فليحة حسن: الشعر النثري، ما تكره الأمهات أنموذجاً؛ دراسة سيميائية

مدخل :
الفرق بين قصيدة النثر والشعر النثري :
عرفت  سوزان برنار ّ قصيدة النثر قائلة : إنها«قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية».وذهب بعضهم الى تميزها بـ( الإيجاز والمجانية والتوهج)-  كما يقول انسي الحاج –الأمر الذي يجعلنا نرى إن كل ما يفترق عن هذا التعريف أو يجانب الصفات التي ُحددتْ لهذه القصيدة لا يدخل ضمنها بل يقع ضمن ما يسمى بالشعر النثري وهذا ما ميز  النص الذي أنا بصدد دراسته واعني ( ما تكره الأمهات ) للشاعر علي خصباك ،
سيميائية العنوان :
يعد العنوان واحد من المداخل الرئيسة في دراسة أيما نص أدبي والوقوف على  اكتناه معناه حتى عد العنوان أداة  مساعدة في سبر أغوار ذلك النص وانتهاك معانيه المخبوءة وتقديمها بجاهزية مقبولة للآخر المتلقي ، والعنوان هنا ابتداء من استعمال اسم الموصول ما والذي يعني (الذي) مستعملاً مع الفعل المضارع ( تكره) والذي من معانيه استمرارية الحدث يعطي للجملة تركيزاً  على الذي تكرهه الأمهات وتستمر في كراهيتها له ويغدو عنواناً يتمتع بقدرة على إثارة أسئلة عدة ابسطها  ما الذي تكرهه الأمهات ؟
ومن الملاحظ أيضاً أن هذا العنوان هنا  صار لازمة في أكثر من مفصل من مفاصل النص فتكرر فيه (خمس ) مرات مما أعطاه القدرة على الحضورالاشعاعي الذي يمنح المعنى تجليا تنكشف لنا في نهاية النص دلالته المخبوءة ويهدي المتلقي الى ما كان يسعى إليه الشاعر من عنوانه وبذا يثبت لنا  إن العنوان ليس عتبة يمكن تخطيها بسهولة المار عليها المخترق لها والوالج بها أمكنة الى غيرها بل هو جملة أولى مركزة مضغوط فيها المعنى الأهم في النص والتي لا يمكن تجاوزها الى ما سواها ،
وبما إن النص قد ُكتب للراحلين كما يشي الإهداء الذي قدمه الشاعر كعتبة تالية للعنوان  ” الى شهداء الحلة” فان الرحيل يتوجب على الشاعر أن يبتدئ بفعل يدل على زمن المضي ولذا استعمل الفعل (كان ) مجردا أو مقترناً بتاء التأنيث الساكنة
( كانت) في كل جمله بدئية نحو:
(كان البائع صديق الرصيف
كانت اليد الناعمة تتحسس وجيب القلب

كان المعلم يحمل على كتفيه قلق الزوجة
وكان الشاب الأسمر يحمل في جيبه طلسما
وكان مريض الربو يلج غرفة الحكيم
وكان الحكيم منهمكا بالعزف على قلوب قاصديه
وكان في الشارع كارثة تتسلل صوب
وكان الصبح يومئ لمن في المشهد..
كانت العصافير تطلق زقزقة… لا
كان ملائكة الرحمن منهمكين
بكتابة أسماء الشهداء.)
فبدا المشهد كما نقلته لنا عين الشاعر الرائي محتشدا بتفاصيل لحياة يومية  ماضية ابتدأت أرضية واقعية وانتهت سماوية واقعة تحت رحمة الغيب  (كان ملائكة الرحمن منهمكين بكتابة أسماء الشهداء) ،
سيميائية الشخوص :
ولان أحداث النص  – وكما اعتقد – مشاهدة أو معاشة من لدن الشاعر فانه لم يذهب الى صناعة  شخصياته بل إن الشخصيات هي التي تسللت من مكان الحدث الفعلي متلفعة بما تحمل من قلق و أحلام ورؤى وأمانٍ  تسعى لتحقيقها الى الصور الشعرية فيه، لا لتصنع المشهد صناعة بل لتنقله لنا وتحاكيه  ولذا فان ما نراه في ارض الشارع من شخوص جاءت بكليتها لنص (على خصباك) لتعيد لنا تمثيل المشهد كما حدث فعلاً،
والملاحظ إن غالبية هذه الشخوص يلفها الانتظار، انتظار ما يبدل حياتهم نحو ماهو مرغوب فيه ومطموح إليه  أو يستأنفها بشكل أفضل متمثلة باستعمال الشاعر لمفردة ( اللامانع )التي جاءت هنا للتواصل مع حلم منشود قد يتحقق بالاقتران أو استئناف العمل أو مواصلة الحياة يقول : ( لا مانع من الاقتران ) ( لا مانع من العودة للوظيفة ) ، ( لا مانع من شد أزر الحياة ) هذا اللامانع جعله الشاعر يصدر عن الحكيم ( بانتظار ما يقوله الحكيم )  بمعنى إن كلمة اللامانع السحرية تلك لابد أن تصدر من حكيم مطلع على بما يجب أن يحدث أو يكون ،لذا فالجميع بدا منتظرا لـ(ما يقوله الحكيم) الذي وسمه الشاعر بالطهر والنقاء حين استعار للون طاولته البياض ( الحكيم الذي لون منضدته البيضاء اللماعة بالطهر )
بينما استعار للكارثة صورا مركبة من المكر المرموز له بـ(عيني ذئب) والمخاتلة الملمح لها بـ(هيئة ضبع ) ولحية افعوانية وقلب لا ينبض إلا بالموت ومن اجله
(وقلب خليط من سم وظلام وما تكره الأمهات
تنسل حاملة الثكل واليتم
وسكاكين تفرم الأجساد
وأمنيات شبقه متلهفة لرؤية الخراب)

سيميائية المكان :
مشهد النص ينقلنا الى مكان الواقعة التي تتضح ملامحه لنا ممسرحا داخل ثلاثة أمكنة :
الأول ملمحا له إلا وهو( المشفى )والذي لم يترك لنا  الشاعر منفذا صريحا لولوجه غير الاستعانة بصورة شعرية جاءت في بداية النص مكنتنا من التعرف عليه حين قال : ( كان مريض الربو يلج غرفة الحكيم ليمنحه هواء نقيا للبقاء على قيد الأمل )
والثاني الشارع الذي جاء مصرحا به (لفظا )،(وكان في الشارع كارثة تتسلل صوب مشهد من يصارعون ما تكره  الأمهات ) و(محتوى) الذي دلت عليه مفردات : ( الصبح ، العصافير ، شط الحلة ، النهر ،البناية المجاورة )
والثالث المكنى عنه( بالجهة التي تغيب عندها الشمس) الجهة الظلامية التي رسمت المشهد مرتين مرة على ارض الواقع حين صنعت الموت وجاءت به كحقيقة حية معاشة ومستمرة
( ففي الجهة التي تغيب عندها الشمس أوقد زان شمعة ودعا مريديه )
و(وقبل أن يغادروا مكان الاحتفال جرى تبادل للزوجات،لإعداد أبناء زنا لارتكاب ما تكره الأمهات)
واخرى حين محاكاتها له تمثيلا (وجرى تمثيل المشهد كاملا وهم يطلقون ضحكاتهم العاهرة)
سيميائية الزمان :
المتمعن في زمن حدوث النص يراه زمنا مستمرا قابلا للتكرار اليومي فأفعالا مثل الترقب والانتظار والبحث عن لقمة العيش  والصراع مع المرض و الموت المتشظي أفعال تتصف بالدوام في بلاد مخترقة كالعراق ، غيران في النص دلالة  لفظية  تشير الى وقوعه صباحا (كان الصبح يومئ لمن في المشهد….لا )  ذلك الصبح الذي يتحول سناه بضغطة زر الى ليل ورماد فيغدو( الدخان يكفن المنتظرين )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.