حسين سرمك حسن: سلام ابراهيم في “إرسي” خراب العراق

عودة إلى خراب الإنسان :
————————-
لكن الإنسان، وليس كما تروّج الفلسفة المادية الغربية، والغريب أن الماركسية تلتقي معها في هذا، عن أنه جزء من الطبيعة، هو ثغرة في النظام الطبيعي. هو هذا الكائن المعجون من الله والشيطان، لغز الألغاز وسرّ الأسرار، خصوصا حين يتهدد بقاءه .. ويحاصره المثكل من كل ناحية .. وهذا من أعظم “عطايا” الحرب .. إنها الفرصة التاريخية التي لا تعوّض والتي تكشف حقيقة أن الإنسان لا تنفع معه أي يوتوبيا، وأنه يتخيّل مدنه الفاضلة كـ “تشكيل ضدّي – reaction formation” يقهر عبر هذه الأوالية النفسية الدفاعية نوازع العدوان والدمار المتأصلة في بنيته اللاشعورية. وقد صُدم سلام المسالم الذي لا يؤمن أصلا بالثورة والسلاح (ص 16) بهذه الحقائق عندما قدّمها له الشيخ (عطا الطالباني) المجرّب الذي عركت بصيرته التجارب الدامية :
(سترى العجب من أقرب الناس. ستطل على البشر وتتعرف عليهم بعمق. ستذهل مرارا، ورفيقك يضم قطعة خبز في ظرف عصيب، أو يجبن في لحظة حاسمة ، أو يزاحمك في الأكل واللبس والشراب . دعْ عنك أحلام الثورة النقية وشرف مقاتليها فهم ليسوا أنبياء – ص 16).
ومع مواجهة المثكل تبدأ أحلام اليوتوبيا بالتبخّر .. وسوف تتلاشى تلك النظرة التقديسية عن هذا الذي نصفه بأنه “بناء الله” .. فالإنسان ساقط يتذكر السماوات كم قال “لامارتين”.. والأدق هو أنه “ذاك الحيوان الغريب.. إنه قريب من الشيطان أو الوحش .. ولكنه في الآن نفسه غير بعيد لأن يكون إلهاً” .. لكنه في الحرب ، وحتى عندما يظهر أقصى آيات نبله وذلك بالدفاع عن وطنه حتى الإستشهاد ، فإنه يقطع ذاته ولابد أن يقتل “آخر” يقوم بالدور نفسه على ضفة الجحيم المضادة. ولكن بعد أن ألقي سلام في أتون جحيم الحرب ، تأكدت لديه صحة افكار ذاك الشيخ . بل تعدى تشظّي القناعات الحدود ليصل إلى الأفكار الماركسية التي آمن بها طويلا .. وها هو يخاطب زوجته :
(ملكتِ كياني ، وضمرتْ دونك كل المعاني. صرتُ أحلم بك فقط. أحلم متجردا من كل ما عداك. فمنذ الأيام الأولى تبخرت كل أحلام الثورة وكتب اليسار الماركسي ، من الدولة والثورة إلى تاريخ الثورة ، مرورا بمذكرات جيفارا . لم يظل شاخصا في ذاكرتي سوى وجه الشيخ عطا – ص 24 ).
# الجنس ينهض في مواجهة المثكل :
———————————
إن من الظواهر المتناقضة التي تدوّخ مسلماتنا هو نهضة الغريزة الجنسية – خصوصا المحرّمة – في ظل الحرب عموما ، وفي مواقف القلق خصوصا. بعض الطلبة يحصل لديهم انتصاب وانتعاض في قاعة الإمتحانات.. وعرفنا حالات في المعارك لجنود يحصل لديهم قذف مع اشتداد القصف والمخاطر. يبدو أن انتفاضة غريزة الحب والبقاء (erose ) ، ما هي إلا اختلاجة احتجاج في وجه الفناء العزوم. وهذه الظاهرة رصدها الروائي – والروائيون رصدوا أدق صراعات النفس البشرية قبل المحللين النفسيين بقرون – على مستويين مهمين : مستوى بطله الشخصي في تجربته الفردية من ناحية ، ومستوى “الآخرين” من رفاقه الذين كانوا يقاتلون معه وهم يعلنون أنهم إنما يدافعون عن قضيّة ومبدأ يفنون أنفسهم في سبيلهما من ناحية ثانية مكملة. فبالنسبة لسلام ، كان أوار ألسنة نيران العشق يستعر كلّما اشتعلت نيران قلقه .. وحاصره الموت ملوّحا بمنجله الباشط الذي لا يرحم .. فمع الثوار .. وفي شقاء ما خلف التلال يتذكر جسد حبيبته /زوجته ، وحضنها الحاني :
(شفّني وجدك وحوّلني إلى كائن دنف لا يروم من الدنيا سوى لقائك . وفي غمرة التجوال والقتال أصبحت ِ مبتغاي.. أن أراك وأحضنك ذلك ما كنت أدفع عمري من أجله – ص 25).
وهو يزاوج باقتدار بين قلق الموت كضاغط يمحق الوجود الفردي ويجتثه .. وبين ملجأ الخلاص .. وهو الجسد الأنثوي .. الأنثى هي الإله المنقذ، وليس “دموزي” البكّاء .. فمع الإحساس الصاعق بالحقيقة المؤكدة لقابلية الفرد على الإنجراح ، تلك الحقيقة التي يرفضها لاشعورنا بحكم مبدأ “التناقض الأولي – primary paradox ” الذي اكتشفه معلم فيينا ، الذي يقر الإنسان وفقه بفناء الآخرين ، ولا يقر بفنائه هو ذاته ، والإنسان لا يعتبر رغم رؤيته لآلاف القتلى في ميادين المعارك، لا يجد غير العودة المباركة – بالرغم من أنها متخيّلة في الكثير من الأحوال – إلى الرحم الأمومي في الدلالة العميقة واللاشعورية المستترة ، ممثلة بجسد الحبيبة أو الزوجة. وزوجة سلام هي حبيبته :
(جسدي الحميم الذي أذاقك الشهد صافيا.. أتتصورينه ذلك الذي يطيب لك أن تلامسيه بأناملك الناعمة كل ليلة ، وتبحثي عنه وأنت في عزّ النوم .. أتتصورينه مُنخّلا بالرصاص ، غارقا في بركة من الدماء ، متروكا في العراء .. أغفو من تعب ووحشة .. لأراك جنبي في مدن بعيدة لا يعرفنا فيها أحد … أحس بجسدك الساخن لصقي متأججا مثل تنور ، فأمعن في شدة التصاقي ، وبغتة يضج الصمت بلغط، فأستيقظ على ترديد طقوس صلاة الفجر لأجد نفسي في حومة غبار الفجر والأدعية وسط أجساد المقاتلين المتناثرة في ظلال زوايا المسجد- ص 23 و24).
# الإنسان ليس كائنا منطقيا ، إنه كائن تبريري :
———————————————–
إن من الوقائع الغريبة التي تربك مسلماتنا أيضا ، هو بعض السلوكيات التي تتمظهر في صورة أفعال “منطقية” ذات طابع مفعم بالتضحية والإيمان بالمباديء لكنه ينطوي على تناقضات عميقة مستترة قد لا تلتقطها النظرة السريعة أو المنبهرة أو المعبّأة مسبقا بانحيازات نظرية وعقائدية. من هذه الوقائع قبام زوجة سلام ، الماركسية حدّ النخاع ، بالإلتحاق به في جبال الشمال بين المقاتلين ، تؤدي خدماتها لرفاقها الجرحى خصوصا ممن تعرضوا للأسلحة الكيمياوية التي تعرضت لها هي نفسها وكادت تفقد بصرها بسببها. من المؤكد أن أغلب القراء والنقاد قد أعجبوا بهذا الفعل الجسور وأكبروه ، فهو يعبر عن إيمان راسخ بالعقيدة التي انضوت تحت لوائها ، ووقفتها الصلبة ضد الطغيان، خصوصا وأن الروائي كان قد عرض علينا الكثير من تضحياتها من توزيع منشورات إلى نقل تعليمات وتنظيم وغيرها . لقد باعت سلسلة ابنهما الوحيد لتشتري له مسدساً ! . ولكن هذه المسيرة قد تضع غشاوة على بصيرتنا النقدية ، فلا نتساءل مثلا عن طفلها الوحيد، وأين تركته، وما هي أولويات مسؤولية الأمومة . وبطبيعة الحال سنجد الكثير من التبريرات التي تندفع إلى الواجهة، وهي مثقلة بالمبررات “المنطقية”. وهذا الموقف يحيلنا إلى حقيقة خطيرة من الحقائق التي فجّرها التحليل النفسي والتي ترى أن الإنسان ليس كائنا منطقيا ولكنه كائن تبريري – not rational but rationalized humanbeing ، فهو يفعل الفعل ويحقق رغبته ثم يجد لها مبررا “منطقيا”. ينطبق هذا على تصرفاتنا الشخصية البسيطة مثلما ينطبق على الثورات والفلسفات الكبرى. وقد عاش أرسطو (يسمى المعلم الأول !!) ومات وهو مقتنع بأن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل!! ولم يكلف نفسه بفتح فم إحدى زوجتيه ليحسب عدد أسنانها. كان علي بن أبي طالب يقول : لو كان الدين يؤخذ بالمنطق ، لكان مسح باطن القدم أوجب من مسح ظاهرها. وقد تحدث العلامة الراحل “علي الوردي” عن المرأة التي دهمها الطوفان فوضعت طفلها الرضيع على رأسها لتحميه من الغرق .. وعندما وصل ماء الطوفان إلى أنفها ، وضعت طفلها تحت قدميها ، وصعدت علىجسمه الترف لتنقذ نفسها !!
ومن تلك السلوكيات أيضا والتي لم يلتفت إليها القراء والنقّاد هو استنجادات سلام المتكررة والملتهبة بالذات الإلهية ، شيوعي يستنجد بالله .. استنجادات يطلقها كلّما اشتدت ضائقته الفاجعة .. كلما روّعته وحشية أخيه الإنسان .. وكلما تأكد لديه أنه كإنسان كائن هشّ وعاجز يمكن أن تهيره قوة أخيه الإنسان الغاشمة وتسلّطه. هذه الاستغاثات الجريحة تتكرر عشرات المرات : يا خالق الأكوان كيف الخلاص؟ .. ما جنيته من ذنب يا ربي ؟ .. إلهي إلهي خذ بيدي أنا عبدك المسكين .. إلهي ذرني ولا تحجرني .. وغيرها الكثير الكثير. وقد يقول قاريء نابه إن سلام كان قد أعلن لزوجته أنه ليس ملحدا مثلها ، ونقول أن الماركسية المؤمن أخدوعة وتنسف المنهج الجدلي المادي التاريخي من أساسه . من ألعاب اللاشعور الماكرة أن يؤمن رجل دين معمّم بماركس أو لينين. يجوز في حالة واحدة عندما يرفع الأذان في الكرملين!!
وهو نفسه يقرّ بهذا التناقض في خطابه إلى حبيبته الماركسية الملحدة كما يسمّيها، خصوصا بعد عجزه الفاضح أمام رفاقه عن إطلاق رصاصة الرحمة على الرفيق الذي كان يستنجد به ، فعاش مرعوبا يتهجس بالقاتل الرحيم الذي من المؤكد أنه كان يأكل ويشرب معه :
(هل يُسمّى هذا فزعا يا حبيبتي؟ أم أن الأمر قُدر علينا من قوى علوية، تخلت عن البشر؛ قوى عاقلة أصابها اليأس من شرّ اتلإنسان، فتركته يعمل ما يشاء بأبناء جنسه ؟ وجدت نفسي تزداد ضعفا أكتمه في سرّي … أبوح به نائدا مردّدا ديمومته الراسخة في الأعلى ، ناشجا بصمت. قد تضحكين عليّ يا زهرتي الملحدة ، المتوقدة المدلهة بحلم ماركس، الذي دفعك صبية يافعة إلى أحضاني. إضحكي كما تشائين – ص 22 ).
وقد قال “محمد حسنين هيكل” ذات مرة إن الإتحاد السوفيتي بدأ بالإنهيار منذ أن أصيب ستالين بجلطة دماغية، وأصدر الكرملين بيانا يدعوا فيه الروس إلى الإبتهال إلى الله ليشفيه!! وبصراحة أنا أجد أطروحة ماركس حول المصادفة التي خلقت الكون متهافتة، فـ (إن خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين وليس حقيقة علمية. ومن الاعتراضات المعروفة على هذا الرأي أن تكوين كائن كالإنسان  من تلك الذرات بالمصادفة أكثر بعداً من احتمال قرد يخبط على آلة كاتبة فيخرج لنا بالمصادفة قصيدة رائعة. ولكي نصدّق نظرية الخلق بالمصادفة لابد أن نؤمن باحتمال أن يلقي إنسان (أو قرد) بالنرد ويحالفه الحظ ويأتي 6/6 ليس مرة واحدة ولا ألف مرة وإنما 44 الف مرة متتالية (5)
# الاستخدام الموفق للغة العامية:
——————————–
لقد حاول الكثير من الروائيين العراقيين والعرب استخدام اللغة العامية في نصوصهم السردية مشفوعين بدوافع فنّية وجمالية ونفسية تعبيرية. لكن الكثير منهم فشلوا في توظيف المفردة العامية . كانت المحاولة الأكثر فشلا تلك التي قام بها الروائي “يوسف القعيد” حينما كتب رواية كاملة باللغة العامية. فحين يلجأ السارد إلى استخدام المفردات العامية ينبغي أن تكون هناك ضرورة ووظيفة تعجز عنها مفردات اللغة الفصحى. لكن في هذه الرواية ، تأتي المفردة العامية متلألئة متألقة وضاجة بالشحنات التعبيرية :
-(وجدت نفسي تزداد ضعفا أكتمه في سرّي ، وأفضي به في أغباش بيوت الله المبعثرة .. أبوح به نائدا مرددا ديمومته الراسخة في الأعلى – ص 22).
وقد كان سلام موفقا جدا في اختيار الحوارات والتعبيرات العامية المناسبة لمستويات شخصياته التعليمية والثقافية. فمن غير المعقول أن تضع تعبيرات عالية الشعرية بالعربية الفصحى على ألسنة أناس بسطاء وخصوصا في لحظات الإحتدام العاطفي. خذ مثلا الموقف الذي يأتي فيه سلام إلى بيت عمّته بعد خمس سنوات من الفراق المحزن والإنتظار المرير الممزوج باليأس ، فتنتفض العمة المحبّة من سكونها الموحش :
(.. راحت تتلمس جسده بأصابعها قطعة قطعة وكأنها تريد الوثوق من حضوره الساخن، ناحبة مرددة :
-عمّه .. إنت حي عمّه .. إنت حي .. قالوا إنت مفقود يا عمّة .. يا بعد روحي يا عمّة – ص 36) .
ولو استخدم سلام مفردة (عَدِل) المرادفة لصفة (الحي) في اللغة العامية العراقية لكان تقطيع القلب أكثر دقة.
# ومن المستحيل على أي متلقي يقرأ رواية سلام ابراهيم بهدوء ودقة ومشاركة انفعالي مبرّر ، خصوصا من القراء العراقيين أولا ، وممن مزقت أرواحهم ويلات الحرب – ولا أعلم ، كيف يموت المؤلف والقارىء حسب الأطروحة البنيوية المعروفة – ثانياً ، أن لا يتوقف عند زعقات الإستغاثة التي كان يطلقها المقاتلون الذين اصابتهم الأسلحة الكيمياوية. هذه استغاثات مازالت تدوّي في الوجدان والروح والذاكرة ، سمعناها ونحن في خنادق الحرب في مجنون، وهم – رفاق سلام الضحايا في الشمال – فانرعبنا وصرنا نتوسل بالحمامة البيضاء العزلاء الصغيرة أن تكتشف بوادر الضربة الكيمياوية قبل وقوعها ! أما سلام ابراهيم – والحكاية حكايته – فقد “ذاقها” ، وكان ضحيّتها :
-يمّه تعالي ابنك عمه (يمكن أن تكون لفظة “يمّه” العراقية هي أعظم نداء أمومي في التاريخ فهي تندفق من قعر سويداء القلب ، في حين تخرج لفظة “مام” من طرف الشفتين الجاف!! هل هذه عنصرية ؟!)
-يمّه راح أموت وما أشوفك
-بويه وينك بويه تعال
-يا بويه عيوني
-يا ياب احترقت .. ولك ياب طفّيني
-أنعل أبو اللي ورطني بالكفاح المسلّح
-ولكم الهوه .. يا ألله الهوه !!
# أو وهو يستذكر لحظة ارتياده المبغى لأول مرة حين كان طالبا في سنته الجامعية الأولى ببغداد . تعود واحدة [= بغي] وتسحبه من ذراعه المستسلمة. ستقول له جملة لم يدرك معناها :
-إذا تريد أعطيك من وره بربع دينار – ص 142) .
# وأتذكر أن الموسيقار اللبناني “إلياس رحباني” قال لإحدى المتسابقات في أحد البرامج الغنائية :
(عندك جمال بيوجع)
أمّا سلام فقد نقل لنا عبارة عامية عراقية أكثر بلاغة وستسير مثلا موجزا بين المتلقين ؛ عبارة بعجز عنها حتى الشعر ، وذلك حين وصفت زوجته جمال بنت عمته الوحشي بالقول :
(هيـﭼـي جمال ما ينراد !!)
# إن أفعالا وأسماء عامية أو أنها تُعد عامية بفعل استخدامها السوقي وضياع أصلها الفصيح مثل : أتبرغث.. إنهضمتْ .. تخرط .. تلبد .. تشرد .. طبّة .. العافطة .. ردفين مدملجين .. إلخ .. جاءت في مواقعها الدقيقة والمعبرة .
# بين لغة الشعر ولغة الحكاية :
——————————
هذه الملاحظة تحيلنا إلى قضية خطيرة تتمثل في الموازنة بين لغة القص ولغة الشعر. فمن وجهة نظر بعض النقاد وأنا منهم ، يجب أن تكون للحكاية لغتها الخاصة ، مثلما للقصيدة لغتها الخاصة بها أيضا ، وعندما تتداخل اللغتان ، ينبغي أن يكون هذا التداخل محسوبا بدقة لأن الإفاضة المفرطة فيه سوف ينتج عنها جنس هجين لا هو بالحكاية ولا هو بالقصة .. مرّروه أمام أنظارنا تحت شعار “تداخل الأجناس” ، وحال هذا المصطلح كحال مصطلح “التناص” ، فهما من نتائج الفلسفة المادية الغربية التي بدأت حداثتها بإعلان موت الله على لسان نيتشه ، وانتهت في ما بعد حداثتها بإعلان موت الإنسان على لسان فوكو ثم تفكيكه على يدي دريدا !! وفي رواية سلام هناك لحظات محتدمة ومواقف عارمة لا يمكن التعبير عنها إلا بالشعر . وقد ذكرنا عنها أمثلة كثيرة في سياقات الاقتباسات السابقة . لكن هناك إفاضة تجعل اللغة الشعرية عبءا على النص وتشوّش إدراكات المستقبل، مثل ” سماء الثقب – يقصد ثقب الباب – ، و ” النتوء العنيد الرامح ، خارق الحيطان والظلال والتائق إلى التماهي ” ويقصد قضيبه ، وغيرها الكثير. والمصيبة أن مدّ الواقعية السحرية الذي أغرقنا به الأخوة الساردون من أميركا اللاتينية جعل حتى المومس الأمّية تحكي شعرا أبلغ من اشعار السيّاب ونيرودا، حتى أصبحت ملاحظة القاص محمد خضير عن أن أدب ماركيز يفتقد البرهانية صحيحة ودقيقة.
# الحجر والتحجّر :
———————–
وارتباطا بالإستخدام اللغوي المقتدر ، فهناك ما أسميته بـ “اللازمات اللغوية”. فحين تقرأ نصا قصصيا يتكرر فيه الفعل “جعل” – جعل يركض .. جعل يشهق .. – فهو على الأكثر لفرج ياسين .. وعندما تقرأ رواية يتكرر فيها، ولعشرات المرات – وصف “صدرها العالي .. أو نهداها العاليان” .. فهي لفؤاد التكرلي على الأغلب. أما القسم الأول من رواية سلام “في برزخ الإرسي” فلازمته المميزة هي مفردة “تحجر” وما يشتق منها. هذه المفردة تتكرر عشرات المرّات (في الصفحة 99 تكررت سبع مرات). ويأتي اختيار اللازمات اللغوية محكوما بقصدية لاشعورية من جانب، وبوعي تسوقه الأجواء الإنفعالية المحتدمة التي تثيرها الثيمة المركزية في نفس الروائي من جانب ثان مكمل. فسلام في مخبأه السرّي كان في الواقع “يتحجر” مشاعرا وأفكارا وسلوكا. هذا ثمن العزلة الباهض .. تبليد المشاعر بمرور الزمن بعد تأججها .. وقولبة السلوك في النوم والجلوس- stereotypy.. وتخافت احترام الذات وتضاؤل الإعتزاز بها من خلال عملية الهروب ذاتها .. والتصرفات العادية والتافهة التي تأخذ طابعا مهينا الآن .. فهو يتبرّز في أكياس النايلون .. ويبول في قناني بلاستيكية .. وبسبب الحرمان الحسّي الذي اشرنا إليه والذي بإمكانه تحويل الإنسان إلى “آلة” صغيرة تؤدي أفعالها بميكانيكية مغثية – من شاهد منكم فيلم “الفراشة” ؟ – وكان هو نفسه يرصد تدهور حاله المؤسف هذا، وانحدار شخصيته نحو هاوية “التحجر” :
(يظاهر الجدار الأصم وساقاه ترتكز أصابعهما على حافة الجدار المقابل بفتحاته الأربع. يحملق بمخاريط الضوء الساقطة جواره وحوله وعلى جسده الخامد. ينصت لتخافت بقايا ضجيج ماكينة الخياطة التي هدأت منذ هنيهة ، سبقها انقطاع لغط النسوة اللواتي تخافت خطوهن المصحوب بخفق عباءاتهن السود ، في سكونه المتحجر .. في معناه الجديد شديد البدائية حيث استحال وجوده إلى مجرد غزال مذعور في غابة.. ضاق معنى الحياة إلى مجرد رغبة في البقاء وعبّ الهواء. إكتشف أن العديد من طباعه قد تغيرت. أكسبه طول المكوث في الحلكة والصمت طباع حجر الجدار المنخور . سكون وعطن .. خواء وتآكل .. تأرجح على حافة الإنهيار .. وعدم الرغبة في التحرك حتى أنه عاد لساعات طوال يتحجر تحجر آجر مفخور. يحملق بيده الملقاة جواره، بثنية ساقيه، بفتات الجص المتراكم على قميصه، وكأنها تفاصيل تعود لتمثال قديم في معبد مدفون. يتخافت خطوها الذي يعرف إيقاعه البطيء الخفيف كأنه حفيف أجنحة . إنها تتجه نحو المدخل. كفّت منذ أسابيع عن إخباره حينما تغادر . كانت تفعل ذلك في الأيام الأولى . كأنها نسيته في دوي السكون .. في تحجّره – ص 28 ).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.