ناطق خلوصي: التنويع السردي في ” أوراق ابراهيم الناصري “

يتميز عبد الاله عبد الرزاق ، وهو أحد أبرز كتاب القصة في الستينات في العراق ، بحرفيته وإلمامه التام بقوانين الصنعة السردية وبتأنيه وحرصه على أن تأتي أعماله مكتملة البناء ، وهو لهذا مُفِلٌ فيما يكتب . لقد أصدر على امتداد أكثر من أربعين سنة من عمر تجربته الابداعية أربع مجموعات قصصية وثلاث روايات . مجموعاته هي : ” السفر داخل الأشياء ” ( 1971 ) و ” لأوفيليا جسد الأرض ” ( 1976 ) و ” أربعاء الصحو ” ( 2002 ) و ” اصطياد لحظة ” (2005) ، أما رواياته فهي : ” رجل الأسوار الستة ” ( بطبعتين 1971 و2005 ) و”حقل للحب .. حقل للموت ” ( 2001 ) و “أوراق ابراهيم الناصري ” ( 2004 ) ، وله رواية جديدة  تحمل عنوان “أللا أمل ”  لم تصدر بعد .
لعل في مقدمة ما تتسم به ” أوراق ابراهيم الناصري ” ( 288 صفحة ) انها تعتمد التنويع الذي يتكشف في بنيتها السردية ولغتها وشكلها وفي اعتمادها الايهام والتماهي وتداخل الأزمنة  والتحليل النفسي والربط بين الخاص والعام .
يوهمنا المدخل الاستهلالي للرواية بأننا سنكون على تماس مباشر مع الحرب : ” في الساعة الواحدة ليلا ً وقفت سيارة ( لاندكروز ) بيضاء عتد نقطة السيطرة في مدخل المدينة . كان القصف قد هدأ منذ أقل من نصف ساعة وإن كان ثمة دوي قصف بعيد يُسمع الآن بشكل متقطع . كان الليل متحفزا ً لتلقي قصف جديد متوقع بحيث بدأ هدوؤه الخادع يشي بساعات قصف قادمة مثلما كان قد حدث قبل نصف ساعة . ”  لكننا ما نلبث أن نكتشف بأن الحرب تظل محض هامش محدود يقف خارج حدود المبنى السردي أوعلى أطرافه الداخلية حسب دون أن يتوغل في العمق ، مكتفيا ً بإلقاء ظلاله هنا  أو هناك وبين حين وآخر . فالقصف وحده وليس أي فعل قتالي مباشر هو الذي يصاحب الرجل في لحظة وصوله الى نقطة التفتيش في مدخل المدينة مع تواتر تكراره بشكل متقطع .
غير ان المدخل الاستهلالي أو الجملة الأولى ” والجملة الأولى قد تكون عبارة طويلة أو الصفحة الأولى ”  ) ياسين النصير ــ الاستهلال ــ فن البدايات في النص الأدبي ــ ص 9 ) كما هو الحال في هذه الرواية ،  قد ينطوي على شيء من التلغيز أو التعتيم على الأحداث والشخصيات ، أو الغموض ، وهو غموض لابد منه أحيانا ً ” في الجملة الاستهلالية حنى ولو كانت معلنة ، ومن ترك جزء منها غامضا ً لا يعطيك أسراره إلاّ متى ما اكتمل النص ” ( المصدر السابق ــ ص 37 ). وضمن هذا السياق يبتكر الروائي لعبة سردية تسهم في تشتيت بؤرة انتباه من يقرأ روايته ثم إعادة لمّها من جديد ، معتمدا ً في ذلك غلى عنصر التماهي وتداخل الأزمنة . فشخصية الإبن بطل الرواية تتماهى مع شخصية أبيه . انه يحمل اسم ابراهيم  ويحمل أبوه الاسم نفسه  وفي كون اسمه ابراهيم ابراهيم الناصري ، ما يصيب ذهن قارىء الرواية بشيء من الالتباس وهو يواصل قراءتها ويحاول الامساك بفرصة التمييز بين الأب والإبن خلال السرد بفعل تداخل الأزمنة الذي أشرنا اليه . ويدلل على هذا الغموض موقف شرطي الحراسة في مدخل المدينة وهو يفاجأ بنزول رجل عجوز من اللاندكروز حيث ” انفتح باب السيارة ورأى قدمي رجل تحطان على الأرض . رفع الفانوس باتجاه شبح الرجل الذي دفع باب السيارة ، فتهيأ للشرطي أن يرى عجوزا ً يتوكأ على عصا غليظة ويرتدي ثيابا ً بيضا ً ويضع على كتفيه عباءة صوفية فاقعة اللون وبكوفية بيضاء …. جفل الشرطي ، كما لو انه يرى رؤيا . كان وجه العجوز أبيض مستديرا ً مليئا ً بالغضون  ، له لحية بيضاء تنسدل على صدره ” ( ص 10 ) فتأكد لديه “ ان ما رآه لم يكن حقيقة . ربما هو رؤيا لطيف غريب “(  ص 13 ) . ونجد ما يدفعنا الى القول بأن هذا الرجل الثمانيني إنما هو ابراهيم الناصري الأب العائد الى مدينته بعد غياب طويل اغترب فيه عن الوطن وتشي بذلك هيأته والزي الذي يرتديه . وتضفي على الغموض بعدا ً مضافا ً شكوك ابراهيم الإبن في أن يغامر أبوه بالمجيىء لرؤية أهله في زمن اشتعال الحرب وهي شكوك يعوزها ما يبررها ، ذلك ان الحرب قد تكون سببا ً منطقيا ً لعودته .
ان ثلاث لحظات للوصول الى المدينة تتداخل معا ً : لحظة وصول ابراهيم الإبن الى المدينة حاملا ً أمر تعيينه مدرسا ً للغة العربية في مدرستها الاعدادية ، ولحظة وصوله اليها للبحث عن أبيه بعد أربعين سنة بدفع من أمه التي يرن صوتها  في أذنه ” أبوك هنا . إذهب لرؤيته . يجب أن تتحمل مشقة كل شيء من أجله. “( ص 17 ) ، ويقول عن نفسه وقد تجاوز الستين آنذاك وكأنه يلوم أمه : ” ثلاث وستون سنة ، عمر شيخوخة جديدة ، اتزرت بها فلابست فيّ العظم واللحم والجلد والنفس فاستهلكتني ورمت بي مخذولا ًضعيفا ً” ( ص 18 ) . أما اللحظة الثالثة فهي لحظة وصول الأب ، وقد ظل وصوله محتفظا ً بغموضه فيما بعد فهو لم يظهر عيانيا ً على امتداد زمن الرواية ، لكن حضوره الشخصي المؤثر كان واضحا ً من خلال الاسترجاع ، وهو حضور طاغ ٍ ترك بصماته على شخصية ابنه الذي لا يعرفه ولم يره من قبل كما انه لا يتذكر المدينة التي كانت أسرته قد غادرتها وهو ابن ثلاث سنوات . كان ابراهيم الأب قد بدأ ترحاله من الناصرية ( التي استمد لقبه منها وورث ابنه هذا اللقب عنه ) ، ومنها الى العمارة ثم القرنة والبصرة ثم الخليج والحجاز حتى رحلة الاختفاء النهائي وضياع الأثر . وكان ، وهو في القرنة  ، جزءا ً من تاريخها ” ملأها طولا ً وعرضا ً ” ( ص 36 ) وقد ظل ” لغزا ً عصيا ً على التفسير  . أميٌ لا يجيد حتى وضع توقيعه على الورق ” وهو صاحب مهنة يدوية يتاجر بمشغولات السعف والبردي والقصب قبل أن تسحق عجلة التطور مهنته  ، لكنه ” كان يقاتل بضراوة غزو البلاستيك وعناد أصحاب الدكاكين وإعراض الناس عنها واستخفافهم  بها ” ( ص 24 ) إذ ليس من طبعه الاستسلام  . وكان قد أغرى أخاه بأن يأتي هو واسرته الى المدينة . كانت السنين تجري في غير صالحه فوجد نفسه مضطرا ً الى ترك المدينة دون أن يضع مصير أسرته في حسابه .  وعلى ما يبدو فإنه كان يعاني من ازدواج في شخصيته ومعتدّا ً بنفسه حتى انه سمى ابنه باسمه لكأنه أراد له أن يكون امتدادا له أوكأنه يخشى أن يضيع  أو يُنسى اسمه  المرتبط بتاريخ المدينة ..     يكشف  الإبن عن حجم تأثير أبيه عليه على الرغم من انه لم يعش معه  . إنه يقول في لحظات حيرته وتردده : ” كان ابراهيم الناصري يستيقظ أحيانا ً في داخلي فيمتد مثل حريق كاو ٍ يلسع أعصابي  … كنت أضطرب ما بين الرغبة في أن أكون مثل ابراهيم الناصري أو الرغبة في الخلاص من شباكه السحرية ” ( ص 30 ). وكان واضحا ً ان الأب سكن ذاكرة زوجته فكانت هذه الذاكرة وسيط الصلة بين الإبن وأبيه ، ترفدها  أحاديث جدة الإبن عن نزوات أبيه وطيشه ولهاثه وراء الجنس وكان صوتها يلاحقه : ” اسمع يا ابراهيم . كن مثل أبيك عنيدا ً وخلاف ذلك لا تجعله مثلا ً لك  ” (ص 25 )  .وفي ظل غياب الأب وقع الإبن تحت سطوة أمه ، وهي سطوة نجد لها حضورا ً طاغيا ً يرافقه في حلـِّه وترحاله ، دون أن يستطيع التخلص منها ، فأصبح انطوائيا ً، تشاؤميا ًوربما عدوانيا ً أيضا  حتى انه شتم نفسهً : ” يا الهي لماذا أنا وحدي دون الآخرين مسكون ٌ بالجبن والتخاذل ؟ لماذا أنا سهل ضعيف خائر صبياني التفكيرمندفع مشتت منزوع الارادة ؟ لماذا أنا وحدي دون الآخرين أقع تحت طائلة الأحلام فأصدق كل ما يقال لي ( إذهب لترى أباك ) ولا يصدق هذا القول  سواي ؟ ” ( ص 18 ) . ويتوغل الروائي داخل نفس بطله ويتحرى عن مكامن الضعف فيه ، فيضع على لسانه مرة أخرى اعترافه بضعفه وتشاؤمه عندما يتحدث عن أول سفر له الى القرنة  عند تعيينه مدرسا ً فيها ” حين خرجت كان يثقل صدري كآبة وانقباض  شديدان ربما بسبب مفارقة أهلي ومدينتي وربما بسبب ذهابي الى مدينة أخرى أجهل كل شيء فيها . . ربما بسبب قلقي وخوفي من فشل مهمتي في التعليم فأنا أعرف نفسي مثلما كنت أقرأ صوت نفسي في عيتي أمي وأعرف ان النحس واقع لا محالة … فأنا متوقع من البداية الفشل المؤكد …طالما نحسي ملازم لي يتقدم معي ويتمشى معي ، أتنفسه وأزفره ” ( ص 34 ) .و ” كنت أمشي ببطء في بقعة ضيقة ، أرفض أن أوسعها بحركتي . كنت أتعمد هذا البطء كما لو انني أرفض أن أتخلى عن مكان ما أزال متعلقا ً به ” ( ص 35 )
لكن الروائي ما يلبث أن يلقي الضوء على عملية التحول التي طرأت على شخصية بطله فهو يتتبع هذه العملية تتبعا ً دقيقا ً من لحظة وصول بطله الى بيت المعلمين في المدينة . وسيكون بيت المعلمين هذا مكانا ً رئيسا ً للأحداث على امتداد سنتين دراسيتين وليس تقويميتين  .
يصل بطل الرواية بيت المعلمين في الواحدة ليلا  ً ، وهو بيت في وضع مزر ٍلا يليق بسكن مجموعة من المدرسين . وتوحي الاشارة الى وضع البيت الي رغبة الروائي في إدانة الواقع الذي يعيشه معلمو ومدرسو المدن الصغيرة والنائية وهو بعيدون عن أهلهم .
يتساءل ابراهيم الناصري الإبن  وهو يشير الى التطور الذي طرأ على حياته  : ” من المسؤول عن هذه الفوضى ؟ من عمد الى فتح أبوابها في وجهي فجأة ؟ ” (ص230  ) و ” أعرف ان ركضي وراء رغباتي المنفلتة ليست إلا ردا ً على حياة أجهل معناها ” ( ص 231 )  . لكن الاجابة على سؤاله انما ترتبط بثلاثة عناصر مستجدة في حياته : مجموعة المدرسين الذين ساكنهم وشخصية الصبية ربيعة وخيام الغجر ، وهي عناصر مترابطة ببعضها فضلا ً عن عنصر ثاموي رابع .
وجد ابراهيم الإبن أمامه في بيت المعلمين أربعة مدرسين قادمين من مدن مختلفة : : سمير من بغداد وعبد الحميد من الرمادي وسعد من العمارة ومصطفى الفلسطيني من غزة والذي يسكن أهله القاهرة ، قبل أن ينضم اليهم حالد  ، الفلسطيني المقيم في العراق . ان هؤلاء الذين جمعتهم المدينة / المنقى  وجد كل منهم  ما ينفس به عما يعتمل في نفسه من مكابدات في مدينة تنغلق على نفسها وتحاصرهم في عزلة فيحاولون اجتراح منافذ للخروج منها . فقد وجد عبد الحميد ، وهو ابن رجل دين  ويعاني من خلل في الغدة الدرقية ، في الجنس سبيلا ً للتنفيس ووجده  سمير  في التردد على خيام الغجر  ، في حين وجده سعد ، وهو ابن تاجر كبير ، في السياسة ، أما مصطفى الحائر المتردد فقد كان ” يداري حيرته وتردده بالصمت ولعب القمار واضطجاعه على قراشه والمذياع مفتوح بشكل عشوائي ” ( ص 149 ) . وقد أسهم هؤلاء ، كل بطريقته ، في عملية التحول التي طرأت على شخصية البطل . فقد وفروا له جوا ًمن الهدوء والحميمية وإن سعى عدد منهم الى استمالته . فسعد المهموم بشاغل السياسة وباتجاهه القومي  ( وربما البعثي ) سعى الى أن يكسب ابراهيم حزبيا ً لكنه صده بهدوء : ” لم تأخذني السياسة يوما ً . كنت بعيدا ً عنها وما أزال. رأيت ذلك هو الأسلم لي ” ( ص 219 ) ، ويظل على امتداد زمن الأحداث متوازنا ً ، متوافقا ً مع نفسه ، محتفظا ً بوعيه الشخصي وهو وعي متقدم  تجلى في نقاشاته وكأنه ليس أبراهيم الناصري الذي ظهر في بداية الأحداث . أما عبد الحميد فقد أسهم بالتأثير على أبراهيم من خلال تشجيعه على أن يخوض أول تجربة له في  ممارسة الجنس ، وكانت هذه التجربة فاتحة تحول واضح في سلوكه  . وشجعه سمير على التردد على خيام الغجر ، في حين فتح سلوك مصطقى غير المتوازن عينيه على دراسة هذه الشخصية وتأمل سلوكها المدان .
تنفتح الورقة الأولى من الفصل الثاني ، الذي قدم له بقول هاملت شكسبير( يالنفسي التي تنبأت … ) ،عن اسم ” ربيعة ” التي مثلت العنصر التاني في عملية تحول شخصية بطل الرواية ، وربيعة هذه صبية في الخامسة عشرة ، كانت هي واختها صبيحة التي تكبرها ، تترددان على بيت المعلمين الذي يقع قبالة بيتهما وترتبطان بعلاقة مع ساكنيه .  يصف ابراهيم الناصري أول تجربة له معها : ” وكانت المفاجأة  الأعنف اني رأيت ربيعة تلقي بنفسها بين يدي .. مثل كيس ثقيل يتهاوى عليّ بصورة مفاجئة .. بدت في حركتها سهلة لينة مسترسلة كأنها تؤدي عملا ً عاديا ً تجيد تأديته تماما ً … رأيت الغرفة تتحرك في ّ وأنا أنزلق مثل ارجوحة سائبة ، أكاد أختنق ، في الزاوية المحصورة بين عنقها الملتحم في عنقي وشعرها الذي ملأ وجهي وكتم أنفاسي … أحسست بثقل اللحم الانثوي الساخن يتداخل في لحمي المرتبك الملتهب المضعضع ” ( ص 184 ) . وكانت هذه لحظة البداية الحقيقية في عملية تحول البطل. وإذا كاتت هذه الممارسة مفاجئة ، هزت كيانه  ، وبدا كأنه يختنق بها وتكتم أنفاسه  ، فإنه ما لبث أن بدأ يستعذبها . يصف ربيعة فيقول : ” هذا الوجه الناعم الشرس الذي يفغر فاه وكأنه يعتزم وبإصرار عجيب على قضم كل من يقترب منه فهو مفغور دان ٍ وحشي تظلله نظرة سحر غريبة هي مزيج من سخرية ولا مبالاة واعتداد وقوة آسرة ” ( ص 87 ). ومن تلك اللحظة بسط سحر ربيعة سطوته عليه ” كان خيال ربيعة يجثم ثمة وهو ينظر اليّ بعينيعا الوحشيتين وكنت  أحاول إبعاد خياتها ” ( ص 88 )، وكان واضحا ً انه لم يفلح في ذلك بل انه صار يتمنى تكرار تجربته الأولى معها ” ربيعة ريح عاصفة في سكوني تنفخ في الرماد الخامد الذي تكتظ به أعصابي فتكشف فيّ جمرة المستحيل والتي تشتعل تحت ركام التعب والركض وراء الهموم فتشتعل مثلها حرائق روحي ” ( ص 188 ) ، وضحكة ربيعة بالنسبة له ” نسمة باردة في جفاف الروح وحضور باهر في ظلمات النفس ” ( ص 49 ) . لكنه يوحي لنا كأنه شعر بالندم على تلك التجربة رغم انه أبدى ما يشي بتعلقه بها ” وكنت أريد أن أخترق سكوني الذي وجدته بعد التجربة السابقة لا يمر إلا ّ عبر جسد ربيعة ودفئه وثمة رغبة مؤكدة تدعوني الى التفاذ في الوقت نفسه من اساره والركض نحو ينابيع غير مدنسة .. أسقط فيها جسدا ً عاريا ً باحثا ً عن مطهر سريع كي أعود الى سابق عهدي . كنت منقسما ً وموزعا ً بين حلم ربيعة وواقع نفسي ..الى حيث السكون وانطفاء جمرة كابية . لا أمل في الاشتعال المستعاد والتوق الى الحرية .. لا أمل إلاّ في سكون نفسي وانطفائها .. هذه هي حياتي . ” ( 189 )  . غير انه ظهر على صورة مغايرة في تجربته الثانية معها . فقد بدا سلوكه معها هذه المرة عدواتيا ً ، عنيفا ً محكوما ً بروح الرغبة في الانتقام وكأنه يريد أن ينتقم عبرها من أبيه وأمه وواقعه وواقعها هي وواقع المدينة أيضا ً ” حين سقطت بين ذراعي ّأحسست بأني  أسعى ألى أن أدمر شيئا ً فيّ أو اني أريد أن أنتقم من عدو غامض يناصبني الشر ويتربص بي . لقد كنت عنيفا ً وضاريا ً مثل ذئب جريح ألعق جراحي ومن ثم أعاود الهجوم . استغربت ربيعة فيّ ذلك . كانت كلما حاولت التخلص من ذراعي تسألني وهي تلهث ( ما بك ؟ ) وفي داخلي يصرخ صوت عميق ووحشي : سأدمر كل أولئك  .. كل أعدائي .. الفشل والتردد والخور والفوضى ”  (ص 223 ) .
و بقع ابراهيم تحت إغراء سمير وعبد الحميد للذهاب الى خيام الغجر، فيتغلب على تردده ويقرر الذهاب ، لكنه وهو في طريقه الى هناك مغهما ومع مصطفى ، كان ما يزال قلقا ً وخائفا ً ” كنت أسأل نفسي وأقول إن استوقفنا أحد وسألنا عن وجهتنا  ؟ ” ( ص 195 ) ، غير انه يقول بعد عودته : ” صحيح انها كانت ساعات قليلة أطفأت شيئا ً من حرارة اضطرابي ، لكن الحريق لم يلبث أن عاد بمجرد أن أشرفت السيارة على مدخل المدينة ” ( ص 204 )  . لكنه ما يلبث أن  يغري هو هذه المرة زميله مصطفى للذهاب الى خيام الغجر لكي يختلي بالغجرية فريدة التي كان قد سمع عنها في المرة السابقة .
وعلى هامش هذه العناصر الثلاثة ، ثمة عنصر رابع ، ولكنه هامشي  أنضم  ، ولو بحدود ، الى جانبها  . ففي أول يوم تدريسي له يفاجأ بوجود سبع طالبات بين أكثرية من الطلبة في الصف الذي دخله لأول مرة . ولم تكن مثل هذه الظاهرة غريبة في زمن الأحداث في المدن الصغيرة والنائية التي لا تتوفر فيها مدارس اعدادية خاصة بالبنات  . ومن بين الطالبات السبع انجذب الى طالبة اسمها منارس وهي ابنة قائم مقام المدينة مع ان وجهها ” كان عاديا ً ليس فيه ما يجذب النظر ” ( ص 107 ) ، مثلما انجذب زميله سعد الى طالبة اسمها خديجة وهي ابنة أحد المتنفذين في المدينة وتقدم لخطوبتها ولكنه جوبه بالرفض بسبب موقفه السياسي . ولم يبرر ابراهيم سر اهتمامه بمنارس مع انها ليس فيها ما يجذب النظركما يقول . ولم تتطور العلاقة التي كان ينتظرها معها لأن أباها نقل الى مدينة أخرى . وربما كان هناك دافع خفي وراء اهتمامه بها يتمثل في المركز الوظيفي لأبيها ، وهو مركز يشجع موظفا ً صغيرا ً في مطلع حياته الوظيفية وفي مثل وضعه الاجتماعي ، على الاقتراب منه بدافع الرغبة في التعويض .
تنحو الرواية منحى ً سيَريا ً يبدو واضحا ً معه ان اورق ابراهيم الناصري انما هي أوراق عبد الاله عبد الرزاق نفسه إذ لا يصعب على القريبين منه أن يكشفوا عن أوجه التشابه بينه وبين بطله . لقد شعرت وأنا أقرأ الرواية كأنني أستمع اليه وهو يسرد سيرته الذاتية أمامي . ولعل مما يؤكد ذلك انه يقول في اشارة خارج متن الرواية ان ” شخصيات هذا العمل جميعهم حقيقيون ، حتى انني اضطررت الى الاستعانة بأسمائهم  الحقيقية أيضا ً إذ شعرت في أثناء تناولي إياهم ان تسميتهم بغير أسمائهم الحقيقية قد يقودني الى تزييف الشخصيات ” . وهذه الشخصيات ، كما وجدنا ، محدودة عددا ً ، مما وفر له فرصة التعرف عليها عن كثب من خلال المعايشة المتواصلة ويسّر له مهمة استقراء دواخلها وتحليلها نفسيا ً ، بفعل محدودية المكان الروائي . لقد حضر بيت المعلمين على نحو واضح في حين كادت المدينة نفسها تغيب حتى ان اسمها لم يرد صراحة ً وانما من خلال الاشارة الى بعض معالمها مثل شجرة آدم والملتقى ودجلة والفرات وربما عمد الى التعتيم  عليها بفعل موقفه السلبي منها ، تؤكد ذلك الأبيات التي أقتبسها من شاعر  أسبانيا الكبير رافائيل البرتي  التي يعاتب أباه  أو يلومه فيها   لأنه أبعده عن البحر وجاء به الى المدينة  ( وهي أبيات أوردها ألبرتي في كتاب مذكراته ” الغابة الضائعة ” الذي ترجمته باهرة محمد وصدر عن دار المأمون عام 1992 ، ويبدو في هذه المذكرات ان الشاعر هو الأخر لم يكن على تماس حميم مع أبيه ، وتزعم ان هذه المذكرات تركت بصمة اعجاب بها عند الروائي ربما تسلل شيء منه الى الرواية )
. تتوزع الرواية فصلين غير متكافئين طولا ً يعنون الروائي كلا ً منها بـ ” الأوراق الأولى للفصل … ” ويتوزع كل فصل على جملة مقاطع يحمل كل منها رقما ً ، ويبدأ السرد فيها بضمير الغائب ويتواصل على امتداد الصفحات السبع الأولى ، وما يلبث ضمير المتكلم ( لسان الراوي ) أن يمسك بزمام الروي حتى النهاية ويُسمع صوت الشخصية الداخلي أحيانا ً وهو يحاور نفسه وقد أختير له حرف طباعي مغاير في هامش الصفحات لتمييزه .
تتحرك أحداث الرواية على محورين : محور الهم الخاص  ومحور الهم العام  :  الخاص المرتبط بهموم شخصياته ، وبشكل رئيس هموم ابراهيم الناصري الإبن الذي أضافت له أمه هما ً ثقيلا ً حين كلفته بالبحث لدى عمه عن حصة أبيه  في البيت الذي كان يملكه مع أخيه في المدينة ليكتشف بعد عناء ان أباه كان قد باع حصته فيه لأخيه ، وجاء موت عمه المريض ليسدل السار على موضوع الإرث المنتظر . أما الهم العام فيرتبط بالقضية الفلسطينية ونكسة حزيران 1967، التي أفرد لها الروائي قسطا ً من اهتمامه ووظف الايحاء الرمزي في الربط بين ضياع بيت البطل وضياع فلسطين ، وربط بين إجهاض زوجة المدرس الفلسطيني خالد ونكسة حزيران ، ثم الإيماء الى التفاؤل بالربط بين يدء حركة المقاومة الفلسطينية وقول خالد ” الحمد لله . لقد جاءنا ولد البارحة ” بعد أن كانت زوجته  قد أجهضت من قبل ، ورفدت ذلك عملية اختفاء مصطفى والإشارة الى احتمال التحاقه بالمقاومة الفلسطينية .
أما لغة الرواية  فهي متدفقة تقتضي من قارئها أن يلهث وراءها للحاق بها :  لغة شاعر  متمرس في اقتناص المفردة المدهشة لصياغة المشاهد السردية الوصفية بشكل خاص  !.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.