بشار عبد الله ومسيرة التجريب في ” من يسكب الهواء في رئة القمر ” :

bshar_abdallhعجيب أمر مبدعي نينوى الحدباء ، وهو العجيب الباهر المدهش ، فقد حملوا راية التجريب في الإبداع خصوصا في السرديات .. ولعل أكثر من أوغل في هذا المسار هو المبدع الكبير الراحل ( محمود جنداري ) الذي توج جهده التجريبي في ( مصاطب الآلهة ) التي أثارت الكثير من النقاشات عراقيا وعربيا . وكنت أتوقع أن فتورا في حمى التجريب الموصلية قد حصل بعد رحيل محمود الفاجع .. لكن تأتيك البشارة من بشار عبد الله في رواية ( من يسكب الهواء في رئة القمر ) . والتي وصفها الكاتب بأنها ” رواية شعرية ” وهي فعلا مدونة تقطر بالشعر المدوي من البداية حتى النهاية . وكيف لا وبشار شاعر أصلا . لكن هل يستطيع كل شاعر أن يكتب رواية شعرية ؟ الجواب كما هو معروف : لا . فمن من الشعراء يستطيع اختراق الحاجز ؟ إنه الشاعر الجسور الذي ينبري لخلع جلده الشعري أو إضافة جلد سردي إلى جلده الأصلي وهذا سيشكل عبئا هائلا على جسده المعرفي قد يخنقه وفي أفضل الأحوال قد يكسر ظهر إبداعه . توفرت لبشار الجسارة والروح التعرضية أولا ، والإرث التجريبي الهائل المختزن في بيئته الإبداعية ثانيا وعاملان سنتوقف عندهما الآن ثالثا ، وهما السفر واللغة اللذان اعتبرهما مفتاحين مركزيين في النمو المعرفي والخلاقي للمبدع العربي عموما وللمبدع العراقي خصوصا .  ولا أستطيع تحديد فعل العامل الأول في منجز بشار لكنني أستطيع القول بأنه قد استثمر على أكمل وجه العامل الثاني ممثلا بما منحته له لغته الإنكليزية العالية – آخر ما قرأنه له الترجمة الرائعة لقصة سلمان رشدي في ملحق ألف ياء الزمان – من خبرات ومعارف وتجارب استثمرها بصورة خلاقة فقدم لنا رواية شعرية شديدة الامتاع . في الإستهلال : الإضاءة : ( تأهيل الفراغ في الحجر الخام ) يقول بشار : ( اقطع من الحجر ما هو ليس فيلا ، تحصل على فيل ) هكذا رد مايكل أنجلو على تلميذه الذي سأله كيف ينحت فيلا في كتلة حجر ) ويتساءل بشار : (( ترى كيف سيتلقى التلميذ الرد ؟ أيكفي أن يقف عند مستواه الظاهري السائغ كطفولة ، أم سيتعين عليه أن يغوص في أعماق حكمة مترفعة وهو لما يكتسب بعد ربما قوانين السباحة الحرة في أعماق حكمة )) وبعد هذه التساؤلات المراوغة الماكرة يقول بشار : (( ما أراده مايكل أنجلو بهذا الرد هو حتما دغدغة جوهر الفن في داخل تلميذه وتحريكه من أجل إيقاظ تلك البدائية الطافحة بالإرتعاشات ، القادرة وحدها على رؤية الكامن في يقين المستقبل رؤية حاضرة )) وحين تكمل رواية : من يسكب الهواء في رئة القمر ؟ تتأكد من حقيقة واحدة شديدة الأصالة وهي أن ذاك التلميذ الإيطالي بالتأكيد الذي صدمته رؤيا أستاذه أنجلو ، ما هو إلا بشار عبد الله وقد استوعب الدرس جيدا وقطع من تلك الروح البدائية الطافحة بالإرتعاشات ما هو شعر فسكب الهواء في رئة القمر .

book_bshr-mn-yskn

شاهد أيضاً

ايام مهرجان الشعر الثالث في مدينة يونشوبنك السويدية
د. توفيق التونجي

خلال ثلاث ايام متتالية جرى الاحتفال بمهرجان الشعر الثالث في مدينة يونشوبنك السويدية. شارك في …

رحيل الشاعر العراقي “سعد الشلاه”

فقدت الساحة الأدبية العراقية الشاعر والأديب سعد الشلاه (1954 – 2020) الذي غيّبه الموت مؤخرا. …

وفاة الشاعر العراقي “جبار رشيد”

توفي الشاعر العراقي جبار الرشيد بجلطة دماغية بعد أيام على دخوله المستشفى. وتأكد خبر وفاة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *