عبدالله إبراهيم يناقش العلاقة بين الكتابة والمنفى، ويقدّم للقراء محاوراته السردية

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتابان جديدان للناقد العراقي عبدالله إبراهيم، أولهما بعنوان “الكتابة والمنفى” وثانيهما بعنوان “المحاورات السردية”. وكانت المؤسسة قد أصدرت قبل أشهر ثلاثة كتب للدكتور عبدالله إبراهيم، هي “السرد النسوي” و” والتخيّل التاريخي”و” والسرد والاعتراف والهوية” وهي تؤلّف جهدا نقديا دؤوبا واظب عليه منذ أكثر من ربع قرن من أجل إثراء الدراسات السردية في الثقافة العربية الحديثة. وقد ارتبط اسم الناقد عبدالله إبراهيم بالمؤسسة العربية للدراسات والنشر التي تولّت نشر مجموعة كبيرة من كتبه بمجلدات فاخرة، منها ” موسوعة السرد العربي” و”عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين” و”المطابقة والاختلاف”.
جاء الكتاب الأول بعنوان “الكتابة والمنفى” ليقدّم مقترحا جديدا طرحه الناقد العراقي وهو إحلال مصطلح ” أدب المنفى” محلّ مصطلح “أدب المهجر” في ضوء التغييرات الثقافية الشاملة التي اكتسبتها ثقافة المنفى التي لم يعد المهجر إلا جزءا ضئيلا فيها، وفي ضوء هذا الأمر قدم المؤلف مراجعة شاملة

للمصطلح ليكسبه معنى جديدا لم يطرح من قبل في الدراسات النقدية، وراح يدعو إلى تنشيط جدل ثقافي ينتهي بإحلال عبارة “كتابة المنْفَى” محل عبارة “كتابة المهجر” لأن الثانية تخلو من المحمول الواصف للكتابة الجديدة، فيما الأولى مشبعة به، فهو يترشّح منها حيثما درست مستوياته الدلالية، ووقع تأويله، فـ”أدب المنْفَى” يختلف عن “أدب المهجر” اختلافا واضحا، كون الأخير حبس نفسه في الدلالة الجغرافية، فيما انفتح الأول على سائر القضايا المتصلة بموقع المنفِيّ في العالم الذي أصبح فيه دون أن تغيب عنه قضايا العالم الذي غادره.
وقد ذهب الناقد عبدالله إبراهيم إلى أن المنفَى ليس بقعة غريبة فحسب إنما هو مكان يتعذّر فيه ممارسة الانتماء،فهو يخرّب قدرة الانتماء، ويحول دون ظهور تلك الفكرة البراقة التي تجتذب الإنسان. ولطالما وقع تعارضبين المنفِيّ والمكان الذي رُحّل/ ارتحل إليه، وندر أن تكلّلت محاولات المنفيين بالنجاح في إعادة تشكيل ذواتهم حسب مقتضيات المنفى وشروطه، فالمنفِيّ هو منْ اقتلع من المكان الذي ولد فيه، وأخفق في مدّ جسور الاندماج مع المكان الذي أصبح فيه، فحياته متوترة، ومصيره ملتبس،والمنفِيّ ذات بشرية واعية لكنها ممزقة، هُتكت عذريتها، وخُرّبت سويّتها الطبيعية،فلا سبيل إلى إعادة تشكيلها في كينونة منسجمة مع نفسها أو مع العالم.
وحسب الناقد إبراهيم يتأدّى عن تلك الحال ضرب من الكتابة، هي كتابة المنفَى،ومادتها مزيج من الاغتراب والنفور؛ لأنهاتراوحفي منطقة الانتماء المزدوج إلى هويتين متباينتين، ثم، في الوقت نفسه، عدم إمكانية الانتماء لأي منهما، لكنها كتابة كاشفة تقوم على فرضية تفكيك الهوية الواحدة وتقترح هوية رمادية مركّبةمن عناصر كثيرة، وبهذه الصفة تعدّ كتابة المنفى عابرة للحدود الثقافية، والجغرافية، والتاريخية، والدينية، وهي تخفي في طياتها إشكالية خلافية، كونهاتتشكل عبر رؤية نافذة، ومنظور حاد لا يعرف التواطؤ، فكتابة المنفى تتعالى على التسطيح، وتتضمن قسوة صريحة من التشريح المباشر لأوضاع المنفي، وعلى حدِّ سواء، لكل من الجماعة التي اقتلع منها، والجماعة الحاضنة له، لكنهاتنأى بنفسها عن الكراهية، والتعصب، والغلو، وتتخطّى الموضوعات الجاهزة، والأفكار النمطية، وتعرض شخصيات منهمكة في قطيعة مع الجماعة التقليدية، وتنبض برؤية ترتد صوب مناطق مجهولة داخل النفس الإنسانية. وتتسم كتابة المنفى، فضلا عن كل ذلك، بالقلق الوجودي، ويسكنها الحراك، والانشقاقية، والسخط، وفيها تعوم الأسئلة الكبرى، وهي مدونة قاسية تتمثل فيها مصائر البشر حينما تدفعهم نوازع العنف الأعمى إلى تمزيق شملهم، فيلوذون بأماكن بديلة بحثا عن آمان خادع.قام الناقد ابراهيم بتحرير الكتاب، وتأليف ثلاثة فصول فيه، لكن نخبة من خيرة الناقد والكتاب العرب اسهموا في كتابة معظم فصول الكتاب، ومنهم: أدونيس، وواسيني الأعرج، وإبراهيم الكوني، وسيف الرحبي، وكمال أبوديب، وفريال غزوّل، وفيصل درّاج، وأحمد يوسف، ونبيل سليمان، موحمد لطفي اليوسفي، وفخري صالح.
أما كتاب “المحاورات السردية” فيتألف من مجموعة من المحاورات المستفيضة حول الظاهرة السردية جرت مع الناقد عبدالله إبراهيمبين الأعوام 1995 و2010 ضمّت معظم ما شغله من أفكار طوال تلك المدة، وما وجده داعما للأفكار التي وردت في كتبه حول السرد،ومما جاء في مقدمة الكتاب تأكيده على أن الحديثعن التجربة النقدية والفكرية مشوب دائما بالحذر المعرفي، فكل حديث ينصرفإلى وصف التجارب الذاتية يجد نفسه متورّطا في خضمّ سلسلة من الادّعاءات التيلا تملك براهينها، وذلك حينما ينطلق من افتراض عام هو استقرار تلك التجارب وثباتها،وهذا أمر لا يجوز الادعاء به كون التجارب الفكرية يجرى تشكيلها بفعل مؤثّرات كثيرة،وهي مفتوحة على آفاق لا نهائية، وليس من الصواب وضع نهايات قطعية لها؛ لأنها ستضيق بنفسها، وتتعطل فاعليتها المعرفية إذا ما قيّدت بمرجعياتتفترض الثبات المطلق، فكل تجربة تغتني بالحوار والتفاعل والتواصل، ولا يصح الحديث إلا عن مسار متحوّل وأطر عامة تروم تجديد ذاتها لتواكب عمليات التحديث المعرفي في الفكر الإنساني.
وفي ضوء ذلك ذهب الناقد عبدالله إبراهيم إلى أنه لا يجوز الحديث عن تجربة نقدية مكتملة، إنما الالتفات إلى جملة منالأفكار والرؤى والموضوعات المتغيّرة التي انتظمت في نسق فكري معين، وجرى خلالهاالانشغالبجملة من قضايا السرد. والخيط الناظم للنشاط النقدي الذي مارسه الناقد هو العمل المنهجي بمعناه العام،فقد اهتدى به للتنقل بين التجارب الإبداعية ممثلة بالسرد العربي القديموالحديث من جهة، والفكر العربي والعالمي بجوانبه الفلسفية والنقدية من جهة أخرى.وقد طور هذا التنقل بين هاتين المنظومتين لديه تصورا للنقد من كونهممارسة أدبية غايتها تحليل النصوص الأدبية، وكشف جمالياتها، واستنطاقها، وتأوليها، إلى ممارسة فكرية،غايتها كشف الظواهر الثقافية وتفكيكها، وبيان تعارضاتها الداخلية، وآثارها في الفكروالمعرفة. وانتهى به إلى الربط بين السرديات والمركزيات الثقافية؛ فكل تمركز حول الذات العرقية أو الدينية، أو الثقافية، إنما يقوم على التصديق بسرد يرفع من شأن الذات على حساب الآخر، وينزع عنها التسامح، ومجمل أعمالعبدالله ابراهيم النقدية والفكرية ترتبت في فلك التمثيل السردي، سواء أتصل ذلك بالمتخيلات السردية القديمة والحديثة أم بالمركزيات الثقاقية والدينية والعرقية التي هي سرود ثقافية متحيّزة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.