عبد العزيز لازم: تقنية الجنون في “أيام الجنون والعسل” لخضير ميري

دخل الجنون في الأدب العالمي باعتباره طاقة خلاقة لاكتشاف أعماق جديدة داخل النفس البشرية وداخل البنية الاجتماعية أيضا . فكثيرا ما يرى المبدع ضرورة أن يكشف الغطاء عن العقل ونظامه باللجوء إلى كشف أغوار نقيضه وهو اللاعقل . لكن هذا يستتبع انبثاق إشكاليات علمية وفنية وفلسفية تقف أمام صانع العمل يتعين ضبطها والسيطرة عليها بتحديد ما يريده بالدقة الكافية . يعتبر وليم شكسبير ابرز المبدعين العالميين الذين طرحوا حالات من الجنون في أعمالهم الدرامية . وليس صدفة أن يرتبط الجنون عند شكسبير بأعماله التراجيدية حصرا . بل إن شكسبير سعى إلى الجنون المفترض إضافة إلى الجنون الحقيقي . فتظاهر هملت بالجنون لكي يكتشف فاتل أبيه وكان يتحدث مع نفسه لكنه لم يفعل شيئا وهذه ماساته . وقد توغل هاملت في اللعبة حتى بات الجمهور يشعر بالحيرة حول حقيقة هل إن هاملت كان يتظاهر بالجنون أم انه صار مجنونا بالفعل بينما فقدت اوفيليا عقلها لشدة حزنها واستسلم الملك لير لجنون حقيقي بتأثير ظروف علاقات معقدة تؤدي إلى ذلك ، وكذلك فعلت الليدي ماكبث. إن الجنون هو واحد رغم انه درجات لكن الأسباب مختلفة فالرجال الثلاثة في مسرحية العاصفة فقدوا عقولهم أيضا بسبب وطأة الخطيئة على ضمائرهم والتي أدمنوا ارتكابها وقد رأينا الشاب ” حمّاد ” في “مساء الإسفنج” من فصل حكايات من الشماعية يفقد توازنه العقلي  بعد أن ارتكب جريمة سفاح القربى مع شقيقته . لقد تكورت جميع موروثات الحرام وعقوباتها المعنوية وسددت إلى عقله الذي لم يتحمل الرجة ففقد توازنه . الشيء الجوهري الذي لابد من ذكره هو إن علم الطب اثبت لاحقا صحة الحدس الفني لدى شكسبير بخصوص الجنون وحالاته . أيد ذلك ج. س. بكنل في  (ملاحظات حول المعرفة الطبية لدى شكسبير) عام 1860 . أما الدكتور ه.سومرفيل في كتابه (الجنون في التراجيديا الشكسبيرية) عام 1949  فقد ذكر إن معارفنا حول الجنون في القرن التاسع عشر قد ازدادت بفضل ثبوت صحة حدس شكسبير بخصوص حالات الجنون التي صورها في أعماله التراجيدية . بل إن الباحثة ( إيلا فريمان شارب) ذهبت ابعد من ذلك (وهذا قد يقربنا  شيئا من تجربة خضير ميري ) فهي قد تأثرت بعمق بوصف حالة الجنون التي أصابت الملك لير وراحت تجادل من اجل إثبات أن هذه التجربة هي صدى لتجربة شكسبير نفسه في طفولته فقد عاش ظروفا مأساوية تخص علاقة مأزومة بين والدته و زوجها وأولادها .
لكننا سنقترب أكثر من خضير ميري حين نتحدث عن صدمة الحلم الأمريكي التي تسببت في حالة الجنون التي أصابت بطل مسرحية ( موت بحار ) لآرثر ميللر . إن “لومان” الشخصية الرئيسية تعرض لخيبة أمل عميقة حين ضاعت فرص النجاح في العمل أمامه وأمام ولديه . فكانت الصدمة بالحلم الأمريكي هي التي تسببت في استسلامه إلى الهلوسة وفقدان الاتزان وراح يحدث أخيه الذي فارق الحياة من فترة طويلة لأنه كان قد حصل في الماضي على فرصة للنجاح .وبعد أن تكررت الخيبات في حياة الأسرة  قرر أخيرا أن يضع حدا لحياته .
اندفع هذه الحلم الأمريكي الخادع بآلة الدمار التي أجاد صنعها ليباغت سكان مستشفى الشماعية  للأمراض العقلية وأرسل نيرانه الراعدة المجنونة كي تزلزل عقولا بريئة أرهقها الجنون وقلة الاعتبار . وكان خضير ميري هناك نزيلا وشاهدا وأي شاهد !. استنفر خضير فورا طاقته الفلسفية والفكرية والإبداعية ليرد على الجنون الأسود بمزيد من العقل المعبأ بالغضب . يقول الكاتب في مقدمة كتابه وهي  أشبة بالبيان الشعري : هناك نوعان من الجنون ، جنون ابيض وجنون اسود ، الجنون الأبيض هو ذلك الجنون البريء الذي يصيب إلأنسان لأسباب مختلفة فيجعله فاقدا للحيلة , كائن غادر عالم العقل المفخخ إلى عالم لا يعمل فيه العقل ، ليس فيه خطط أو قيود . وجنون اسود هو الجنون العدواني الذي تمثله في مثالنا الإمبريالية العالمية وتجار الحروب ومخططيها الذين تخصصوا في ابادة الحياة وهذا يماثل جنون مكبث الذي هيمن عليه طموحة المريض فزين له قتل ( النعاس البريء) ظيفه الملك دانكن ثم كرّت مسبحة القتل فاحرق مكبث الأخضر واليابس حتى  اقرب اصدقاءة الذين أحبوه . بعد هذا التحديد العام راح الكاتب يفصّل التقاطاته عبر صور خلابة عن الوضع البشري داخل المستشفى الذي بدا من خلال فصول العمل خاليا من المرتكزات المكانية وفاقدا للتحصين الضروري لتعزيز هويته كمستشفى يعنى بحالات مرضية خاصة . لقد بدا المستشفى نفسه كمؤسسة ،مجنونا هو الآخر من خلال حالات العجز شبة المطلق عن حماية ساكنية بله الاحتفاض بهم بين جدرانه وحتى عجزة بسبب الحصار والحروب عن تقديم الرعاية الطبية المعروفة لهم فاندفع هؤلاء نحو شوارع المدينة لا يعرفون ماذا يفعلون وربما استمتعوا بشئء من الحرية بعيدا عن قيود إدارة المستشفى وبعيدا عن الخطر الذي جاء مع طائرات العدوان . الظروف التي عاشها المستشفى كانت ظروفا عبثية لان انحدارها كان مضاعفا قياسا بالانحدار الذي أصاب المدينة . لكن الكاتب استطاع الإمساك بتوازن الوضع البشري بتحديد حركته الفنية عبر ثلاثة بؤر درامية هي المرضى أنفسهم وحالاتهم المختلفة وإدارة المستشفى وهو شخصيا فصار يتنقل بالتنوعات الحياتية والمرضية داخل أروقة المستشفى .
إن خضير ميري في كتابة ( أيام الجنون والعسل) بدا شديد الاتزان نافد الرؤية قادرا بشكل أخاذ على التحكم بخيوط اللعبة الفنية والاطلاقات الفكرية . فهو يعي تماما إن رسالته هي ذات طابع كوني تنطلق من منطقة منسية. لكني اشك في أن هذا العقل المستقر لم يتعرض إلى شيء من الجنون . فكيف تمكن الكاتب من العيش طيلة ست سنوات بين هذه الجثث المتحركة المأزومة دون أن يتوفر له مزاج شبيه أو قريبا من مزاج المجانين وهو العارف بطبيعة الحصار الإجرامي الذي تعرض له العقل في خارج المصح الذي اندمج في أجواءه . فهل نحن أمام هاملت عراقي استمرا لعبة الجنون لكي يعرف من قتل العقل ثم مارس الجنون هو الآخر؟ لكن هاملت ميري لم يخيب ظن جمهوره فخرج مدججا بحصيلة معرفية نادرة ليوضفها في رسالة للكشف عن حقائق الحياة بعد إن تيقن من هوية القاتل وأزمة الضحية . خطاب أشبة بلعنة راكمت سعيرها القرون يرميها بوجة القتلة الإمبرياليين .
يمكن أن يصنف العمل على أدب المذكرات رغم انه انزاح إلى السرد الروائي بل استخدم لغة خلابة أشبه بلغة الملاحم . وهذا موضوع  ينبغي التفرغ له فالأحداث ومجرياتها والطابع اليقيني فيها قد تشكل بيئة واقعية لخلق ملحمة تتصاعد فيها المعاني فتؤسس تفرعات ملحمية مشحونة بالمضامين المعاصرة .عمد الكاتب إلى تقسيم العمل إلى ثلاثة أجزاء أولها المتن الرئيسي( احد عشرة فصلا) وثانيها شهادة من الدكتور باهر سامي وثالثها حكايات من الشماعية.كنت أتمنى إدخال الحكايات ضمن المتن الرئيسي لتعطي حركة روائية مضافة وتجعل فصوله ضاجة بالضوضاء التي عادة ما ترتبط بحالة الجنون ، لكنها ضوضاء مشروعة فنيا . أخيرا نقول إذا كان الجنون يعطي هذا القدر الهائل من الحكمة التي ضمها هذا العمل فمرحبا بالجنون وتحية لهاملت العراقي .

شاهد أيضاً

د . محمد حسين عبد الرحيم السماعنة: التمرد والرفض عند عرار في حياته وشعره

الملخص يهدف هذا البحث إلى توضيح موقف الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل (عرار) من الحياة …

عباس خلف علي: كونتيجين (1) بين النبوءة وقِراءة الواقع

ما كدت أنوي الحديث عن هذا الموضوع لولا العديد من التعليقات التي أثارها – كونتيجين …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (10) (ملف/43)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *