ “إنتقاء” القرائن التي تسند الفكرة النمطية التي يحملها ، وينتسج مع خيوط شبكة المخاوف العنكبوتية التي تستولي على نفسه وذهنه . وهذا درس آخر مضاف من فاتح .
وبمهارة يصمم القاص سبع حركات ليقابل ويزاوج فيها بين حالة المكان الداخلي (الكابينة) والعلاقة الإنسانية الهادئة والمطمئنة والدافئة التي بدأت تمد خيوطها العقلية والنفسية بين الفتاة والشاب ) ، والمكان الخارجي (ما يجري في الأسفل على الأرض من توتر ومخاوف وهياج طرفاه رجال الشرطة والأم الذين يعصف بهم القلق ) . الحركة الأولى داخلية بدأت بصعود الفتاة والشاب إلى الكابينة وبدء دوران الدولاب ، في حين بدأت الحركة الثانية وهي خارجية بعودة الأم السريعة وتبليغها رجل الشرطة بخوفها من الشاب الذي يريد نسف نصف لندن والذي سيؤذي ابنتها ، أما الحركة الثالثة فهي عودة إلى عالم الداخل حيث تلاحظ الفتاة توقّف الدولاب فتعتقد أنه جزء من نظامه ، يصعد ويتوقف . يشرح الشاب لها أنه صعد الدولاب عدة مرات ليتأمل لندن من فوق من أجل أن يعزز أفكاره في كيفية توسيع الجانب الضيق من المدينة ، وأنه يحمل التصاميم الهندسية التي ستغير وجه لندن في أسطوانته . وفي لمسات هادئة وتلقائية تتصاعد الوشائج العاطفية بين الفتاة والشاب ، فيصفها بأنها عفوية وجميلة . ولأن المخزون المتعلق بالسينما من قبل الفتاة وأمها كان مفتاحا أساسيا في أحداث القصة ، وفي تطور العلاقة بين الطرفين (كوشا ويوسف) ، وفي رسم الملامح الأساسية لشخصية الأم ، فإن الكاتب يجعل “بطله” يكشف أيضا عن ثقافته السينمائية ، فيقول للفتاة التي تخبره بأن أمها كانت تقول لها إنك تشبهين الممثلة “جوليان مور” ، بأنه شاهد هذه الممثلة كثيرا ، ولا يدري لماذا يشعر بها إيطالية وليست أمريكية ، ولعلها تشبهها  في الثقة بالنفس . وهنا يتجلى فارق هائل بين عقلية الأم وعقلية الشاب . فالأم تركز على الجانب الإنفعالي السلبي من شخصية ابنتها ، فتذكّرها دائما أن المشترك بينها وبين جوليان مور هو أنها تحب البكاء لأتفه الأسباب ، في حين يزرع الشاب الثقة في نفسها عندما يجعل المشترك بينها وبين الممثلة هو الثقة بالنفس . فتنفعل الفتاة بتقييمه الإيجابي وتقول له :
(يا إلهي . اشعر أنني ضعيفة دائما . أول مرّة أرى أحدا يخلع عليّ صفات أتمناها ولا أجدها في نفسي – ص 21 و22) .
وهنا يرن جرس الكابينة وينطلق صوت ليخبرهم بأن الدولاب سيعاود الدوران بعد قليل ، ويتمنى لهم الاستمتاع بمشاهدة لندن من عينها الجميلة . القارىء وحده يعرف ما يجري في الخارج .
ومن هنا سيرسم فاتح مسارا جديدا في أحشاء حكايته ، مستفيدا من تقنيات سيّدة الحكايات عبر العصور : ألف ليلة وليلة ، وذلك من خلال تقنية التوالد الرحمي للحكايات . فلدينا حكاية أم / رحِم رئيسي ، تتمثل في إطار القصة الكلّية ، وفيه حكاية ثانوية (جنين) أولى طرفاه الشاب والفتاة ، تتقابل مع حكاية (جنين) ثانوية ثانية تجري أحداثها على الأرض بين الأم ورجال الشرطة . الآن يحوّل فاتح الحكاية (الجنين) الثانوية الأولى إلى حكاية رئيسية (لكنها رحم ثانوي ) يزرع في أحشائه حكاية (جنين) ثانوية ثالثة . هذه الحكاية الثانوية تتأسس على حكاية شعبية ، وتبدأ حينما تندهش الفتاة لأن الشاب يخبرها بأن فكرة عين لندن غير مبتكرة كما تقول ، وأنه كان يحمل فكرتها منذ زمان قبل أن تكون ، والفارق الوحيد هو أنه لم يتخيّل وضعها في هذا المكان . وعندما تسأله كيف كانت الفكرة لديه ، يجيبها بأنها فكرة مبذولة في بلده الأصلي ، فالنواعير تصنع وجودا لمدن كاملة في بلاده ، وقد فتح عينيه كطفل على لعبة الناعور الخشبي في الأعياد ، وهو دولاب الماء والناعور وحتى الدلو النازل . ثم يخبرها بأن الحكايات الشعبية في بلاده ترتبط كثيرا بالدولاب والدلو . ومن هنا يبدأ القاص بنسج خيوط الحكاية الثانوية الجديدة ، وهي حكاية الدولاب والثعلب والأسد ، فتتلهف الفتاة لسماعها لأن حكايات الشعوب تجذبها لأن فيها روح وعاطفة . ولكن إيحاءات حكاية يوسف ، ومن وراءه القاص طبعا ، واسعة وشديدة العمق ، وتحتمل تأويلات كثيرة متشابكة . وملخص هذه الحكاية الشديدة الغنى هو أن ثعلبا عطشانا عثر مصادفة على بئر ماء – ولاحظ أيها القاريء أن حكايات “يوسف” ترتبط دائما ببئر أو جبّ – . كان للبئر دلوان . نزل الثعلب إلى عمق البئر وشرب بشراهة وبطريقة لا تحتملها أية بطن لحيوان ، وصار مستحيلا عليه الصعود إلى أعلى لأنه كان ينبغي أن ينزل أحد آخر بالدلو الثاني حتى يتمكن دلوه من الصعود . وكأننا أمام رسالة يقدمها دولاب فاتح هذا وهي أن حركة الحياة يجب أن تقوم على التوازن ، وأن “الإنفراد” والجشع يفضي إلى “أسر” الكائن في “قعر” بئرها ليكون ضحية غرائزه . وبالصدفة ، مرّ أسد جائع وعطشان أيضا من جانب البئر ، ورأى الثعلب في داخلها وسط ماء يلمع حوله كسوار الفضة ، ففرح لاجتماع وجبة دسمة له مع هذا الماء الثمين ، فبادره الثعلب بالقول أنه يسكن الآن في الجنة التي كان الأسد يسمع بها فقط ، ودعاه للنزول ليرى النعيم بنفسه . وهنا يأتي درس مضاف من هذه الحكاية ويتمثل في أن هياج الغريزة قد يشوّش عين البصيرة ويعميها وسط حماسة البحث عن سبل إشباعها . تنطبق هذه القاعدة على الأفراد مثلما تنطبق على الجماعات أمما ودولا ومؤسسات ، خصوصا عندما توفّر لها أسباب القوة مشاعر الغرور والزهو وانتفاخ الأحاسيس النرجسية . أليس هذا ما وقعت فيه حتى الأمم الكبرى عبر التاريخ ، وما يتكرر “السيناريو” الخاص به أمام أعيننا في هذا العالم الجائر . وفي “عين” لندن ، يُبصر فاتح عبد السلام ، بعين بصيرة لا توفّرها أعظم العيون المصنّعة وأكثرها سعة . يواصل يوسف حكايته بالقول إن الأسد لم يستطع نسيان غروره وزهوه ، فسأل الثعلب كيف أصل إلى الجنة يا ثعلب . ومن جديد ، فإن من مقاتل الإنسان – والأمم على حد سواء – النفسية هي أن هياج الغريزة قد يجعله في كثير من الأحوال يبحث عن حتفه في استشارة من يضمر له الهلاك . تصوّروا أن الأسد يستشير رمز المكر والغدر إبن آوى !!  .
وقفة :
———
هنا تأتي الحركة الرابعة التي يخلق فيها القاص تواصلا (إنفتاحا صوتيا عبر الهاتف) بين العالمين الداخلي والخارجي ، وذلك عندما تتصل الأم بابنتها لتوجه إليها سيلا من الأسئلة المضطربة التي لا تعرف كيف توصل من خلالها رعبها من أن الشاب الذي معها هو إرهابي يبغي نسف نصف لندن ، وأنه قد يؤذيها . لكن الفتاة المنسجمة مع الشاب تعلن عن ارتياحها البالغ لكونها بصحبة صديق جديد يراها أيضا تسبه جوليان مور لكن من زاوية أخرى . ثم تصف يوسف بأنه إنسان رائع ، لا تشعر بالملل معه ، وأنها لولا اتصالها لعرفت نهاية حكاية الثعلب مع الأسد . ثم تتأجج مخاوف الأم بصورة ساحقة عندما تختم ابنتها حديثها وهي تطلق ضحكة عالية :
(دعيني الآن يا أمي . لعلّي أشترك معه في أفكاره المثيرة ونغيّر خارطة لندن معاً – ص 26)
ومن الطبيعي أن نقول أننا أمام “إطارين” مكانيين وزمانيين ووقائعيين سيفرضان تأويلا مختلفا بل شديد التناقض لـ “الرسالة” التي أطلقتها الفتاة . اي ليست “اللغة” – لغة الخطاب – هي التي تصوغ المشاعر والإنفعالات والأفكار ، بل المشاعر والإنفعالات والأفكار هي التي تضفي على لغة الخطاب معنى ودلالة بخلاف ما ينادي به سوسير ومن بعده البنيويون . ولا أعلم كيف يصبح شيء اعتباطي ولا معنى له مثل اللغة حسب سوسير وسيلة لإنتاج أشياء نظامية وذات معنى !! . والفتاة والشاب ومعهما القاريء يعرفون تماما أن ما تقوله الفتاة يعبّر بدقّة عمّا يجري في عالم الداخل (الكابينة) من حيثيات علاقة إنسانية رائعة تتطور نحو الفهم المتبادل والتجاوب الإنساني العميق . أمّا الأم ومعها رجال الشرطة وهم على أرض تفور بالاحتمالات العدوانية المميتة فإنهم سيأولون “الرسالة” بصورة مختلفة . وهنا تأتي الحركة الخامسة وهي خارجية حيث يقول ضابط الشرطة للأم : هل ابنتك من النوع الذي يخضع للإقناع بسرعة ؟ . فترد بأنها من النوع الذي يصعب إقناعه دائما . وتساؤل الضابط – ومعه الأم – يكشف أنه قد فسّر عبارة الفتاة الأخيرة على أنها إشارة قاطعة إلى أنها قد وقعت في مصيدة الشاب الإرهابي الذي أقنعها بتغيير خارطة لندن عبر نسفها بالسلاح الذي يحمله في أسطوانته . فالإرهابيون – كما يقول الضابط – أذكياء في أساليب الإقناع ، ثم يندهش من سرعة تفاعل الفتاة واستجابتها لمخططات الشاب الإرهابية . وثانية تتجلى السمة “الإنتقائية” المفزعة في تفكير الأم ، فقد كان من الممكن أن تستعيد ما قالته ابنتها وهي منتشية بالحديث عن صديقها الجديد الرائع ، عن نهاية الثعلب مع الأسد . فأي إرهابي هذا الذي ينشغل عن مهمته الأساسية بقص حكاية خرافية عن الدولاب والثعلب والأسد . ثم أليس في ما قالته الفتاة لأمها عن تشبيه الشاب لها بجوليان مور لمسة إنسانية جميلة تخفّف من غلواء الأم وتحاملها عليه ولو قليلا ؟ . ثم هل يُعقل أن فتاة يقنعها إرهابي بنسف نصف مدينتها ، وتطلق الضحكات المسترخية المتواصلة وتتحدث بفرح عن الثعلب والأسد ؟ .
وبرغم الكثير من المعطيات المناقضة لقناعات الأم ورجال الشرطة ومنها أن شيئا لم يحصل حتى الآن برغم توقف الدولاب لمدة طويلة وتكرار اعتذارات “الصوت” للركاب عن التوقف والتأخير – فإذا كان هذا الشاب إرهابيا محترفا ، ألن يشك في ما يجري ، خصوصا وأن الفتاة تخبره بأن ثمة طوق من سيارات الشرطة حول المكان ، فيسرع في تنفيذ مخططه ؟ ثم أليس من المفروض أن يأتي الإرهابي وقد خطط لكل شيء ، خصوصا لعملية هائلة مثل هذه ، ولا يكون في حاجة لإقناع أي شخص ، خصوصا فتاة بسيطة مثل “كوشا” هذه ؟ . أقول برغم الكثير من الأدلة التي تقوّض قناعات الأم ورجال الشرطة ، إلا أنهم يبقون على قناعاتهم السلبية الخاطئة حتى النهاية :
(سألها [= الأم] ضابط آخر :
-من الذي كان يقف في الطابور أولاً ، أنتم أم هو ؟
-نحن كنّا قبله .
-عرف كيف يختار .
-أرجوك لا جدوى من بقائهم معلّقين ، لتنزل عين لندن بهدوء قبل أن تكون مكالمتي قد استفزته فيتهور – ص 26 ) .

عودة :
——–  
هنا تأتي الحركة السادسة وهي داخلية بعودة القاص إلى رصد العلاقة بين الشاب والفتاة في الكابينة ، حيث تلح الأخيرة على الأول بأن يُكمل حكاية الثعلب والأسد ، فيقول لها إن الأسد قرر النزول إلى الثعلب حيث الجنة الموعودة ، ونزل فعلا بالدلو فإذا به عند منتصف ارتفاع البئر يرى الثعلب صاعدا بالدلو الآخر . إستغرب الأسد للمفاجأة وقال للثعلب الصاعد من الدلو الثانية قبالته : لمَ أنت خارج ؟ فنظر إليه الثعلب دون جواب ، ولما ضمن أنه اجتازه صعودا وأكملت دلو الأسد نزولها إلى اسفل البئر قال له بكل مسكنة وخبث ، هذه حال الدنيا ، واحد صاعد والآخر نازل .
وفي الحقيقة فإن ما جرى في البئر لا يعبّر عن حال الدنيا الصرف ، فهو أمر مخطط و “مصنّع” بدهاء بالغ . والأسد لا يمكن  أن يكون في حال “النازل” لولا عمى البصيرة الذي سببه هياج البحث عن إشباع الغريزة ، ومحاولة الحصول على الفردوس بسهولة من دون حساب لأي نتائج . وصعود الثعلب جاء “مصنّعا” بالحيلة والمكر والكذب ، وتصوير المصيدة التي كان فيها على أنها جنّة باذخة . بالعكس ، إن ما حصل فيه “قلب” لحال الدنيا ، فالأسد عادة لا ينزل ، والثعلب لا يصعد إلا بمعادلات تخرج عن حال الدنيا وهذا ما نعيشه في عالمنا المعاصر . وبـ “نزول” الأسد ، و”صعود” الثعلب إنقلب حال الدنيا . إنه حال “دنيا” الصراعات البشرية حيث تمور النفوس بنوازع الموت والخراب . وبنزول الأسد إلى الجنة المزيّفة تختتم الحكاية بالنسبة للأسد الذي يقول بعد أن نشّط الخوف ذكاءه ولكن بعد فوات الأوان :
( -لا أظن أنّه ستكون دلو نازلة بعد دلوي هذه – ص 27 ) .
وفعلا من الذي سيفكر ويخاطر بالدخول إلى جنة فيها أسد ، مهما كانت عظيمة ؟
ولكن كان للثعلب رأي آخر ، فقد قال بإصرار : سينزلون إليك أيها الأسد بإرادتهم أو بإغراءاتي حين يبحثون عن الماء وحين يستبد بهم العطش ..
قالت : هل اقتنع الأسد ؟
قلت : الأسد قال إن الحكاية انتهت ؛ لا أحد يكرّر أخطائي . لكن الثعلب ظل على إصراره قائلا : أدعهم لتقاسم الجنّة معك ، سيصدّقون إذا وعدتهم بتقاسم الملك معهم .
قالت : أجل .. وماذا كان ردّ الأسد ؟
قلت : لا شيء لأنهما أصبحا متباعدين عن بعضهما ولم يعد أحدهما يسمع صوت الآخر . خرج الثعلب وبقي الأسد مجهول المصير في الجنّة الوهمية تحت – ص 28 ) .
ومن المؤكد ، أننا – قراء وناقدا – بتنا مقتنعين الآن بما قاله يوسف للفتاة من أن حكايته لن يكون فيها روح وعاطفة كما تود هي حسب بل حكمة أيضا . وهل هناك أبلغ من الحكمة المتحصلة من هذه الحكاية خصوصا في خاتمتها ؟! لا أريد إفساد هذه الحكمة بالتفسير المفرط ، فقد قدمنا مفاتيح تتيح للقاريء أن لا يكتفي بتوظيف مضامين هذه الحكاية ومعطياتها ودروسها في الجوانب النفسية والاجتماعية والحضارية فقط ، ولكن في الجوانب السياسية أيضا .
في التفاتة دقيقة تسأل الفتاة الشاب يوسف :
-هل أنت متأكد أنك كما أخبرتني مهندس معماري ولست حكواتيا ؟
فيجيبها ببلاغة عالية :
-العمارة مثل الحكاية، مَنْ لا يجيد الحكايات لن يكون معمارياً – ص 28 ) .
لقد “هندس” يوسف عمارة باهرة لحكايته ، فلكل حكاية – وهذا من الدروس الفنية والجمالية التي يقدمها فاتح – عمارتها ، مثلما لكل عمارة حكايتها . ومثلما – أيضا – يكون لزاما على القاص ان يصمم شكلا معماريا لحكايته يتمظهر مضمونها أمام القرّاء من خلاله ، فإن على المهندس المعماري أن يكتب حكاية عمارته التي سيقرأها المشاهدون من خلال شكلها . وقد كان الشكل المعماري لبنية قصة فاتح هذه في صورة “دائرة” ، والأدق “دولاب” إذا جاز التعبير . وقد جاءت حكاية الدولاب والثعلب والأسد لتصعّد من الارتباط “الشكلي” الوثيق في بنيتي الحكاية الرئيسية والحكايات الثانوية . فقد جرت وقائع الحكاية الشعبية في دولاب ، في حين جرت الحكاية الثانوية والتي صارت رئيسية بين الفتاة ويوسف في دولاب عين لندن ، أما الحكاية الأم فقد بدأت عند صعود الراوي والفتاة إلى كابينة الدولاب ، واستمرت مع دورانه ، لتنتهي عند هبوطه واستقراره حيث الحركة الأخيرة (السابعة) وهي خارجية ، التي تجري على أرض “الواقع” حيث يتقابل الطرفان : الشاب والفتاة من جانب ، وأمها ورجال الشرطة من جانب آخر . يشعر الإثنان وكأنهما يعودان إلى عالم غريب لم يكونا فيه قبل اقل من ساعة ، عالم متحفز ومشحون بالمخاوف والعدوان يناقض عالم الإلفة والبهجة الذي غرقا فيه وهما في الكابينة . ويلاحظ يوسف – وبكل هدوء وتلقائية وكأن أمرا لا يعنيه – أن الشوارع مقفرة ، وسيارات الشرطة ورجالها يرسمون حدودا جديدة للساحة الكبيرة والفروع الداخلة إليها . . ويشاهد الأم تشير بيديها الواحدة تلو الأخرى نحوهما ، ووجوه رجال الشرطة محلّقة صوب الباب . ثم يختم فاتح حكايته الرائعة بنهاية يُحبط بها كل الموقف العدواني الذي وضعت أسسه الأم ، وتعاون على إشادته رجال الشرطة ، نهاية ينتصر فيها وبها لدوافع النماء والحب والسلام والأخوة الإنسانية النبيلة على دوافع الخراب والكراهية والحرب والعلاقات المتوحشة بين البشر … إنه يعلن إنتصار الحياة على الموت :
( سمعتُ الفتاة تقول بصوت عال يقطع مسافة أمتار كانت تفصلنا عن أمّها : تعالَ أعرّفك على أمّي .. تمهّل لا تغادر بسرعة . هل أنت مشغول ؟ أدعوك لتناول الغداء معنا . ليكن يومنا كلّه ممتعا مثل حكايتك .
احتضنتْها أمّها بحرارة ، وكان في عيني الفتاة تعجّب كبير من تلك الدفقة في عاطفة أمّها فقالت لها :
-أمّي إنه لطيف جدا . ربّما أحقّق أمنيتك ، ولن أكون وحدي بعد الآن . لكن لم يحدث بيننا مصارحة أو اتفاق على شيء . مجرّد تخمين من عندي – ص 29 ) .
تحية لفاتح عبد السلام ..
ملاحظة أخيرة :
——————
قال الأستاذ جورج جحا عن هذه القصة ما يلي :                                                   ( في القصة الأولى “عين لندن” التي اعطت اسمها للمجموعة رحلة في تلك العين وهو اسم تلك الآلة التي تشبه الناعورة والتي تحمل الناس الي الأعالي في رحلات يشرفون فيها على المدينة من عل. فتاة وشاب عربي وهو مهندس كان يحدث الفتاة عن انه يستطيع نسف نصف مباني لندن لإعادة بنائها بشكل أنسب، أم الفتاة نتيجة الرعب من الارهاب والإرهابيين تبلغ الشرطة فيتجمع حشد من رجالها. الفتاة معجبة بالشاب. اما نتيجة الامر فتركها الكاتب للقارئ علي طريقة “المعني في قلب الشاعر”.. ) .
وهنا نقول : أولاً إن الشاب العربي لم يكن يحدّث الفتاة عن أنه يستطيع نسف نصف مباني لندن لإعادة بنائها ، بل حدّث أمّها تحديدا . وثانيا – وبعد الذي قدمناه من تحليل – هل هناك نتيجة أبقاها فاتح مضمرة وملغزة ” علي طريقة المعنى في قلب الشاعر ” في النهاية كما يقول جحا ؟
ملاحظة :
(الدراسة المقبلة عن قصة : الرصاصة لاتزال في ساقي )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *