حميد الربيعي: شيش كباب

لم تنتشر رائحة التفسخ رغم مرور الف واربعمائة سنة فمازالت الاصوات من قبر الوالي الصالح في ” قنبر علي ” تثير الهلع في الشوارع الخالية منذ امد ، ورغم ان الالفية الجديدة ستدخل التاريخ عما قريب بيد ان الغرفة بقيت على حالها ، وكأن تعاقب الامد الطويلة لم يغير من واقعها شيئا ، هي مثل بقعة معزولة عن مجرى الاحداث ، لربما في حالها علة ، بيد ان المرور الطويل لم يشكل علامة فارقة .
الغرفة تقبع بالضبط بعد الزقاق السادس الذي يمتد طوليا مع حائط المسجد ، لكنه ينثني قليلا بعدما يميل نحو الشرق ، الميلان هذا تكرس شيئا فشيئا بمرور الوقت ، كانت الالف والاربعمائة كافية لان تحرفه كلية الى الاتجاه الاخر، الذي يفضي الى خارج المنطقة بالكامل ، هذا ماحدث بالضبط في كل الاحياء ، بيد ان الشارع السادس والزقاق انحرفا عن الجادة واستدارا ثانية باتجاه البدء ، مما جعلهما مثل ثعبان يلتف على ذيله .
الغرفة لم تتزحزح  عن موضعها ابدا ، لكن الشباك الذي كان يطل ناحية الشمال ، صار يفتح على الجنوب ، رغم انه لم يفتح منذ العقد الاخير، مما جعل رائحة التفسخ لم تؤبؤ الحي كله ،
الغرفة ، في البدء ، سكنها شاب وشابة . تعاهدا على الحب الى الابد ، بيد ان هذا الابد لم يحن رغم مرور هذه المدة الطويلة وتعاقب الاحوال . من هذا الباب ستر الشباك عناق رائحتهما رغم التفسخ الذي حدث في العقد الاخير  .
السكون لم يكتنف الغرفة ابدا ، فالحركة دؤبة بنشاط وتزداد وتيرتها كلما تقدم الزمان .
الهر فيها يقفز دائما عندما كان يسمع صوت الشيخ وهو ينادي زوجته : – ام غايب ، ولم تك ترد اطلاقا ، ذلك ان الاسم يعني لها مسبة وعار . هي في الحقيقة لم تنجب لكنها ايضا فخورة بهذا العقم ، ومبعث عزها متات اصلا من ذرية سترى التفسخ ايضا دون ان تجد من يواريها من سوءة الحياة ، لذا ارتضت ان تتسمع له بطيب خاطر، لكن دون ان يحضى بجواب .
الهر اعتاد على المناداة وكأن حركته تنم عن الجواب الذي لم يسمعه الشيخ مذ ان كان شابا ثم تفسخ وتحللت خلاياه وصارت هباءا .
الغرفة علا فيها بعض الضجيج قبل دخول الالفية الجديدة بنيف سنوات ، لقد جلب الهر شيئا من الالفة لوحشته الطويلة . في الحقيقة لم يختار هذه الالفة ، كونها فرضت عنوة بسبب انتشار المجاعة في طرقات ” قنبر علي ” في الاونة الاخيرة .
بعض الفئران والحشرات وجرذ متوسط الحجم أضيفت الى بعض الرسومات المعلقة منذ ايام الفتوحات الاولى أضفت نوع من الحراك .
الهر هو الوحيد الذي يحفظ بعض الايعازات والذكريات التي اكتنفت تاريخ الغرفة ، حتى انه في الغالب ، مادام لوحده من عاشر العروسين ولاحقا الشيخين، يقوم بمؤائه بتقليد الاصوات التي كانت مبعث اعتزازه .
الغرفة مستطلية . لجهتها الشرقية ، والتي كانت غربية فيما سبق ، خط يوازي سور البيت ، والذي تهدم في اثناء احد فيضانات النهر . النافذة تقع في الحائط الشمالي ، كانت الزوجة قد اعترضت على موقعها :
–     الشباك  للهوه الشرجي .
ثمة شق طولي يمتد من الزاوية العليا ويرسم في اسفله قوسا صغيرا ، له من البعد ، بعد ذلك ، ما يوازي السرير ، ثمة تمثال صامت منذ الابد في الجانب الغربي .
بوز الهر يتحرك بتؤدد ، يرفع الغطاء الاخضر عن السرير كاشفا عن الخشب المتاكل من العث ، الاسود رابضة عند الطرف القصي في زاوية الغرفة . الاول نائم وجسده شبه منحني باتجاه الباب ، يضع راسه فوق القدم الاولى راسما دائرة ، تبدو ضيقة في الطرف القصي من النظر ، الاسد الاخر يقف عند مفترق شجيرات . تلك الشجيرات تبدو متأكلة من الاسفل الا انها مازالت نضرة في الاعلى ، لكن الحائط القريب يتشقق متحولا الى ارض قاحلة . ثمة حركة في ساق الاسد تنم على ان الحائط سيقع عما قريب ، حتما ستتكسر بعض سوق الشجيرات وعندها ستتناثر الاوراق فوق الاسد الرابض ، مازالت نظرة الاسد جارحة بسبب الاشعاع الذي يخرج من حدة الحدقة .
الاسد الثالث كان معلقا فوق الباب بيد انه سقط فوق الارضية مطويا نصفه السفلي ويشهر فما واسعا باتجاه من يدخل الغرفة . الزوجة أرادت تثبيته في الجهة المقابلة للباب وكانت تتوقع بمرور الوقت انه سيسقط من تلقاء نفسه ، ذلك انه لاتوجد مسامير حديد انذاك .
مازال الهر ، منذ الامد ، كعادته ينساب للحافة الجنوبية  ليتقاطع مع ساقي السرير ، حيث هنالك يرقد في الحذاء ، الذي انقلب في بداية القرن ولم يقو الهر على استوائه مجددا . ظل الحذاء وقت الظهيرة يضحى دائرة ويصير عمود السرير في منتصفها . للحذاء شريط اسود منقط ببقع بيضاء فيبدو كثعبان في النهار ، لكنه في الظلام يعيق دبيب الصرصرين عندما يخرجان للمرح ، ماداما قد اعتادا الغرفة منذ ان حلت المجاعة في” قنبر علي” .
عندما انقلب الحذاء صار ماوىء للصرصرين للتخلص من ازعاج الهر وحركته الدؤبة ، الفردة اليمنى مازالت طرية ولم يتشقق جلدها ذلك ان الهر ارتى  منذ البدء التبول في الفردة اليسرى ، لم تتشقق فحسب ، بل تقلصت فامست وكأنها حذاء لصبي صغير واليمنى لرجل كبير .
كانت العجوز تصر على تلمعيه  بزيت الخروع كل ما اراد زوجها الخروج الى قبر الولي، خلا انها امتنعت حالما صار الاذان في المسجد يعج بالضوضاء ، الشيخ ارتاح لقرارها اذ لم يعد يسمع مايقال بسبب الضجيج الذي يرافق المشي في الزقاق السادس .
امتداد شق الجدار يرسم مع فردة الحذاء اليمنى خطا فاصلا بين النافذة  والباب ، ظل طائرة ورقية يقطع الخط ، لكن الظل عند المساء يتحول الى بقعة داكنة ، لا تمتد الا قليلا ، وهي المنطقة التي لا يطأها الهر، ذلك ان الشيخ كان ينط هذه البقعة باعتبار ان العجوز دائما ما ترقد هنالك وان لم تك موجودة .
النافذة تنثر غبارا ناعما عبر الفتحات التي اكلتها الارضة على مر الايام ، الفتحات ايضا تنشر حزم من ضوء النهار ، لكن غالبا ما تتراقص ذرات الغبار عبر هذه الحزم مما يشكل عائقا امام حركة اسراب النمل وبقية الزواحف التي تكاثرت  خلال الفترة الاخيرة . الاسراب اعتادت السير اثناء الليل وترسم وراءها خطوط متقطعة فوق طبقات الغبار ، التقاطعات مرعبة وتمثل هيئات  لمخلوقات خرافية .
بعدما تصل الاسراب الى ساق السرير الرابع ، الذي في الاصل تأكل من جراء مبيت العث فيه ، تصعد متخذة من طرف الغطاء الخضر سلما للوصول الى اعلى السرير .
أنتظمت الحركة في الغرفة مذ رقد الشيخان في السرير قبل الف واربعمائة سنة ، لكن ثمة تغير قد طرأ في الاونة الاخيرة عندما ازاح الهر الغطاء الاخضر عن الجسدين وايضا بقدم الجرذ المتوسط الحجم . كان قد دلف الغرفة هاربا من هدير المنجزرات التي تزحف بأتجاه المدينة ، التغير الذي حدث مؤخرا ادى الى حرمان الحشرات الزاحفة من مصدر رزقها بعدما صعب عليها الصعود الى الاعلى . لقد وجدت طريقا مضللا بعدما وجدت القائم الثالث للسرير والذي مازال صالحا للتسلق ، بيد ان المزاحمة التي حدثت في الاعلى جعل حصتها من الطعام فتات بعدما كانت قد شرهت في الفترة الماضية .
الحشرات الزاحفة كانت تنتظر الفرصة التي لن تسنح الا قليلا ، في اثناء العراك الذي يبلغ مداه بين الهر والجرذ . ثمة شراسة استشرت نتيجة التناحر الدائم والذي لن يتوقف خلا  بموت احدهما .هذا سيحدث في بضع سنوات من الالفية الجديدة .
الهر ينعس ليلا والجرذ يصحو نهارا والحشرات تخاف الغبار الراقص في الضياء ، ثمة انزياح يحدث بسبب انتفاخ الحجم ، الحشرات كبرت بشكل مذهل وكذلك الجرذ الذي  صار الان ممتلىء وكبر ، حتى ان محجر العين لم يعد يسعه . بوز الهر، ايضا، قد حشر اخيرا في قناة الرحم التي في جسد المراة.
لم يك الضجيج الذي يتعالى في الخارج  يعيق التكالب الذي صار امرا واقعا فوق السرير ، خاصة وان ما تبقى من الطعام لم يعد مضمونا ، كما كان في السابق ، ذلك ان  ما تبقى من جثتي الشيخين الا النزر الذي يشبه الرمق الاخير .
لقد نخر الدود العظام وباتت تتكسر بيسر من جراء تناطح الهر والجرذ ، ربما بعض من الهيكل العظمي سيبقى الاثر لشيخين ، كان قد سكنا هنا منذ الازال .

      بغداد – 2012

شاهد أيضاً

ثرثرة مع الريح
لالة فوز احمد المغرب

عندما كنت قطة كانت كل الأيادي تمسد فرو ظهري وتقبلني /// عندما كنت فراشة كان …

عدنان الصائغ: علاقة سويدية..

تحدّثا عن الطقسِ والجنسِ والبطاطا وسترينبرغ شربا كثيراً نظرا إلى ساعتيهما بتكرار أبله علّقَ كعادته …

كولاله نوري: هل ستبقى طويلا بعد نهاية العرض؟

إلى: كل دكتاتور غادر ومن تبقّى منهم تُعَدِّد الفراغ وتحمِّل الكراسي كل هذا الخلوّ . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *