حسين سرمك حسن: سلام ابراهيم في “إرسي” خراب العراق (3)

# الإنتقالات بين الأصوات الساردة :
———————————–
لقدى برع الروائي في الإنتقالات بين الاصوات الساردة، فكان يتحدث عن بطله متنقلا بين ضميري المتكلم والغائب في حركات محكمة ومبررة سرديا من الناحية الفنية والنفسية. ففي المواضع التي لا يمكن أن يستكشف أعماق البطل الدفينة وانفعالاته وأفكاره الخاصة إلا هو نفسه يتسيّد السرد بضمير المتكلم ، ولكن حين تبدأ عين الكاميرا السردية برصد حركة البطل من “الخارج” يتسيّد الخطاب ضمير الغائب – ولا أعلم كيف يُسمّى غائبا وهو حاضر أمام عينيك ؟! – . إن اللعب على أوتار الضمائر الساردة ينبغي أن يكون مدروسا ومخططا له وبقصدية واضحة، لا أن يكون لعبا سرديا مجردا كما حصل لدى روائيين معروفين، فصارت هذه التقنية عبءا على النص لا امتيازا ومصدر إثراء وغنى. في موقف ملتهب وممزق يناجي سلام ذاته في حوار داخلي يعاتب فيه عمته الوحيدة مثله لابتعادها عنه وعدم تحدثها معه :
( تأخذني التباريح والوجد إلى حافة النحيب :
-لماذا يا عمّة؟ أنت مثلي قانطة وحيدة في هذه المساءات الحزينة. لماذا لا نطرد وحشتنا ولو إلى حين بحديث ما، أي حديث يخلصنا من فداحة الصمت والرعب . نادني يا عمّة. نادي ولو مرة واحدة ودعيني أنزل إلى جوارك. حدّثيني عنك، عن أبي، عن حزنك الدامي، عن ابنك الغائب … – ص 44) .
وبعد هذا النشيج الذاتي الذي يكشف حاجاته الذاتية للتواصل هربا من الوحشة الخانقة ، ينتقل الروائي باقتدار إلى تصوير حالة بطله في ضجعته في جوف ظلمة الإرسي :
(تشحب الاضواء، تهمد الكائنات الدقيقة وأرواح الظلال. يستلقي على الفراش . يتمدد في الحلكة عائدا إلى لعبة الإنصات وتخمين مواقع سقوط فتات الجص والآجر. سيفرزه الليل نحو بوابة كوابيسه. وأرق سهره القادم من أصوات بواطنه المبهمة. سيوتره صوت محرك سيارة يخفت، صفقة باب، خطى أقدام… – ص 45)
# وهذا المشهد الروائي الباهر :
——————————-
في دراسة نقدية عن رواية الأحمر والأسود لستندال قال الناقد الفرنسي “روجيه نيميه” وهو يتحدث عن إحدى صور ستندال الفنية التي حفلت بها الرواية الشهيرة والتي ملكت عليه لبه : (هنا .. يجب على المخرج أن يضرب رأس الممثل بقطعة من الديكور ).
وفي بعض الروايات مشاهد فذة تعلق بذاكرة القارىء إلى الأبد. هي مشاهد متخمة بالدلالات الإنسانية المصوغة فنيّا بصورة لا يمكن نسيانها أو مقارنتها بغيرها من المشاهد. إنها لحظات فنية تتجاوز الواقع وتخرقه . هنا تبدأ الحياة بمحاكاة الفن لا العكس. من تلك المشاهد وقفة مدام بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة وهي تحاول الإنتحار ثم تشاهد المغني الأعمى فيصعد إليها الرصيف وتحجم .. ومنها المشهد الذي ينحصر فيه بطل رواية كل شيء هادىء في الميدان الغربي لريمارك مع الجندي العدو الذي يلفظ أنفاسه .. ومنها مشهد أحد شخوص أحلام مستغانمي في روايتها عابر سرير وهو يرتعد أمام محاولة المتطرفين تحطيم الباب لقتله .. ومنها محاولة منيرة بطلة رواية فؤاد التكرلي “الرجع البعيد” الإنتحار ومنعها من قبل شقيق زوجها وحديثها الباكي الساحق حزنا ونقمة على الحياة وظلم الناس . وفي رواية سلام إبراهيم هذه، هناك مشهد لا نعرف بأية قطعة من الديكور نضرب رأس الممثل بها . إنها قطعة فنية ستكون من كلاسيكيات السرد العراقي. فقد اتفقت العمة معه على أن لا يخبر زوجته بمكان اختفائه في الإرسي. هكذا تمر سنوات لا يرى فيها زوجته وطفله الوحيد. وفي وحشة العزلة وظلمتها يناجي زوجته الحبيبة في مونولوج جارح عن حزنه وافتقاده لها ولأصدقائه وصخب الحياة اليومية :
(صرتُ مثل روح يا حبيبتي؛ روح غير مرئية غادرت الجسد الفاني، روح هائمة، تدور في العتمات والأمكنة، روح تتحاشى التجسّد للأحياء كي لا تثير فزعهم.. تتأملهم من الزوايا والأركان المنسية .. – ص 52 و53).
ووسط هذه التداعيات يسمع صوت زوجته آتيا إليه من الشارع .. تصوّروا ردة فعله وهو يراها حاملة ابنه في الشارع من فتحة الإرسي الصغيرة .. لا هي تدري به .. ولا هو يستطيع مخاطبتها .. ولا يفصل بينهما سوى مسافة بقدر سُمك زجاجة الشباك :
(.. وبغتة اخترقني صوتك. اضطربتُ. توترتُ. تشنجتْ أصابعي الممسكة بإطار الشباك الخشبي. أمد بصري .. أدوّره.. من أين يأتي؟ من الشارع أم من أوهام ذاكرتي؟! أتكونين خلف النافذة؟ .. و.. و.. أسمع نبرتك الفريدة، واضحة قريبة هذه المرة.. وأنت تنادين وتمازحين بنتا جميلة تقف ضاحكة بمواجهة موضعي. أطفر إلى الجهة الأخرى. أرمي بصري من الزاوية المقابلة. لا أرى شيئا. ثمة غشاوة انسدلت على عينيّ، مضافة إلى غشاوة الأتربة المتراكمة على مشبك السيم الصديء. أصبح من العسير تحديد ملامح الوجوه في ضوء الغروب . أفرك عيني متخلصا من الغشاوة البيضاء. أعاود الحملقة . أقتحمني صوتك هذه المرة قويا.. قريبا، مباشرة خلف النافذة. أشب على أصابع قدمي. أميل مجازفا بالاقتراب من زجاج النافذة. باغتتني قسماتك دانية، لا يفصل بيننا سوى سُمك الزجاج. بخطوك المتأني ووجهك الباسم تدخلين مسافة نافذتي، يباغتني وجه ابننا المدور الجميل، يحدق نحوي ضاحكا وكأنه يراني. أشبّ. أتلظى بناري وأنت تستكملين احتلال فضاء النافذة. تستديرين بقامتك الرامحة نحو البنت الواقفة على عتبة بيت مقابل تبادلينها الكلام.. استديري نحوي يا حلوتي .. أريد أن أراك من هذه المسافة. أريد التحقق من ملامحك التي ضببتها الأحلام والأخيلة والرغائب والذاكرة. أردتك أن تلفتي كما صغيرنا مرة واحدة. ها أنت تشرعين بالخروج من فضاء نافذتي، ودون وعي وجدتني أضرب عارضة النافذة بقبضة مضمومة مما جعلك تجفلين متلفتة صوب عتمة الشباك ، ناظرة بعينين فزعتين.. أتشرب ملامحك المضببة بأغبرة المشبك، والزجاج المغبش بأنفاسي المتلاحقة… تبتعدين. ألاحقك. ستمرين أمام باب البيت. أركض مثل مجنون نحو المدخل. ألصق عيني بثقب المفتاح. يجيء حفيف العباءة أولا .. و.. تقتحمني رائحتك العذبة الظالمة المُعذبة… أستجمع وشل شجاعتي الغاربة كي أستطيع سحب درفة الباب.. يملؤني خيال عناقك.. ضم جسد ابننا .. سأشبع بكاء.. سأبلل رقبتك التلعاء.. سأ .. سأ .. سس .. سس.. أزحزح كفي القابضة أكرة الباب باغيا سحبها .. تعصى متمنعة والسواد يشغل سماء الثقب، ويغيب. تنحل أصابعي وتموت فوق الأكرة ، وجسدك المحتشد النابض يتلاشى في شحوب المساء.
فأسقط متكوما على بلاط المدخل حاضنا الستارة القديمة . أنتحب نحيب مذبوح، وأحدق عبر غلالة الدمع الفائر المنسكب بالمساء الذي احتل الباحة المهجورة بلون ظلامه الشفيف – ص 53-55).
# الفن ليس للفن فقط .. الروائي يؤرخ :
—————————————-  
.. وعندما أقول أن الفن ليس للفن فقط – وهذه الأطروحة بدأت مع صيحة “شارل فلوبير” : “مدام بوفاري هي أنا” ، التي أطلقها في قاعة المحكمة، عندما حوكم عن روايته “مدام بوفاري” فصارت شعارا أوغلت الفلسفة الغربية المادية في توظيفه بصورة مؤذية خصوصا على أيدي الأخوين بارت ودريدا – عندما أقول ذلك ، فلكي نحفظ للعقل البشري مهابته وتماسكه ، فأي فن للفن هذا الذي لا يقف – وطويلا ، وبفجاعة – على القدم الأخرى المفقودة للمقاتل الممزق بفعل القذيفة المعادية ؟ – هل ستحسب أمّه أشلاءه ؟ هل ستطلق نداءها التاريخي مثل العمة المفجوعة باغتيال زوجها وهي تقص ظفيرتها الذهبية وتضعها على جسده في التابوت :
-ليش .. ربّي .. ليش ؟
ومن هذا المنطلق الذي يرى أن الفن هو ابن الحياة ، ثم يتحول بالخلاقية الفريدة إلى أبٍ لها ، أجد أن لا خلل كبيرا في إشارته الصارخة إلى الأسماء والتواريخ والحوادث.. وأود التأكيد على حقيقة أن التأريخ الحقيقي يُكتب بمداد الرواية ، وبمداد أرواح المبدعين ، وليس بأقلام السياسيين عليهم لعنة الله . المبدعون هم الذين فضحوا الطغاة وسفالة الحروب وعذابات الأمهات . يثير سلام الكثير من الإشكالات : هل يُسمى رفيقه المقطّع صاحب القدم المفقودة شهيداً أم لا ؟ تلخّص أم ألمانية بسيطة جدا خلاصة النقاش السخيف والمدوّخ الذي دار بعد سقوط هتلر ، وهل الحرب عادلة أم غير عادلة ، بالقول : ” كل حرب ٍ يُقتل فيها ابني هي حرب عادلة ” . الرواية الآن تُجرّد من قضايا الإنسان المركزية وفي مقدمتها النضال ضد القهر . هي – مع الشعر – “ديوان العرب” الذي ينبغي أن يحافظ أولا على ذاكرة متداوليه . حسب ميلان كونديرا فإن “صراع الفرد ضد السلطة، هو صراع الذاكرة ضد النسيان”..
وعليه ، وحينما يشير سلام الروائي ملتحما بسلام الشخصية إلى مناضل زاهد هو “ثابت حبيب العاني” الذي تتلمذ على كتاباته ، بالقول “من شخصيات اليسار المعروفة وكان صاحب امتياز صحيفة “طريق الشعب” العلنية في السبعينيات.. هذا المناضل أصيب- وهو أصلا مريض بالقلب- بالسلاح الكيمياوي.. فإن هذا توثيق وتأصيل وحفاظ على الذاكرة الممزقة.. الآن يطلع علينا “مناضلون” بيّاعو عتيق سياسي .. ويخدعون الناس لأن لا أحد  يفضحهم . بعد الإحتلال بأشهر خرج على شاشة التلفاز شاعر معروف قال أمام الملايين كنت أكسر رجلي وأجبسها كي لا أقرأ أمام الطاغية !!وكل العراقيين شاهدوه واقفا في القصر الجمهوري يمدح صدام حسين ويستلم المقسوم ..
# في مديح العمّة الجميلة :
——————————
كانت المرة الأولى التي يواجه فيها سلام الموت كأخّاذ ارواح لا يرحم هو يوم مات زوج عمته؛ تاجر الحبوب والنشط في الحزب الوطني الديمقراطي العراقي قُتل برصاص الحرس القومي صبيحة الثامن من شباط 1963، وهو في طريقه إلى محلّه (ص 32) .
من المعروف علميا أن الطفل يدرك الموت “مادّيا” بعد السادسة من عمره، فهو يشخصنه ويعده قوة مادية أو بشرية خاطفة. لكن طقس العمة في الأسى على زوجها كان مؤثرا جدا في نفسه.. فقد مزّقت ثوبها .. وقصت ظفيرتها ووضعتها في التابوت .. ومن تلك اللحظة ستتعزز في شخصيته السمة التبصّصية (التي بذرت بذورها الأولى الغرفة المشتركة .. ثم اختبائه بين أغراض محل أبيه النجار ) .. ففي وسط العويل والصراخ والنواح المدوّي ، أتيحت له فرصة لـ “رؤية” العمة (وهي شبه عارية تغرز أظفارها الحادة بالنهدين البيضاوين الصلبين – ص 31).
لقد فقدت العمّة ابنها الوحيد الطالب في كلية التربية الرياضية في ظروف غامضة عام 1978، وقد جال مع العمة طويلا وبعناء مرهق بحثا عن أي أثر له، ولكن بلا جدوى .. لكنه سمع من بعض الطلبة “أنهم” خطفوه من باب الكلّية (ص 35).
بعدها تزوجت ابنتها الوحيدة لتبقى وحيدة صابرة في بيتها (قاومت بصمت حصار أخوتها الاربعة المرعوبين من فكرة ترمّلها وهي بنت التاسعة عشر- ص 33) . لقد قاومت سيل الخاطبين بضراوة، وسخرت وجودها لأبنائها ولإكمال دراستها ، فاندفنت بين هذه الجدران . الصمت ذاك الصمت القديم. أدمنته في وحدتها الطويلة.
إن اللاشعور ماكر ومسموم الدوافع ، فهو يتلمظ ويتمطق وهو يحشّد رغباته التي تتحرك متدرعة بأستار الوصف السردي المحايد والدقة الوصفية. هذا ما يمكن أن نسمّيه “مصائد اللاشعور الماكرة” حيث تُمرّر الحفزات المحارمية تحت الأغطية السردية المعقلنة والباهرة. هل كان هروبه من الخدمة العسكرية ، وتركه كل ما يفرضه إيمانه العقائدي، ولجوءه إلى “الإرسي” الخانق الصامت هو مداورة شديدة الخطورة والتعقيد صمّمها لاشعوره الماكر بغرائزه التي لا تعرف التأجيل، ولا تقر بمانع أو رادع، وتقفز فوق حواجز الزمان والمكان، وذلك لغرض العودة إلى الحضن المحارمي الأصل وهو العمة الجميلة كما يصفها في عنوان أحد اقسام حكايته ، كبديل عن موضوع الحب الأول والأخير : الأم ؟ :
(-عمّه .. روح من غير مطرود.. أمّك تنتظرك على نار ..
يرن في أنحائه صدى كلماتها القديمة ، الفائحة محنة وسلاماً، يشمّ في خلوته الموحشة عبقها القديم المُسكر، وهي تعتنقه في المدخل فبل أن يخطو عابرا العتبة إلى ضجيج الغروب . سريرها مرتّب فارغ. أي لوعة فركت روحها طول أكثر من عشرين عاما، وهي تستعيد حرارة جسد الرجل الذي مرّ مثل طيف؟ لايزال يتذكر عريها القديم، نضارة وسطوع بشرتها البيضاء، رقصها المذبوح في إيقاعه الشرس. كم تلظّت تلك التضاريس الرشيقة في أتون الشهوات التي تموت بحدود السرير البارد ؟ وأي ليال مضنية تقلّب فيها الجسد الناعم على جمر الرغبات المكبوتة ؟ – ص 33 و34).
لقد كان يستعيد أيضا معاناته ولواعجه المسننة التي تمزق روحه بفعل افتقاده سخونة ونبض شريكته الحميم .. حتى أنه غامر في ليلة متسللا إلى بيت أهلها القريب حيث تقيم منذ التحاقه بثوار الجبل ، لكنه لم يجرأ على قع الباب ، بسبب ادعائها كونه مفقودا في الجبهة (ص 34).
# المرأة العراقية .. إلهة الإنتظار :
———————————
لا يمكننا أن نؤول الحضور الأنثوي الباذخ في رواية سلام ابراهيم هذه بأنه تعبير مجرّد لحضور المرأة بالمنظور الفلسفي المادي الغربي المميت الذي “فكّك” حتى وجود الأنثى من خلال حركة “النسوية – feminism ” التي صنعت من التنوع الطبيعي (الذكورة والأنوثة) معسكرين متقابلين رهيبين هما الرجل والمرأة وليس كيانين متكاملين كما هو حال خلقهما .. تريد “التسوية” وليس “المساواة”.. جعلت حتى اللغة منجزا أنثويا وكأنك حين تقول هناك سرقة تفكر بمفردة “سرقة” كمفردة أنثوية (بتحوير عن عبد الوهاب المسيري في كتابه الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان). ولا نستطيع إعلان موته كمؤلف عراقي وفق المنهج البنيوي الذي تراجع عنه حتى صانعه “رولاند بارت” ومازال النقاد العرب البنيويون، الذين يعيشون على سلة مهملات النقد الغربي، يتمسكون به ، ولا فصل نص سلام عن بيئته الاجتماعية وخلعه من حضنه المحلي حسب أطروحات نظرية الفن للفن. إن النسوة اللائي يتحدث عنهن هنّ نسوة عراقيات حصرا .. مؤلفهن لا يموت ابدا. مؤلفهن سلام إبراهيم بشحم عذابه ودم حزنه الأسطوري الذي لا يفنى ولا يزوّر .. هذه رواية سلام ابراهيم .. وذينك أمّه وعمّته وزوجته / حبيبته، عراقيات حدّ اللعنة .. إلهات ألفن وأجدن فن الإنتظار منذ فجر التاريخ .. واختصاصيات موديلات الثياب السود حتى نهاية تاريخنا الكالحة .. زاهدات بالجنس الحرام.. ومتفرغات لأبنائهن البيولوجيين مثل “كفاح” ، و لأبنائهن – وهذه مصيبة – “المعنويين” ممثلين بأزواجهن . كان سلام “طفل” زوجته وابنها . العراقية هي إلهة الإنتظار بلا منازع تسلّمت رايته من أمها عشتار التي ابيضت عيناها ترقبا وهي تترقب عودة دموزي المقطّع. يتحدث سلام عن عمته كإلهة من إلهات الإنتظار :
(عقب المناحة [= مقتل زوجها] في بئر القبة الزجاجية، وعريها الصارخ وسط حشد الباحة، احتشمت. عادت تخفي شعرها بشال أبيض، وتلبس اثواب تصل حد الكاحل، وتكثر من زيارة مراقد الأئمة في النجف وكربلاء .. ظلت تجلس في ذلك الوضع نفسه، جوار عتبة غرفة نومها، تنتظر ابنها الذي سافر إلى بغداد ذات جمعة ولم يعد.. أدمنت الحملقة الشاردة بالمدخل، وصمتها القديم ذاك اختلط بلوعة أمرّ من الأولى. عيناها معلّقتان بأذيال ستارة الباب الخارجي. تتوقع دخوله كل مساء. وبالرغم من أنهم بعثوا بطلبها ، ليخبروها بقتله ودفنه سرّاً، لم تكف عن الإنتظار المفتوح – ص 35 و36 ).
وفي السنة الخامسة لانتظارها المعجز والمديد الذي لا يقوى عليه حتى الله.. جاءها متسللا سرّا إلى بيتها .. يلوب في وجدانه “المخبأ” المقدس .. الرحم الأمومي الحامي المبارك. فـ (انتفضت من سكونها قائمة، أخذته إلى صدرها، فشمّ عطرها القديم المُسكر، المعطّر سني طفولته الصعبة  – ص 36).      
   # لعنات التاريخ الشخصي:
—————————–
يتعاون التاريخ الشخصي بتجاربه المحبطة والصادمة التي تنغرز في أعماق لاشعورنا لتشكل اللعنات السرّية التي سوف تقوم بوظيفتين خطيرتين : الأولى أنها لا تندمل وتبقى ندبتها فائقة الحساسية للضغوط والإكراهات والإنخذالات اللاحقة ، فتربك حياة الفرد الراهنة . والثانية هي أنها تعمل كمهماز ينخز (أكو هيجي فعل) مكبوتات الطفولة والمراحل المبكرة من حياة الفرد؛ يوقظ غيلانها التي كانت غافية جزئيا تحت قبضة الكبت لسنوات طويلة ، فتتظافر الوظيفتان ويتضاعف فعلهما المربك. كان سلام “أخو بنات” .. ولد بين سبع أخوات ينام وسطهن، ويكتوي بحرارة أجسامهن اللدنة.. وفي هذا إذكاء لظلال الأنوثة الموجودة أصلا في بنية الشخصية البشرية..
وفي المرحلة الراشدة تأتي التجارب المريرة التي تعرض لها في ظل الطغيان فتثير مشاعر العجز والحياء والإنخذال المطمورة في تربة الشخصية العميقة. من تلك التجارب الحادثة الجسيمة التي علقت أطرافها العنكبوتية بذهنه وروحه.. ها هو يستعيدها في مخبأه وهو يمسك بالمسدس ويفكر في ردّ فعله في مشهد إلقاء القبض عليه ، يسائل نفسه “هل يجرؤ على تصويب الفوهة الحالكة إلى القلب أو الصدغ ؟ هل يجرؤ على الضغط ؟ هل لديه الشجاعة الكافية للإقدام على استقبال الطلقة المخلّصة ؟ (ص 37).
وهذه التساؤلات تنقله فورا إلى موضوعة أشد خطورة في تذبذباته السلوكية المحيّرة ، فهو مشوّش لا يستطيع تحديد مقياسا للشجاعة والجبن يمكن على اساسه أن يقيّم أفعاله . فهو يجد نفسه في بعض المواضع شديد الجبن ، وفي أخرى شجاعاً حدّ التهوّر!! علينا أن ندرك أولا أن الخوف غريزة متاصلة في نفس الإنسان ، أما الشجاعة فسمة مُكتسبة تستحصل وتُعزز وتنمو بالتدريب. الإنسان يولد خائفا رعديدا ثم “يتعلم” كيف يواجه المخاطر عبر سني حياته خصوصا المبكر منها. والمخيف الأكبر في حياة أي طفل هو الأب. وقد قيل كثيرا بأن الشجاعة هي الخوف المقهور وأن الرفاه يقتل الشجاعة. ولحظات جبن سلام هي اللحظات “الحقيقية” المتبقية من طفولته المعذّبة. أما الشجاعة المتهوّرة فما هي إلا “تشكيل عكسي – reaction formation ” وهي الآلية النفسية الدفاعية التي يُظهر فيها الفرد أفعالا وخصائص معاكسة لما يُضمر. إنها ( اتجاه ، أو تصرّف ، يتبناه فرد ارتكاسا على رغبة مكبوتة . والتكوين الإرتكاسي ، الناجم عن نزاع بين الحس الأخلاقي وميل غير مقبول ، توظيف مضاد لميل لاشعوري ، يهدف إلى أن يوازن توظيف عنصر لاشعوري ذي اتجاه معاكس . ومثال ذلك أن الحياء المغالي يعارض ميولا إلى الإستعراء ، والنظافة الموسوسة تتكوّن ارتكاسا على انجذاب قويّ للوساخة ومواد البراز ، والشفقة تعارض وتحبط ميولاً سادية . ولعديد من سمات الطبع هذا الأصل . وليس التكوين الارتكاسي مع ذلك ، بوصفه آلية دفاع للأنا ذات أهمية في العصاب الوسواسي ، نوعيا لهذا العصاب وهو موجود في الهستيريا على وجه الخصوص ) ( 6) .. وسلام يستعيد الآن (أشد لحظات جبنه وقعا على نفسه، تلك التي وقعت له في نضجه. يتذكر كيف صفّتهم الشرطة العسكرية في مساء مظلم وسط ساحة صغيرة محاطة بعربات قطار قديمة، أعدت كسجن مؤقت للجنود الهاربين والمخالفين. كانوا قد قبضوا عليه لتأخره عن موعد التحاقه بوحدته.كان يحاول الوقوف في الصف الثاني الأشد عتمة من الصف الأول .. إنضغط بين الأجساد المسرعة تحت ضربات هراوات الشرطة البلاستيكية المعبّأة بالحصى، مما حعله يتذمر بصوت مسموع قائلا :
-شني القضيّة ؟
قامت القيامة . وران صمت حجري على الهاربين المذعورين ، وعريف الشرطة العسكرية يطلب من القائل التقدّم خارج الصف :
-إذا كان ابن أمّه وأبيه ، فليخرج – ص 38)
هنا التفت إليه الجندي الذي أمامه وكأنه يطلب منه أن يخرج لإنقاذ الكل من عقاب جماعي كان يتوعد به العريف. إنه اختبار حاسم ليس للشجاعة فقط .. بل للمسؤولية عن الكلمة المحتجة التي أطلقها دفاعا عن كرامته. ومن المؤكد أن القيم التي من أجلها انتمى إلى حزبه دفاعا عن الكادحين قد اختضّت وانهارت بأكملها. فمن لا يستطيع مواجهة عريف في الشرطة العسكرية لن يستطيع تحقيق الأحلام الجمعية المنتظرة وإسقاط الطاغوت.. كان يختض حابسا أنفاسه، متخيّلا الضرب المبرح الذي سينهال عليه في حالة خروجه.. لولا الظلام لفضحه ارتجاف جسده (حركة المسجون الذي التفت جلبت إليه العيون، مما جعلهم يسحبونه إلى وسطهم، وينهالون عليه ضربا بالهراوات ، وركلا بالأقدام وهو يقسم بأنه لم يقل شيئا. وكان قويّا وشجاعا إذ لم يش به، ولم تصدر عنه صرخة ألم رغم قسوة الرفس والضرب الذي جعله يتكور تحتهم واضعا يديه حول رأسه المضموم إلى حضنه. كان يتمزق من هول الضربات التي من المفترض أن تكون حصته.. من مبلغ جبنه الذي يكتشف فداحته تلك اللحظة .. من شعور بالخزي والعار لن يفارقه كل العمر ، والجندي المدمى يعود إلى الصف، بعد أن كلّت ايديهم وألسنتهم من بذيء الكلام والضرب.. يقترب منه ويهمس في أذنه :
-بشرفي أنت ناقص..
في الظلام الدامس ، في لحمة الأجساد المكدّسة في ضيق العربة، في بردها الصقيعي غط بنضحه، بعاره، و “أنت ناقص” ستبقى ترن في نفسه كل العمر، مصحوبة بسؤال :
-هل أنا جبان إلى هذا الحد ؟ – ص 39) .
لقد أُشهر انخصاؤه علنا، بعد أن كان مستترا في طيّات اللاشعور. صارت مشاعر الخزي والعار تلتهم رجولته وشهوره بالكفاية حتى وهو في فراش الزوجية . أصبح يشعر بأنه ليس أهلا حتى للأبوة! :
(سيحتقر نفسه . سيخجل وهو في الذروة بفراش الزوجية. سيقضي ليالي الإجازة الشهرية في السكر والنحيب. سيخفي جرح كرامته عميقا . فلمن يبوح بهذا السرّ؟ وماذا يقول ؟ سوف يجد نفسه ليس جديرا بحبها المجنون، غير جدير بأبوته. سيختلف إيقاع علاقته بالآخرين . سيصبح وجلا، غير واثق من كلامه، سيطيل من الإنفراد بنفسه. سيقلب الأمر طويلا وعميقا باحثا عن سرّ هذا الجبن وجذوره – ص 41).
لكن هل تكفي تجربة واحدة على إهارة بناء شخصية الإنسان ؟ هل تكفي حادثة مفردة – مهما كانت مرارتها – على تحطيم الفرد بتعقيداته النفسية وقدرته على التكيّف والتبرير ؟
نعم ، إنها “الحوادث الفاصلة” في حياة الشخص التي تستثير ما مدفون في أعماق اللاشعور من إحاسيس بالعجز والانخصاء، وتعيده إلى موضع العجز الطفلي أمام السلطة الأبوية الغاشمة والساحقة. وعلينا هنا أن نضع في الحساب النفسي المعنى “الرمزي” للحادثة الفاصلة. تكفي “كلمة” واحدة لتدمير الإنسان ومسخ شخصيته. في قصة قصيرة عظيمة ليوسف إدريس – أعتقد أنها آخر ما كتبه – صوّر شخصا شجاعا من الفتوات يخرج ليلا ماشيا بمفرده ، فتباغته مجموعة ملثمة تقوده إلى حفرة وتطلب منه أن يقول : أنا مرة (امرأة) فقط!! لكي لا يقتلوه. فيجد هذا الفتوة أن الوقت ليل وظلام ولا أحد يسمعه .. وهي مجرد كلمة يخافظ بها على حياته فيقول : أنا امرأة، ويعود إلى مكمنه يسامره واحد من حمايته وندمائه. وشيئا فشيئا يشعر بتحول جسمه إلى جسم امرأة .. ويطلب من نديمه أن .. يا لعظمة الإبداع حين يقدم ما تعجز عن تصويره أعظم نظريات علم النفس. ومثل حال هذا الفتوة في الواقع، حال طوابير من المناضلين من تيارات مختلفة، ممن قدموا “براءات” .. فهي مجرد كلماتبسيطة ، لكنخا تقوّض كل كيانهم بعد ذلك. وبالنسبة لسلام ، فقد تراكمت تجارب العذاب المثيرة لمشاعر العجز والإنخصاء في مسيرة حياته. فقد واجه الرعب الكاسح والتعذيب الدموي في زنزانة ضيقة .. لمس بروحه وجسده، وبعمق، الكيفية التي يصبح فيها الإنسان وحشاً من خلال الكتلة البشرية مسلوخة الجلد في حملقتها الخاوية ، والكتلة الأخرى تلتفت نحوه [= نحو سلام] مستنجدة صارخة :
-يا بوية .. تخبّل أخوي .. تخبّل ( ص 40)
(لم ينس ذلك المشهد المصحوب بصراخ رعب قادم من الأنفاق البعيدة وزنازين البواطن الغامضة. فظل يرتعد كلما خطر في خياله المشهد ذاك. ظل يرتعد ويشحب كلما أقبل نحوه شرطي سري يعرفه في السوق، في المقهى، في الشارع، في مكان عمله… حرز كل ذلك الرعب في أعماقه الدفينة. وصار وجوده منذ إطلاق سراحه في مساء صيفي من مساءات بغداد مجرد ذات تقاوم رعبها المكين. ذات تحاول العودة إلى سويتها الإنسانية. لكن يبدو أن الفزع استحال إلى جبن ، وإلا كيف يفسر صمته، وهم يضربون إنسانا بريئا بسببه، ويظل ساكتاً ؟
-ناقص .. ناقص .. على قد كياني – ص 40 و41).
ولأن الإنسان يتمتع بـ “مقاومة” نفسية عاتية لكل ما يخدش اعتباره الذاتي، ويثبت قابليته على الإنجراح والهشاشة ، فإن الفرد الذي يواجه التجارب الفاصلة يضيع دائما في دوّامة التساؤلا التي تلتف على عقله وبصيرته لتشكل غشاوة محكمة تمنعه من التشخيص الدقيق لأسباب معاناته، ووضع إصبعه على دمّلة الذات الملتهبة اللائبة في الأعماق:
(… هل هروبي من الجيش جبنٌ من الموت أو موقف أحاول به تقويم إرادتي المكسورة، وللتخلّص من خزي موقف جبني ذاك؟
هل تسللي من الجبل جبنا من مشاق الحياة هنالك أم شجاعة؟
هل كل ما يجري ما هو إلا محاولة لملء خواء النفس، والتطهر من رجس مشاعر الإثم؟
هل سأجرؤ ولا اصاب بالجبن، وأضغط عند المواجهة على الزناد؟
هل كل ما أقوم به هو مجرد اختبار إرادة ؟ – ص 43).
# السمة التبصصية : اللاشعور يضرب عدة عصافير بحجر واحد :
—————————————————————–
تبدو السمة التبصصية من السمات الثابتة في شخصية وسلوك سلام، خصوصا الجنسي منها. وهي سمة راسخة تأصلت في بنيته الشخصية منذ الطفولة . صارت طقسا لازما للتوتر الموصل للإشباع . ومن عادة اللاشعور الماكر أن لا يصيب عصفورين بحجر واحد ، بل عدة عصافير نفسية. وقد أمسكنا ببعض هذه العصافير الجريحة في سياق التحليل، ويبقى عصفور مميز يتمثل في الإشباع التبصصي المحارمي. ومن المؤكد أن المتلقي العراقي ، وحاله في ذلك حال المتلقي العربي الذي “يستحرم” من أطروحات التحليل النفسي عموما ، واكتشافات معلم فيينا خصوصا – وبالمناسبة فهذه “المقاومة” موجودة حتى في الغرب المتنوّر !! مادامت تلك الأطروحات تمس الجانب المخفي “الردىء” من شخصياتنا – سيرفض استنتاجاتي هنا ، فأنا أرى أن من بين العوامل الحاكمة في اتخاذ قراراتنا الخطيرة التي تقلب حياتنا ، هي تلك الرغبات “الصغيرة” و “المنسية” التي تظل تلوب في أعماقنا وتتضخم برعب مع مرور السنوات والعقود .. والتي يسوقها الإندفاع المحارمي التبصصي .. كل ذلك كان جزءا من الفواعل التي ساقت سلام لاتخاذ قراره بالهروب من الجيش واللوذ في علية الإرسي ، بالرغم من عدم معقوليته السطحية. لقد وفّرت له عزلة الإرسي فرصة هائلة للتبصص على الممارسات الجنسية بين ابنة عمّته – بديلة العمّة – وزوجها – مسؤؤول حزبي ومدير ناحية – اللذين يزوران العمة مرتين شهريا قادمين من ناحية بعيدة في محافظة ديالى . وهنا يشتعل قلقه خوفا من الإنكشاف .. فتتوتر حواسه وتهيج رغبته الحارقة وهو يتبصص على تفاصيل الفعل الجنسي بين ابنة عمّته ذات الجمال الصاعق كما يصفها وزوجها العابث بالجسد البض بشبق وتعبيرات بذيئة. وفي كل مرة يتبصص على الزوجين ويفرغ احتقانه يركبه الشعور بالإثم والندم .. فيلعن نفسه مراراً ويقسم بأنه سيكف عن هذه الإطلالة الآثمة (ص 57) لكنه سرعان ما يعود إلى عادته القديمة . لم يرتدع حتى بعد أن يقسم بروح أبيه الذي توفي أيام التحاقه بثوار الجبال. إنها السمة “الإندفاعية” التي تجعل الفرد يتصرف ثم يراجع فعله ويقيمه لا العكس. وهي جزء ثابت من بنيان شخصيته فهو إلى الآن يتساءل عن دوافع هروبه .. وعن مغزى التحاقه بالثوار في الجبل . هكذا أمضى حياة كاملة مضطربة يسلك السلوك أولا ثم يعود ليراجعه مشككا فترتبك حسابات حياته وتضطرب علاقاته.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.