حيدر سعيد: النجف .. قصّة فشل مستمر

بدم بارد، فرّط المسؤولون عن مشروع (النجف عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2012)، سواء في وزارة الثقافة، أو مجلس محافظة النجف، أو إدارتها التنفيذية، باستحقاق وطني وسياسي على درجة عالية من الأهمية، حين طلبوا من (منظمة المؤتمر الإسلامي)، التي اختار وزراءُ ثقافتها النجفَ لهذا الحدث قبل نحو أربع سنوات، تأجيلَ المشروع ووضعه ضمن الخطة العشرية من سنة 2014 ـ 2024.
وبغضّ النظر عن التفاصيل الحافّة بطلب التأجيل، وبعضُها مضنون به على غير أهله، كما يقولون، يعني هذا الطلبُ ـ عملياً ـ إلغاءً للمشروع، وفشلاً جديداً يُضاف إلى قائمة الفشل الطويلة التي أُتخمت بها البلاد.
بُرِّر الطلبُ بـ “انشغال العراق بالقمة العربية، وظروف التغيير في المنطقة العربية، وعدم اكتمال البنى التحتية في النجف”، غير أن هؤلاء المسؤولين يوحون، في الجلسات الخاصّة والحوارات خارج التسجيل، بأن هذه المبرّرات هي للإعلان الرسمي فقط، وأن الأسباب الحقيقية والمباشرة هي ضغوط مارستها جهات متنفذة وقوى معينة في النجف (في إشارة إلى المرجعية الدينية)، لم تملك الجهاتُ الرسمية إلا أن رضخت واستجابت لها، وأن الأمر لا يعبّر عن فشل، بل ـ على العكس يقولون ـ إن النجف مستعدة لاستقبال فعاليات عاصمة الثقافة الإسلامية.
غير أن الأمور تُقاس بخواتيمها. والخواتيم تقول: إن المشروع وئد، . . وُئد بدم بارد، من دون أي إحساس بأهميته الفائقة للعراق، وطناً، وهوية، وذاكرة، وثقافة، ودبلوماسية، وعلاقات عامة. الخواتيم تقول إن العراق لم يُكتَب له بعد أن يعيش قصةَ نجاح. ثمة فشل دائم، متكرر، ومستمر.
أنا أحسّ أن كلمة (الفشل) هي الكلمة الوحيدة الجديرة بوصف ما حصل لمشروع (النجف عاصمة الثقافة الإسلامية)، وأن أية تعبيرات أخرى ما هي إلا تزويقات يُراد منها تزوير هذا الفشل، الذي لا دليل مؤلماً وموجعاً عليه (وهذا الأمر يُشعرني، شخصياً، بالعار) أكثر من أن تلمسان، المدينة الجزائرية، أحيت فعاليات عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011 بميزانية لا تبلغ ربعَ الميزانية التي رصدتها الحكومةُ العراقية للنجف. تلمسان أحيت فعاليات ناجحة بـ 120 مليون دولار (وهو ما عُدّ رقماً كبيراً)، والنجف تفشل، وبين يديها أكثر من نصف مليار دولار.
لهذا الفشل أسباب وعوامل عدّة، تنفي كلَّ ما يُدّعى خلافه.
أول هذه العوامل، وأهمها، هو أن جزءاً كبيراً من هؤلاء المسؤولين لم يفهموا جوهرَ المشروع: ما معنى أن تكون النجف عاصمة للثقافة الإسلامية؟
وأزعم أن هذا العامل هو الذي ولّد سائر عوامل الفشل اللاحقة.
لقد اختيرت النجف لهذا الحدث من دون إجماع، أو قبول، أو قرار مسبق، لا من أبنائها ولا من مؤسساتها، السياسية، والإدارية، والمجتمعية، ومن دون تهيؤ أو استعداد. حدث الأمر بمبادرة من بعض القيادات السابقة في وزارة الثقافة، فُهمت ـ على نطاق واسع ـ بأن (طموحات شخصية) تقف خلفها.
ولهذا، تفاجأ النجفيون بالأمر، ولم يعرفوا ـ في البدء ـ كيف يتعاملون مع هذا الحدث؟ كيف يقيمون فعالياته؟ ماذا ينبغي أن تتضمن هذه الفعاليات؟ وما المدة التي تستغرقها. فمثلاً، كان تصور أحد القيادات المحلية الفاعلة في المشروع أن هذا الحدث لن يعني أكثرَ من فعالية احتفالية، يمكن أن تُقام في ملعب، ولمدة أقصاها أسبوع.
لعل هذا أمر طبيعي جدا لشعب عُزل عن العالم لعقود. ولكن الأكثر مرارة هو أن هؤلاء المسؤولين لم يسعوا إلى صياغة وبناء (فلسفة) تحرِّك المشروع، وتكون مرجعيتَه وإطاره. نعم، هم شاركوا في جولات ودورات خارج البلاد، اطلعوا من خلالها على كيفية إحياء مثل هذه الفعاليات، ولكنهم لم يسألوا حزمة من الأسئلة الجوهرية: كيف يمكن أن تكون النجفُ عاصمة للثقافة الإسلامية؟ أي وجه للنجف ينبغي أن نقدّم؟ أية رسالة سياسية يمكن أن توصلها النجف في ظل احتقان طائفي غير مسبوق تعيشه المنطقة؟ أية هوية ستظهرها النجف، الشيعية، المسلمة، العربية، العراقية، الكونية؟ هل ستجعل النجفُ من المشروع مجرد بروباغاندا للتشيع؟ أم أنها ستُظهر تراثَها التقريبي، المنفتح؟ وهي تحمل كماً مركّبا ومعقدا من الوجوه، هل ستكتفي بأن تقول إنها مدينة محمد باقر الصدر؟ أم ستجرؤ على أن تقول إنها مدينة الجواهري كذلك؟
لقد أُدير المشروع بسياسات وخطوات مرتجلة، أثّرت في سائر تفاصيله التنفيذية، وقادته ـ من ثم ـ إلى (موته المعلن).
فمن جهة، وبسبب الاضطراب في فهم جوهر المشروع، سيطرت رؤية عملت على أن يكون جزء كبير من الميزانية الضخمة التي رصدتها الحكومة للمشروع مخصّصاً لتأهيل البنية التحتية لمدينة النجف، لا للفعاليات الثقافية، بسبب أن النجف تفتقر إلى المنشآت المؤهلة لاحتضان هذه الفعاليات.
قد تكون مبررات هذه الرؤية صحيحة، ولكنها نابعة من فهم مغلوط لأساس المشروع، فالمهم في (عاصمة الثقافة) هو الفعاليات الثقافية، لا أن تكون الأولوية للبنية التحتية على حساب الفعاليات، على نحو ما حصل.
لقد قادت رؤية على هذه الشاكلة إلى اضطراب وخلل كبيرين في التخطيط للمشروع. والقرار السابق بتأجيل حفل الافتتاح وانطلاق الفعاليات إلى أواسط أيّار من هذه السنة (أُعلن عن هذا القرار في مطلع شباط، أي قبل طلب التأجيل الذي قدّمته وزارةُ الثقافة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بأقل من أسبوعين) هو دليل مهم على هذا. ففي حين تفتتح العواصمُ الثقافية فعالياتها في مطلع كانون الثاني، وتستمر في إحياء الفعاليات إلى آخر أيام السنة، استكثر هؤلاء المسؤولون على النجف إلا أن تفتتح فعالياتها في أواسط أيار، . . مع اقتراب صيف العراق الجهنمي، وشهر رمضان الذي تنام فيه الأمةُ الإسلامية، بما يعني أنه لن يبقى من السنة سوى ثلاثة أشهر، . . ثلاثة أشهر فقط تكون فيها النجفُ عاصمة للثقافة الإسلامية.
أي استصغار لشأن النجف هذا؟
وحتى مع هذه الرؤية (أن الفعاليات الثقافية أمر ثانوي قياساً بتأهيل البنية التحتية)، لم ينجح المسؤولون عن المشروع في بناء تخطيط كفوء، فمن يزر النجفَ الآن (وأنا أكتب في أواخر آذار) يرَ أنها لا تزال ورشةَ عمل كبيرة، شوارعُها الرئيسة فيها أعمال لا يمكن الانتهاء منها قبل أشهر. مَن يزر النجفَ، الآن، لن يصدق أن هذه المدينة هي (عاصمة للثقافة)، تستعد لاستقبال ضيوف، بل كان يُفترَض بها أن تكون متهيئة لذلك منذ الأيام الأولى للسنة.
هنا، أريد أن أستعير عبارة من أحد أصدقائي من المثقفين النجفيين، الذي كتب يقول: “ليس شرطاً أن تكون شوارعُ النجف وأرصفتُها من ذهب حتى تحيي فعاليات عاصمة الثقافة الإسلامية”.
إذن، لا يمكن أن يدلّ الفشلُ في تأهيل المدينة قبل الدخول في سنة 2012 إلا على فشل في التخطيط ورؤية مغلوطة لمعنى أن تكون النجفُ عاصمة للثقافة الإسلامية.
وإلى جانب الفشل في فهم جوهر المشروع، ثمة جملة من العوامل، التي أعتقد ـ شخصياً ـ أنها مرتبطة بهذا العامل الرئيس، بل تدلّ هذه العوامل ـ في العمق ـ على استخفاف بالمشروع.
فمن جهة، شهد المشروعُ صراعاً حزبياً حادّاً بين الأطراف السياسية النافذة في النجف، وهو صراع أخذ طابع التسقيط، والتشهير، والاحتكار، والإقصاء، ومحاولات الإفشال، على حساب المشروع نفسه، بمعنى أن المسؤولين عن المشروع نقلوا إليه أخلاقَ المجتمع السياسي. وهكذا، لم تستطع هذه الأطرافُ، التي تدّعي الانتماءَ للنجف، أن تغلّب مصلحةَ المشروع على مصالحها الحزبية، وظل الحزبُ لديها أعلى من النجف ومكانتها.
وقد جرّ هذا الصراعُ إليه صراعاً بين المؤسسات المجتمعية الفاعلة في المدينة، أدّى ـ في النهاية ـ إلى إبعاد عدد منها. وتقف الجامعةُ في صدارة المؤسسات التي أُقصيت بالكامل عن المشروع، لحسابات سياسية وحزبية، بعد أن كان يُفتَرَض أن تلعب الدورَ الأكثر حيوية في هذا المشروع.
وإلى جانب كل هذا، يبدو أن المشروع رافقته وشابته رائحةُ فساد، كسائر المشاريع الأخرى في العراق، إذ أصبح الفسادُ عنصراً بنيوياً فيها.
وهكذا، سُفِح المشروع، سُفِح بدم بارد، لأن (النجف) لم تكن تعني شيئاً للمسؤولين عنه، بإزاء مصالحهم الشخصية والحزبية. (النجف) لم تكن سوى مفردة ثانوية، عابرة، تدلّ على ذلك سيرةُ الفشل هذه، بدءاً من عدم فهم جوهر المشروع، مروراً بالصراع الحزبي، وصولاً إلى تحوّل المشروع من كونه مشروعاً ثقافياً إلى أن يكون موردَ فساد.
ولذلك، قلتُ ـ وأقول ـ إن هؤلاء المسؤولين، حين طلبوا من منظمة المؤتمر الإسلامي تأجيلَ المشروع، لم يتحسسوا طعمَ الكارثة.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول — أغاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *