رياض رمزي: الشهداء لا يعودون هذا الأسبوع

( بعد أيام ستحل الذكرى التاسعة و الأربعين لمجزرة 8 شباط 1963. الشهداء لهم الكثير من الأسباب لرفع أصابعهم معترضين، بعد أن وجدوا أن الأحياء قد تخلوا عن ذكرهم نافضين أكتافهم كمن يتخفف عن عبء)

” يجب أن نقول كل شيء و بوضوح عن أنهم يحاولون دفننا… و قبل أن نكون أمواتا.. لكن الأهم من ذاك كله هل كتبنا بالضبط ما رأيناه، بوضوح كما نستطيع”
من قصيدة ” يجب ألا يرثوا الأرض” لأليس وولكر.
( هذه دعوة أوجهها لكل من يعرف شيئا عن هذا الرجل أن يكتب شيئا و بوضوح عنه، و كما يستطيع. إذ لا أحد يذكرهلا هذا الأسبوع و لا الذي قبله و ربما الذي سيليه. بماذا ينفع التكتم على موته؟ ناهيك عن الشكل الذي اتخذه؟. هناك تملص واضح من عبء ذكراه. لماذا؟. ترى ما الذي جعله يستبدل بيتا و عائلة و مسكنا بقبر موحش تعمره الهوام؟.)

حقائق
•    الاسم: متي الشيخ.
•    ولادته: كان الأب عند ولادته يقف وراء الباب ينتظر، بشفاه شاحبة، صراخا من القابلة” ولد، ولد”. أجهش في البكاء وهو يسمع صوت المقص الذي سيدع الولد يلتمس طريقه إلى الدنيا. و بقي ساكنا لصق الباب كي يتأكد من إصدار الولد للصوت. عندما سمع الصرخة الأولى رسم علامة الصليب. أول ما شاهده الوالد  مجموعة كدمات بلون الياقوت غطت جبينه. جسّ الأب قلبه كي يتأكد إن كان قد تزحزح عن موضعه. كان ينبض. قالت الأم ” عليك أن ترى إن حدث شيء لعقله”. قال الوالد” نحتاج إلى سنين كي نتأكد من ذلك”. قالت الأم” لا يسعني الانتظار حتى يكبر في السن”. ثم تساءلت” ماذا ستفعل؟”. قال” سأستشير  البروج”.
•    أدار ترس البروج بيده. مر الأسد، السرطان… أوقف بيده برج الحوت كان برجا مائيا. تفرس في المعلومات التي يحويها البرج.لم تقل له البروج كيف سيعيش الولد بل كيف سيموت. شاهدطفلا يسبح متبوعا بحشد من ثعابين الماء و قد أثار هياجها. رفض الوالد تصديق ما رأى.
•    موته: أظهر رعبا غير معتاد عندما رأى أن الموت قادم إليه هذه المرة و الحمرة بادية على أظافره. اضطرب و شعر بالتعاسة، فهرع إلى قلبهليحصل منه على إثبات لما كان يبشره به جنانَه منذ زمان. إذ وقفا للعرف السائد و لما قرأه عن مسيرة الشهداء، فأن الشهادة تسير على ما يرام عندما ينطق من سيكون شهيدا بعد قليل بجملة أو عدة جمل،عادة ما ينطقها الشهداء، فتصبح مراثي تنقش على قبورهم. لكن الدنيا اسودت في عينيه عندما رأى أن الأمر خلاف ما كان يمنّي نفسه به، كأن يُسمح له بإلقاء مقاطع من كلماته أو حتى مقطعا واحدا لشاعر آخر. ذهب إلى الاتساع المجهول للموت و ليس معه غير” عاش الشعب” لأنه لم يكن يملك ما يكفي من الوقتللانضمام إلى موكب الشهداء المحترفين الذين ذهبوا و لم يكن يشوبهم قلق على مصير ذكراهم، لأنهم نفخوا قبل الذهاب ببوق جملة سيظل دويها مسموعا على مر العصور، عندما قال أحدهم” الشيوعية أقوى من الموت و أعلى من أعواد المشانق” و التي ضمن بها حياة مديدة بعد موته. علّم القاتل كل مكان من جسده بالرصاص و كأنه ينخب الحديد. مع أن طلقة واحدة تُسدَّد إلى موضع القلب تكفي لترتخي الساقان، يفغر الفم و يتمدد مثل سمكة تموت على البر غير محدّقة بأحد. فالموتى عندما ترفعهم عربة الموت لا يرفعون قبعتهم لأحد. هل القتل سيكون أفضل وقعا عندما يقول،من ستتوقف سنوات عمره عن الحساب بعد قليل” لا أطلب منكم شيئا غير جملة و لتكن إشارة أختم بها حياتي؟” ، كما فعل زوج أخت ملك بلجيكا ليوبولد عندما تقدم نحو فصيل الإعدام صافحهم و تقدم نحو من سيطلق النار عليه أشار إليه إلى موقع القلب و قال” صوِّب بدقة”. لأنه قرر بطريقة مبتكرة التغلب على الموت بقهر النسيان عن طريق أصبع واحد يري قاتله موضعَ القلب، مبتكرا بذلك طريقة لوداع الحياة تجعل الكل يتذكر أنه لم يرفع قبعته رهبة من الموت، بل قرر أن يصنع من وداعه للدنيا حدثا يطيب فيه مزاج من يسمع بموت حدث بهذه الكيفية، و على نحو يتخطى قدرة من يأخذ منيته كأمر مسلّم به فيظل يتذكرها. حتى ليعجب الأحياء قائلين” هل يا ترى مات هذا الرجل عدة ميتات؟، من أين له إذن هذا الفائض في المراس الطويل مع المنايا، كمن قضى سحابة حياته نزيلا في مساكن تقع في منطقة الخطر الدائم و مقارعة الموت؟ و إلا كيف تسنى له جعل وداعه للحياة استثناء ملحوظا؟”. ثم يمضي نفس الرجل متسائلا” أما كان من الأجدر بالقاتل أن يمارس لطفا علينا بأن يدع الرجل الذي اسمه متّي يطلق تصريحين لينحفرا في عقولنا ليظلا خالدين مثل كهفين في جبهة جبل؟”. هناك شخص واحد يرتعب على الدوام من قوة جنان الشجعان أسمه أبو الروض قال و قد أصابته الرعدة” أجل أفلح الحوت في ابتلاع يونس و لكن هل وفق في وأد ذكراه؟”. هذا الرجل يدَّعي أن هناك تبعات حتمية يدركها القاتل إن هو سمح لهذا الرجل و غيره بالكلام. فإن سمح لإلقاء وداع للحياة فستصبح لكلماته تبعات حتمية تثير فزع من ينتظر دوره ليغدو قاتلا. فهي أشبه بنتف من أغاني تواصل التعرف عليها و ترديدها جمهرة من المستمعين، و ستعطي المجال لروايات و أشعار ستزدهر بها سلالة الشهداء التي ستتحول إلى ما يشبه شوارع تحمل أسماء قديسين ماتوا و حاول القَتَلة طلي سجلات أسمائهم بالورنيش. مر الزمان، و تساقطت قشرة الصبغ و ظهرت حروف الأسماء القديمة لامعة تؤذن بعهد جديد. أجل تقوم الطبيعة بأفضل ما تستطيع. فقوانينها لا تتقادم، فهي من سنت قانونا شرّعت فيه أن الضبع لا يحل أبدا محل الهزبر. نعم القاتل ينصرف بكليته لمنع خلود قتلاه. هذه هي الفكرة: القاتل يعتبر الضحية وحشا يريد التهامه. و عليه قتله قبل أن يسمع أحد تردد زئيره. حسنا لماذا؟.
•    لأن انتصار الضحية مدعاة لانهيار الأساس الذي تقوم عليه تراتبية الكون. لو وصف الشهداء طريقة موتهم مرفقة بتفاصيل تثير هلع الأحياء الخانعين، لكان الخاسر الأكبر هو من أشاد الكون و سمح بحدوث ذلك عندما أقسم يمينا مغلظا أنه سيضع كل من ارتكب قتلا بدون وجه حق في عداد خصومه، و ستتلمس نار الدنيا طريقها إليه. هكذا إذن، القَتَلة على حق لأنهم يسعون لحماية ناموس الكون من الثأر الدموي للضحايا.
•    إن عدنا لهذا المدعو أبو الروض الذي فشلت ملكاته الفكرية في استيعاب وجود بشر لا يغذّون النار بغير الوقود، و لهم سلطان قليل على مهجهم التي يعاملونها كأعداء يقطعون عليهم طريق الفرار أبان المواجهات الكبرى، فأنه يدّعي أنهم بشر ابتلتهم مصيبة مردها أنهم يعانون من وجود فيض في طاقة جعلتهم يكلمون الدنيا بأقسى لهجة و كأنها عليها سداد دين لهم عليها.أنه يقول”أنا أبحث عن ذلك الشيء الذي هو أبعد من النظرية التي آمن بها و جعل ذاته أكبر منها. ذلك الذي استيقظ يوما في عقل سبارتاكوس، تشي جيفارا و يوسف سلمان يوسف/ فهد… جعلهم يحيون وفق سنن شرعوها لأنفسهم.فالشجاعة، الرغبة في المغامرة، الميل نحو الاشتباك، كلها تشبه لديهم إدمانا ليس له علاج. يظهر لديهم ميل لإبراز ذلك الفيض الذي، عندما يتخطى الحدود و يعجزون عن لجمه، يتحول إلى شبق يدفعهم لأن يصنعوا منه فعلا مدويا يفوق المألوف، إقداما يصم الآذان و كأن ما يقومون به قد ولد معهم أو أن آبائهم دربوهم عليه. يروح من يحمل هذا الفيض إلى البحث عن مجال يُظهر فيه هذا الفيض الجسيم، و الذي يعدّه الآخرون،خطأ،قدرا كتب عليه. هؤلاء الرجال الذين تنتابهم الغبطة وهم يسعون للوصول إلى موضع لم يصل إليه أحد من قبل، و سيصيبهم الغيظ عندما يجدون أنهم ليسوا كفؤا لما صنعوه في خيالهم من تحديات، فيعمدون إلى زيادة ما لديهم من جرعة في القوة ليخوضوا غمار المواجهة التي تتغلف بسحر تجعلهم يشعرون فقط بأفضليتهم عندما يدججون أنفسهم برغبة للتحدي، غير متسائلين عما سيؤول إليه مصيرهم. يكرهون التسويات الودية، و ينوشهم الغيظ إن جنحت المواجهات إلى يسر، لديهم ضرب من نرجسية لأناس لديهم أيمان راسخ بقواهم و يسعون لأشهاد الناس على ما يمتلكون من جنان يحوز على معدات كاملة من شأنها أن تفكك المهام التي تفوق صعوبتها كل مدى.
•    لم يتساءل ماذا عسى أن يؤول إليه مصيره، لأنه كان يشعر بوقع قدوم الموت، لكن خيبته بلغت من حدتها مبلغا عندما رأى شيئا ما يفتقر للجدية و بما لا يتفق مع وضعه المقبل كشهيد. ليس لأنه لم يكن هناك من أحد ليشد من أزره أو يخفف عنه، بلعندما لم يطف بتصوره أنه في لحظة الاستشهاد لن يكون هناك من أحد ليدون ما سيقول، و ما هو أشد وطأة عليه أن القاتل ضبطه متلبسا في الرغبة في قول شيء يثبت جدارته بحمل لقب شهيد. فبادره إلى القول” لن يكون الأمر كما تتمنى. ستذهب إلى ما هو محتوم، ولا نسمح بإحداث ضجة عن طريق إضافة أي تفاصيل”.
•    لشخصية الرجل حدود واسعة تتجاور مع مملكة الشهادة. حذرت زوجته ابنَها قائلة” سوف ينتهي والدك شهيدا. تذكّر ذلك”. ارتكز يقينها على طباع لديه تعرفها. منها أنه كان عنيدا بالفطرة و ليست لديه عادة الاحتفاظ بقناعاته لنفسه. ناهيك- كما تقول- أنه مثل صوفي مثقل بعبء مجاهداته. – و ماذا غير ذلك أماه؟. – أنه رجل لم يخلق لأوقات سطحية و لم ينحن أبدا سوى تحت دعامة باب قصير.- و غيرها؟ – كان يردد في الصباح ” يوم آخر يجيء”، وليس” يوم آخر مضى”. – هل من مزيد؟. – كثير من الخصال لا يفاخر بها برغم أنها مواهب يُغبط عليها الرساليون: تحمل الأذى، حفظ الأسرار مثل ميت سمّر غطاء النعش عليه. و من ذا سواه يحفظ العهود يا ولدي؟. كان ذلك ما أهلكه. بصراحة إن وضعت أيامه على الطاولة و تفحصتها ستجد أن اليوم لديه أشبه بملبس يلبسه جديدا في الصباح كي يسلمه مخروقا عند انقضائه في منتصف الليل. من هنا فهو قد ضحك كثيرا وهو يردد” نلبس الأيام جديدة في الصباح و نسلمها منسولة في المساء”. قالت- نعم كان يعيش مواجهات صعبة. لهذا غدا، من كثرة ما واجهه من بلاء الأيام، بارعا في إبلائها.
•    منذ ذلك الوقت باتت لدى أبو الروض رغبة في معرفة شيء عن هذا الشخص الذي اختار أن يكون شهيدا دون تطبيق قواعد الشهادة عليه: أن يتم تبجيل طريقة موته، أن يرد دائما ذكر لطريقة حياته و شكل موته. مات دون أن يقول أحد شيئا عن تجربته في الموت التي تكللت بالنجاح. القاتل يقول هو موت كباقي الميتات و القتيل يقول أنها معلومة ناقصة أن تضعني مع الأموات. لو كنت تعرف ما كنت أهوى و أود فعله لما قلت ذلك.
******
نقلا عن أبو الروض فأنه قال أنه حاول أن يغذي عدم رؤيته له برسم صورة تشبه ما يقوم به فنان يقوم برسم بورتريت  لشخصية تاريخية يزين بها كتابه عنها من معلومات يستقيها مما كُتب عنه.” لم أره و لكني شرعت بترجمة صفاته إلى صورة كما يلي: سأختار له وجها مستطيلا كوجوه مودلياني التي لم يخطر لها غير الحزن و الشعور بالخطر على بال. ليس حزنا من النوع الذي يجعل الوجه مكفهرا أو من النوع  يكسب حامله شفقة، بل، و لأنه غير قادر على حجبه بتكلّف سعادة مصطنعة، يستحث فضولا إن كان هناك أمل بقرب تلاشيه، حتى ليهتف من يشاهده من شدة الالتباس بتعرضه لمكروه” تغلّب على أحزانك يا سيدي”. سأختار له قواما نحيفا لأنه لا يصلح أن يكون نهما، يجعل لجسده مطالب عليه. فهو يعرف أن ليس لدى الجسد سوى مطلب وحيد إذا جاع، حيث يصدر ضوضاء إلى العقل على شكل استغاثة لمستغيث و الرجل يقلب عينيه في الجهات لكي يجعله متخما. سوف لن أضع لونا لبشرته لأنه بعيد عهد بالأرق. فلياليه تتراوح بين التورد و بين لون عود الثقاب حسب نوع العذاب الذي يعانيه و الفرحة لوجه يحمل مسؤوليات وفقا للأنباء التي تأتيه من القارات عن صحة الثورة العالمية و الصعاب التي تجابه زحف الكادحين للوصول إلى جنان عدن. سأجعله  يرتدي نظارة بزجاج دائري صغير من النوع الذي يضعه جيمس جويس على عينيه، لأنه يحب قراءة الكتب التي تجعله يفكر بما لا يفكر به آخرون كثيرون غيره. و سأسكنه في منزل متواضع فيه ركن يحتوي على كرسي و منضدة صغيرة، أين ينزوي فيه لقراءة الكتب و الأشعار و ممارسة نزوات فكرية يتعاطى فيها الخيال عن شكل مجتمع سيأتي و سينظّم شؤونه حسب قانون من” لكل حسب قدرته” إلى” لكل حسب حاجته”، و هناك نبرة من افتخار تعم كيانه مثل طفل يدخل مرحلة مراهقته الأولى، رافضا تأجيل تنفيذ أحلامه إلى يوم الغد. سأجعله ولوعا بارتياد السينما. و سأجعله يذهب لعروض الساعة الواحدة و النصف ظهرا في قاعات السينما الرخيصة، متى يخرج بعدها متلبسا دور البطل. و مما يزيد من تأجيج بطولته الحرارة اللاهبة للشمس في الخارج مقارنة بالقاعة المكيفة في السينما. دار العرض تلك التي يشاهد فيها الأفلام تختص بعرض الأفلام الهندية و العربية. كان يحب الأفلام ذات النهايات غير السعيدة ليسنََّ عليها إرادته بجعلها سعيدة. ربما في قاعة العرض تلك شاهد سعيد مهران يموت في نهاية فلم اللص و الكلاب، و شاهد رجال الشرطة ينفثون سجائرهم قرب جثته. عندما شاهد شكري سرحان الميت رماه بعين مشفقة. و بما أنه شخص تسعده مفاجآت التراجيديا فقد تقدم خطوة و شاهد نفسه تأخذ عهدا بأنها هي سعيد مهران و أنه هو المقصود بالقتل. فكان على شفا البكاء عندما رأى ما يثير  الألم أو الغيظ: سعيد مهران يتمدد ساكنا على الأرض لا هو بمتزوج حبيبته نور و لا ابنته سناء اعترفت به أبا. لقد تعلم أن يتوحد مع الشهداء و لا يتساءل إن كان ما يراه يحدث في الخيال. وكان بيته ليس بعيدا عن النهر. سوف أغض الطرف عن وضع عائلته الاقتصادي خوفا من إجباره على العمل بعد الدوام المدرسي لإعانة عائلته. سأنقل فقط ما تذكّره جاره عنه و الذي كان يتبادل التحية معه كل صباح وهو يجهل مهنته. قال بعد شيوع نبأ موته” لم يكن من الصعب تمييزه من طريقة سيره. و برغم أنه لم يكن يضع أنواطا تميِّزه على صدر معطفه، فقد كان يحوز على قدر غامض من التأثير يفتح الشهية لمعرفة وضعه من شدة تحوّطه. ذلك ما فتح شهيتي لمعرفته فتحول إلى مصدر غموض أكثر، لم أعهد أحدا يماثله. لم أتسائل إن كان من أصحاب المقامات العالية، أو إن كان سعيدا أم تعيسا، أو إن كان سيدا أو أحد تلامذة يسوع، بل ما كنت أبحث عنه هو ما يحوز عليه و ما استغنى عنه . كانت السحنة التي تلائم طريقته في السير ألا يكون مهموما يعلو وجهه اصفرار، لأنه سبق و إن تشبع بالخيال من كثرة ما قرأه من أشعار كما فهمت. عندما عرفت أنه شيوعي أدركت أنها المهنة الأشد غموضا في العالم. نعم أن تنشغل دون تكليف من أحد و تقسم أغلظ أيمان بإزالة فقر الآخرين. الأمر يشبه أن تتعهد بتبني حمل صغير افترس الذئب أمه. نعم الأمر يشبه نزعة من طيش لصنع مستحيل، كمن يمسك مروحة صنعت من ريش الطاووس لإنضاج لحم يستقر على جذوة نار ملتهبة، أو قل من دخل بيتا يعمر بوحوش الغاب، أنزل رتاج الباب خلفه و أنشأ يقاتلهم بسيف من ذهب”.
يتابع أبو الروض قائلا” أثمرت محاولاتي لمعرفة ما يلزم عنه. عندما التقى بمن يدعوه للانخراط في عمل سياسي وجده ينتظر قدومه لأنه، كما قال، كان موعودا بأن يجيء له أحد ما. تعجب ذلك الرجل. عندما لمح الدهشة على وجه ذلك الرجل الذي قال له” أنت مثل عامل ماهر عندما استدعاه صاحب الورشة ليعمل فيها، مقترحا عليه دروسا تعليمية رد عليه أنا أعرف الصنعة و لا أحتاج سوى لتوجيهات”. كان هذا في معرض تذكره للقائهما الأول بعد مرور عدة عقود. أضاف الرجل” عندما رأيته لأول مرة فأنني لم أشاهد فتى من شدة ضجره يعلك عودا من الكبريت و يقذفه إلى الخارج فيما هو يسير لصق الجدار. كان أحد الطلبة المتميزين تميز يوم ربيعي يهل من عمق الشتاء. تعرفت عليه بنفس الطريقة التي يميز فيها راهب خبير من له مستقبل زاهر في سلك الرهبانية. و عندما انخرط في العمل دهشتُ، بعد مرور شهر واحد، أنه لم يمر في مرحلة راهب مبتدئ بل كان كمن حفظ منذ الولادة الكتاب المقدس”. سألته- كما يزعم أبو الروض- أن كانت الصدفة هي من ساقت متّي إليه اعترض الرجل قائلا” كلا أنا من ساقني قدري إليه”، – و كيف لاح لك بعد أول لقاء؟،- كمن يقرب يديه لنار المدفأة. ثم ردد هذا الرجل نفس ما قالته الزوجة” قلت في سري: تذكَّر أن هذا الفتى سيكون شهيدا”. استرسل هذا الرجل في الذكرى قائلا” عندما يشاهد ما يستدعي الحزن فأنه لم يكن يبكي بل يعبر عن ألمه بصمت طويل. كانت آلام الآخرين توجعه. و مع تقدم الوقت كنت اضبطه متلبسا في الأسى طوال الدرس غير قادر على مبارحة تلك الحال. و عندما شاهدت دوام إطلالة السخط و المزاج العكر على محياه قلت له” يا متّي أيا ما يكن نوع حزنك فستعود مستنفذ القوى و سيضاف إلى الحزانى حزينا جديدا. رد علي متسائلا” لو كنت مكاني ماذا ستفعل؟”. قلت له” سأختار أن لا يكون هناك ثمة حاجة لمزيد من الحزن”. أجابني بوجه له سيماء الجدية” هل تنصحني بطريقة لا يكون فيها قلبي مكبا لنفايات الحزن”. قلت له” ليس لدي لا ديباجات جاهزة و لا دواء لتسكين الكروب، بل أن نعيش وقتنا طولا و عرضا من أجل المحرومين”. يستدعيني الإنصاف أن أقول أن وجهه انكمش بتقطيبة خوف و قال” ماذا؟ هل نمضي السنين من أجل هذا؟”. أجبته” و الحياة أيضا إذا تطلبت”. عندما جاءني في اليوم التالي قال أن النوم لم يعرف طريقا إلى عينيه. كان صادقا فقد شاهدت انتفاخ عينين جافاهما النوم. تسائل” ما عساه أن يكون الوقت اللازم ريثما يؤذن عهد جديد بدون آلام؟”. قلت له” نعم صحيح نحن مجموعة من الفلاحين، و لكننا لا نعاهد زبائننا أن موسم جني المحصول قريب”. استنفر ذكائه وهو مواظب على النكد و تجهم الوجه ثم قال كمن خطرت بباله الفكرة” لربما نفضي إلى ما هو محتوم إذن.” قلت له” لقد رويتَ الحالة بما يكفي من الدقة و يسرتَ عليّ الرد”. قال بوجه لا يفتقر للجدية هذه المرة بعد أن التقط مغزى كلامي” أن نتحول إلى أشخاص ينطوي وجودنا على تهديد لطبقات أخرى”. و كما لو أن ما قاله قليل كي يضيف” أمر ينطوي على أهمية لنا أن يتحول وجودنا في عيون أعدائنا إلى خطيئة لا تغتفر”. كانت عبارة كأنه التقطها من كتاب العقب الحديدية لجاك لندن و ربما و الفولاذ سقيناه لأستروفسكي أو غيره. ثم لم يتساءل بعدها عن أي شيء. فالوقت ليس وقت فضول. مثل عامل انخرط في العمل بعد رفعه لكمي قميصه حتى العضدين ليتدارك ما فاته. في غمرة عمله كنت أشاهده يشقى في العمل و ينجزه بطريقة لا تقتضي إضافة من بعده، فأقول له: آه أنت تعرف المهنة أحسن مني. كان يجيبني بعبارة ” شغل فيه أجر يستحق العناء”. كان يعمل كمالك يعوّض ما فات لأنه  التحق بعمله متأخرا. كان أهلا لكل عمل أنيط به تنفيذه”.
” تذكر هذا الرجل أنه شاهد متي يقرأ عن الخارجي شبيب بن مزيد الشيباني. ” ماذا لديه يا متّي لتتعلم منه؟”. كان شبيب مصدر عون له و الذي سيساعده في انجاز الكثير في مهماته الأخيرة في الحياة. كان يقرأ عنه في كتاب مفضل لديه معلّم بورقة حمراء، كي يكون سهلا عليه العودة إلى القصة التي يظهر فيها شبيب متقدما جنوده الأربعين بفرسه الشهباء تتبعه زوجته غزالة التي كانت قد رأت في نومها قبل أيام أنها تصلي في مسجد الكوفة. لم تقل عبارة من قبيل” هل يمكن لك أن تحقق منامي؟”. عندما أطرق شبيب كانت غزالة تعرف أنه يفكر من أي من الأبواب سيدخل. ارتقى الطريق العام برغم وجود دروب فرعية ملتوية متحدثا مع جنوده بصوت مرتفع وهم يحثون خيولهم على السير بسرعة كجياع مسرعين نحو وليمة. دخل من باب المسجد الكبير المرتفع طاردا الحرس بإشارة من سيفه كطبيب يدخل غرفة العمليات الجراحية تاركا زوجته تسجد على منضدة العمليات وهي سجادة عارية لتجري المبضع على جسد الحجاج تزيل منه القلب، و شبيب و مجموعته في  الخارج يسمعونها بعض النوتات الحماسية التي يعزفونها بصليل سيوفهم. عندما أنهت عمليتها أومأت لشبيب و عصبته الذين رفعوا سيوفهم و الدم يتناثر على أنصالها  بعد أن أعملوها كجراحين عريقين في أبدان قواد الحجاج الذين تشبعت لحاهم بالدماء، مرددين، بدون إحداث صخب،  ما سبق أن قاله قبلهم الإمام الحسين بن علي”لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا/ و لكن على أقدامنا تقطر الدما”. خرجت غزالة كملكة متوّجة. لم تقل شيئا لشبيب من قبيل أشكرك بذلت قصارى جهدك، لأنه سبق له قبل يومين أن ردد عبارة توكيدية” قلتُ ستصلّين، نعم ستصلّين”. حتى لو قالت تلك الجملة لم يكن ثمة من إجابة لديه سوى” ألست تعرفين أن معاقرة الأخطار هي مهنتي في الحياة. ثم ألم يصلك فعل أمي عندما ولدتُ و كيف قامت بحفر أسمي على لحاء شجرة توت معمِّرة في البستان القريب”. نعم اندفع شبيب إلى مسجد الكوفة أغلق الباب و الأعداء يلطمون على رؤوسهم و يقولون” يا لنار جهنم. هيهات أن تسير حياتنا على خير مع هذا الفتى”. عندما دخل تعرض المسجد، الذي يرمز إلى هيبة الدولة، إلى ظلام جعلت الحجاج يصرخ” و لكن من أين تعلم هذا الفتى الخروج عن المألوف؟”. أجابه أحد قادته” يا أيها الأمير وراءه شخص لديهنفوذ”. ” و من ذا الذي يقف خلفه؟”. ” قلبه سيدي الأمير”. لم يتصرف شبيب و مجموعته تصرف القراصنة و هم يغيرون على سفينة في البحر ينهبون دنان الخمر و يدفعون بأرجلهم الناجين من المذبحة ليغرقوا وهم أحياء. ذلك كان بالضبط ما فعله قتلة متّي الشيخ”.
من الأمور ذات الدلالة ما هو معروف عنه، أنه عندما ينام كانت طاولته تتسم بترتيب ينم عن عناية و حرص لاستقبال صباح جديد. لأنه متأكد أن سيجلس خلفها غدا. لا يحتفظ بيوميات. عوّضها بذاكرة من اسمنت و حديد. مكتبته تحوي روايات و مسرحيات و دواوين أشعار. هناك مسجِّلة قديمة تحوي أشرطة و غرامفون الذي غالبا ما تنبعث منه أغنية يسمع فيها عفيفة اسكندر تردد” قيل لي قد تبدلا”. كان ينصت بإحساس كمن يستمع لأول مرة للمقطع( قيل غال وصاله/قلت لمّا غلى حلا).

*******
عندما آذنت الثالثة فجرا في صبيحة الرابع عشر من شباط لم يعد موجودا. لم يسمع صوت الرصاص سوى مجموعة من الموقوفين،و برغم وجودهم محشورين في غرفة بلا نوافذ سمعوا الطلقة و الصرخة. في الساعة الثالثة كان شيوعيا في الساعة الثالثة و ثانية نفض عن كاهله ثقل التسميه التي كرس لها نفسه بكل نشاط. و ما كادت تمضي ثانية أخرى حتى لم يعد وجوده ينطوي على تهديد لأحد. هل فكر أن الغدارة سحبت لإفزاعه؟ ربما تأكد أن الأمر لم يكن مزحة أو تخويف، لأنه شاهد، وهو يستخدم حواسه لآخر مرة، جسده يتدحرج مثل حجرة. لم يسمع أحد منه غير هتاف” عاش الشعب”. يقال قبل الموت بثواني يلمح الحي الميت شكل ملاك موته على هيئة رجل يرتدي معطفا أبيضا و يحمل كفنا؟.ماذا رأى متي الشيخ؟. هل عاجله القاتل بطلقة لم يتسنى له معها رؤية ملاك موته؟.
صار متي شهيدا. حسنا ماذا يعني شهيد؟. أن يقف المرء بغتة على اكتشاف أنه يحمل أمانة فيتخذ المرء قرارا بدون أن يكلفه أحد بأن يقدم على تبني فكرة مؤداها أنه حامل لأمانة. ما هو أهم أنه يعتقد أن حياته فاقدة للشرعية إن تخلى عنها. عندما يقال له- و لكن الأمر ليس مزاحا يا متي. ستموت. أنه ببساطة ليس بوسعه الرد. لأنه غير قادر على لجم ما يحدث من موار في داخله. إذن قبل الثالثة فجرا سيكون الشخص الذي كان: رجلا، مسيحيا، متزوجا، أبا لأطفال، وطنيا، شيوعيا. الآن ينام متيبسا و يقال عنه شهيد. هناك من يقول كان ملحدا، خائنا. هناك من سيرتدي الحداد عليه، و هناك من يشعر بأنه أدى مهمة… لكن لا أحد قال شيئا عن شكل موته. لا بل لم يقل أحد كلاما فيه نوع من العرفان. لم يكن مريضا أو مشرفا على الموت كي يموت. كان ينهض صباحا يستمع إلى الموسيقى، ثم يقرأ كتابا و أشعارا على طاولته. ليس هناك ما هو أسهل من اقتراح أسماء مجموعة من الكتب عليها. أنها آنا كارينينا، و الفولاذ سقيناه، أشعار ناظم حكمت، الدون الهادئ.ربما عندما قرأ عن انتحار آنّا قال لها” يا آنّا العالم يفيض بالأفكار كيف يمكن للمرء أن يقصر حياته على مزاج رجل؟ يا للغرابة. كيف نسمح لفرد أن تمر حياته قبلنا؟. يا آنّا تتلخص مأخذي عليكِ في أنكِ بدلا من أن تكوني من خيول الطليعة اخترتِ أن تكوني نعجة غبية”.ثم يمضي إلى العمل. لم يكن يعرف أن هناك من قرر أن يعلِّق على رقبته لافتة كتب عليها” رقبة تستحق الموت”؟. و إن تسائل لماذا أنا؟ سيقال له: لأنك ملحد، و لديك سيرة ذاتية فيها تشير إلى مهنة تدعم توجهنا لإزالة حضورك البشري. أما الآن بعد الساعة الثالثة فجرا سيجد من يبحث عن نوع مهنته أن الخانة أما خالية، أو كتب مقابلها عبارة مهنة تفتقر للجدية. و إن استنفر أحد ذكائه سيكتب” مارس مهنة جليلة و لكن زمانها ولّى”.
ما الذي يا ترى دفعه لتوجيه الملامة لآنا كارينينا؟.لأن نظرتها إلى العالم تفتقر للجدية، و لأنه كان يرى العالم و قد تحول إلى ميدان عمليات فأضحى وجوده في حالة من يقظة دائمة، بسبب ما كان يصل إليه من لهيب الصراعات القارية التي يخوضها رفاقه وجها لوجه مع مظالم التاريخ. و الذين ما إن ينفضوا أيديهم عن معركة حتى يوجهوا تطلعاتهم نحو ميدان جديد في الفضاء المفتوح و هم عراة حتى الخصور، لا يتسربلون بزي غير البراءة، مرددين مقطعا من البيان الشيوعي عن البرجوازية التي تصنع بيدها حفاري قبرها: الكادحين الذين يحاربون بأيديهم العارية السماء. أنهم الفتيان الذين سيعيدون للعالم فتوَّته، الذين لا يعترفون بمناطق محايدة لأنها حجة للفرار من حتمية الصراع.
*******
إليكم ما يقوله هذا المدعو أبو الروض وهو يحاول، في مقتبل سنة 2012 أن يكشف مدى نصيب تلك الشهادة من الجدوى.
كل شيء قد تغير. لا أحد مهتم. هكذا فهذا الرجل المسمى أبو الروض الذي اتخذ لنفسه مهنة تدوين و توثيق- كما يقول- تاريخ الشهداء، وجد أن الشهداء لا يُحسب لهم حسابا. الكل يشيحون بوجوههم عن ذكراهم، و تنقص قضيتهم الكثير من المسوغات لكي يقبل أحد ما بمجيئهم هذا الأسبوع و ما بعده. فقد حصل على تفصيلات زادت من قناعته بأن نوع الشهادة الذي يروم توثيقها قد ولى زمانها. أصبح الآن لديه المزيد مما يقوله. ليس عن اليانكي الذين أحدثوا فتنة طائفية و أعطوا للطائفيين المستفيدين من احتلالهم الحرية في تحويل البلد إلى مكب للأيتام و الأرامل و الشحاذين مع تحويل موارد البلد إلى ينابيع للسرقة على يد تلك العصابات التي تقاتل من أجل وطن صغير على مقاس طوائفهم، الذين قال عنهم الجواهري: مخربون يخربون بلادهم/ و يكافئون على الخراب رواتبا. و ليس أيضا عن هذا النوع من الخراب المذهل و المنظم الذي كان يمكن لسكان هذه القطعة من الأرض وقفه، و لأنساكنيها( الذين تم ضبطهم عدة مرات متلبسة في سلوك أكثر من مريب) اندفعوا مستخدمين كل ما لديهم من سلطان، ليس لتحسين نوعية حياتهم، بل بتقرير شكل هلاكهم و بدون أدنى غصة في القلب لمن يقودهم.
بعدما قال شفاها ما قال،ها هو أبو الروض يدوِّنكتابيا ما حصل عليه من نتائج بما يكفي من الدقة.
عندما ينهار النظام القديم تنهار معه ألقابه. و عندما يتلاشى حملة تلك الألقاب  لا يعود من مبرر لوجود من يوثِّق تاريخهم لأن مهنهم التي برعوا فيها صارت من التاريخ. لقد دفعوا حياتهم  ثمن معرفة خلقت لديهم إدراكا  متسلِّطا جعلهم يرزحون تحت عبئه ومؤداه أنهم نافعون في مكان ما و جبهة ما، برغم معرفتهم أنها مهنة على جانب كبير من الخطورة . و ما أعطى لمواقفهم نوعا من الزهو ضخامة جبهة أعدائهم الذين كانوا يتراوحون من الامبريالية العالمية إلى أذنابهم المحليين. وهي مواجهة لم يعهد أحد غيرهم الإتيان بمثلها. خلقت المطالعات فيهم ذاتا جديدة تشبه أرضا قام بشرائها مالك جديد أنشأ فيها بيتا مجهزا بأثاث، فلم يعد يهوى إلا السكنى فيه. كذلك خلقت القراءة فيهم مسوغات لنوع من حياة وجدوا فيها، من كثرة تكرارها مع أنفسهم، ما يشبه جدارا تجلس أو تقف كياناتهم بمجملها ساندة ظهورها إليه. فغدوا من شدة تآلفهم معها أشبه بمواليد سيامية اعتقدوا أنها جاءت معهم من نفس الرحم، فباتوا على استعداد لأن يستجيبوا للقدر المشترك الذي يلزمهم بالامتثال، كما في الحياة، لقواعد الموت المعهودة لهذا النوع من الولادات. هكذا نظروا إلى أنفسهم كعصبة من مؤمنين كتب عليهم أن يقاتلوا الوثنيين، فأقبلوا مروّضين أنفسهم على قبول و تنفيذ تلك التكليفات بسرور، مقدرين بدقة بالغة ثمنها الذي قد يستهلك مجمل حياتهم. فكان سلوكهم يتلخص في أن الطريقة المثلى للتشبث بالحياة تتلخص في مجابهة الموت. كانوا كمن يستطعمون ثمار الغابة فقط عندما يوقظون الغول النائم فيها، حيث يمثل قطف الثمار أمامه انتصارا لهم على عجرفته مؤذنا بحقبة تحرير البستان من سيطرته. هكذا كانوا يرددون: النصر خطوة تبدأ بقضم تفاحة أمام أنظار وحش الغاب. بمرور الوقت صاروا يبشرون الأحبة، وخاصة أمهاتهم، بموتهم الوشيك بأغنية يترنمون بها وهم على مشارف وادي الموت: يا أمي لا تبك عليّا/ أنا المناضل يا هنيّا، التي تعني: يا لسعادتهم لأنه راحوا يتواطئون مع الموت ضد أمهاتهم. فالموت – لديهم- قرار بيد من يموت، و ليس، كما يسود الاعتقاد، جرس معلق برقبة كل حي، وهناك من يمسك نهاية خيطه بيده و يقرر متى يحين الوقت لقرعه إيذانا بانتهاء الدور تمهيدا لمغادرة المسرح نهائيا. أمدتهم، صورة تلك المواجهة وهم يتداولون شكل موتهم في خيالهم، بثقة عادة ما تعمر قلوب المجرمين الرائعين الذين يقررون رفع نسبة تحديهم للقانون، لأن الحصيلة التي ستحدثها طريقة خروجهم عن القانون و دوي جريمتهم ستجعل صورهم في صدر الصفحات الأولى. و إن فات أحد مغزى هذه الجريمة الاستعراضية و التي فيها الكثير من التراجيديا و الجمال النادر سوية، و الشبيهة بجرائم زورو، و عاد إليها سيجد أنها كالجمر يزداد تضرّما عند معاودة النفخ فيها لأنها عمل يشكل مادة للملاحم التي تعلو علىالأفهام: زمرة تقوم بتبذير أثمن ما تملك بسخاء و على هذه الدرجة من الرعونة التي لا يوجد ما يشابهها من قرينة بارزة فيما سلف من حقب، سوى انتحار مقاتلي جيش التوابين، الذين لم يعد هناك من فضاء يشيحون بوجوههم إليه بسبب ما تعرضت له استقامة شرفهم من ثلم، و الذي سيعوضون خذلانهم لسبط الرسول بإقدام يزيل تلك اللطخة. تلك هي نتيجة يقتضيها المآل النموذجي لمن يتخذ التزاما عليه أن يؤديه على وجه التمام لكي يثبت لنفسه صدق اختياره حتى و إن جنحت الأمور إلى العسر. هذه التي يقول عنها المؤمنون” ابتلتني مصيبة و أنا راض بحكم الله و سأكافأ على أيماني”، و يقول عنها الثوار” ستكافئنا الأجيال  المقبلة فهزائمنا ليست سوى نصر مستتر، وسيجري الحديث عنّا نحن الغياب عند اجتماع الأحباب”. هل هي جملة مسرحية يقولها الشهداء للتعالي على واقع مبتذل؟. هل هم يعتقدون بذلك الوهج الغامض الذي يرون فيه حملة المشاعل يرفعون صورهم، ليس للتفجع عليهم، بل لإسداء شكر على ما آلت إليه أحوالهم من يمن بفضل صنيعهم؟. أم هل يقولوا ذلك ليذهبوا عن أنفسهم الخوف؟. تأسيسا على ما يحدث الآن فأن فما نكتشفه هو أنه كان استشهادا منحه الشهداء وفق شرط ألا يتذكر أحد صنيعهم في الدنيا. و لمن لديه شهيد من هذا الطرف سيقول: نعم هناك ذكر للشهداء الآن و لكنه مقصور على شهداء أرجح كفة من شهدائنا لأن الجود بالأنفس ليس أقصى الجود. فهؤلاء ليسوا شهداء. حتى أنه لمثلبة أن يتطاول أشخاص كمتي الشيخ أو سلام عادل أو صالح العبلّي أو حسن عوينة أو حمزة سلمان أو  جمال الحيدري أو محمد الجلبي أو رحيم شريف أو صبيح سباهي….. على مرتبة شهداء الطوائف الإسلامية ليختطف اللقب منهم.
*******
عندما خرج متي في ذلك الصباح كان يدرك ما الذي يحتاجه بالتحديد. مثل مؤمن يقول في كل صباح” رباه أنا أسألك العزم على شدائد الدنيا”، لأنه يأخذ كل يوم من أيامه على محمل الجد، لأنه لو كان غير ذلك لأستمر في نعاسه الطويل، و لما نهض في الفجر لأداء فرض واجب عليه. كانت له هيئة حزينة أشد حزنا من أكثر الحزانى. عندما استيقظ في ذلك الصباح و الدنيا لما تزل تمطر تعجَّب أنه لم يكن في عجلة للخروج. كان مغمورا برغبة في الراحة التي عادة ما تغمر عاملا لصنع السكاكين يصنعها و يجرب أنصالها بإبهامه الذي لم يبرَأبدا، لأنه لم يكن يمتلك فرصة لا تترك فيها السكاكين آثارا على أصابع يديه. لكن متي خرج هذه المرة ليقيس مستوى المطر كي يجد حجة للبقاء في البيت متعللا بوابل الأمطار. كان المطر يسقط مقوسا. فاجأه برشقة على وجهه كأنها انطلقت من مسدس لبخ الرذاذ، لم يعطه الوقت حتى لستر عينيه. ارتعش لبضع دقائق. أوغل البردالجليدي في مسيرته البطيئة إلى جسده وهويشاهد شمس شباط تختفي بسرعة. عاد إلى البيت و شاهد من سطحه الضوضاء على شكل شرارات تصاعدت من مبنى وزارة الدفاع القريب. ثم بعد فترة تحولت ضخامة النيران المنطلقة منها إلى ما يشبه ثعباناأخرجمن لسانه كل ما يقوى عليه من سموم الضغينة.خرج إلى الشارع و هناك خوف اجتاح كيانه فاق كل مدى، زحف إلى عيونه و هبط إلى منبتي القدمين محوِّلا،برعشة واحدة،لحظة عابرة إلى ذكرى لا تندثر. لسوف يثبت الموت بعد ستة أيام صدق قراره بالخوف من الخروج. ذهب إلى باب الشيخ، هذه البقعة التي تعايش فيها منذ قرون العرب مع الأكراد الفيليين كنموذج مصغر لما حدث  في هذه الأرض عندما شن الفلاحون من الخلاسيين و من الزنوج و سكان البلاد الأصلية، و كانوا كلهم عبيدا بدرجات متفاوتة، حربا على فئات الملاكين انتهت إلى هزيمتهم، فقام المنتصرون بحز الرؤوس و إطعامها إلى النسور و عدوه عملا مشروعا.
عندما ذهب إلى باب الشيخ وجد شبابا مستعدين للقتال بدون زي عسكري. تأثر بمنظرهم و هيئتهم القتالية التي تفتقر إلى معرفة بأصول القتال. قال لهم بشفقة كاملة” أنتم من سيقع عليكم…”. قاطعوه قائلين” نحن طوع أمرك سيدي”. عندما سمع كلمة سيدي تنطق بهذه الدرجة من التوقير أدرك أنها رتبة قلدها له أتباعه على عجل و بطريقة لا تخضع إلى استئناف،و لا أحد قادر من حملهم على تغيير قرارهم، و بطريقة لا تشبه غير تلك التي أعطاها الزنوح و الخلاسيون و العرب لعلي بن محمد. قرر، كما فعل صاحب الزنج،ألا يستبد به التأثر كي لا يتجاوز وقع لون وجهه على اندفاع أجناس شتى تتهيأ لغرز رماحهم في قلوب الأعداء. قرر ألا يختار لوجهه لونا صارخا، بل لونا شاحبا يشبه ما لدى القديسين من شحوب عندما يتوجهون نحو الاعتراف الأخير، غير نادمين على البوح، ساعات قبل مثولهم أمام الرب. وهو اللون الذي استحوذ على مشاعر مجموعة نحيلة من رجال ناتئي العظام، ما زالوا أبرياء على مكائد أعداء الوطن، برغم وجود معرفة غامضة أن هناك رياحا غادرة و أحقادا معتَّقة تحلق في الجو. و كي يؤكد شكوكهم كان يقول لهم” ينبغي أن يكون المرء مجنونا و أعمى كي لا يرى أن قسوة أبدية و أحقاد لا هدنة لها ستهيمن على هذه الوطن إن انتصروا” مشيرا بإصبعه إلى الطائرات التي تحلق في السماء. قال أحد الشباب” لا تسترسل فليس في الوقت متسع. لسنا بحاجة لا لأناشيد و لا حِكم”. كانوا أشبه بصيادين يرومون الاندفاع نحو البحر لأن موسم الصيد في أبانه. أدرك أن جنوده يحوزون على إقدام نصفه جهل و نصفه معرفة.قرر أن ينهي كلامه كي يتجه الكل مباشرة نحو النهاية التي تخيّم قتامتها على الجو، و على نحو يناسب يوما كيوم الثامن من شباط. توزعوا على مداخل الحارات بطريقة تشبه لاعبي الورق الذين يقررون،وفقا لما ما يجيء إلى أيديهم من ورق  كما اتفق، حظوظهم في النجاح. قاتلوا كأسود جياع محبوسة لليالي في حظيرة.من شارك في القتال و سمع ما قاله هوميروس أو المتنبي من عبارات غير مألوفة عن حروب الطرواديين، و معارك سيف الدولة مع الروم لقال أنهما لو شهدا ما يحدث لنطقابنفس العبارات دون أن ينقصا منها حرفا واحدا.
ماتوا كسمك تناول السم، فأوثقوا بشباك إلى قارب كي يرميهم صيادوهم في عرض البحر وهم يقولون” لا يصح لهؤلاء من مسكن غير قعر البحر أو قعر بطون أسماك القرش. السمك المهزوم لا ينبغي له أن يكون موضع تبجيل”. سوف يظل الشهداء طويلا في قعر البحر و في بطون أسماك القرش في نسيان ربما هو الأطول أمدا لمن يطلق عليهم تسمية شهداء، ما دام لا أحد يسقي شجيرات ورودهم بالماء. و حتى من يتجرأ و يتكلم عنهم فبصوت خافت.يقول أبو الروض كموثق لمسيرتهم”ما أرجوه ألا يكون الشهداء نادمين على خطأهم الأخير”.
حسنا من ذا الذي بوسعه أن يقول الآن من هو هذا الذي اسمه الثلاثي متي عبودي الشيخ؟. هل يصح عنه القول أنه في صبيحة 14 /2/1963 احتفل ليس بنجاته، بل باجتياز تجربة الموت بنجاح؟. و هل يصح القول إذن أنه كان عازما على الموت؟”.
الجواب: أنه غصن شجرة تين كان يبكي عزه الزائل و اتخذ وجهه سمت الأسى، عندما اعترت جسده رعشة وهو يشاهد، من ليس للرحمة في قلبه مكان، يسعِّر التنور ليرمي به فيه. عندها تذكر أنه كان يقف على شجرة وارفة يوفر ظلا كان السائرون تحت قيظ تموز يختارونه و هم يجعلونه هدفا من بعيد ليتوقفوا تحته. لكنه غدا الآن حطبا و ها هو ينتظر أن يلقى به إلى النار. ماذا سيأخذ معه؟ أوراقه التي لم يعد له شيئا منها؟ أم إدراكه المتأخر أن حياته كانت منذورة لوداع حزين لن يتذكره أحد؟. من يسعه تسجيل ردود فعل غصن التين وهو يتجه نحو هذا النوع من الهلاك الصريح، وهو يدرك أنه ذاهب ليتحول إلى رماد بدون أن يحصل على حماية من أحد و دون أن يذرف، من استظل به، دمعة عليه؟. هل سيتذكره المارة الذين أنجاهم من لهب شمس تموز ليحييه كل منهم باسمه بالقول: يا غصن التين سنختار، عرفانا بما وفرت لنا من ظلال عندما أثقل الحر علينا، غصنا من شجرة تين شاهدة على قبرنا و نقول: برغم اختناقك من وخمة الحر، فأنك، على الأقل، حاولت أن توفر لنا نحن السائرين ظلا، و لكنك لم تتحمل نزوات جمر تموز، نحن الذين قبلنا بقدوم المحتل و بحكم الطوائف و أصحاب اللحى، لنقل ببساطة، نسيناك.
*******
لماذا تبجل الأمم شهدائها؟ الشهداء يرفعون من درجة حساسية الشعب. الكلام يجري عن وجود نوع من العناد يفضل الرجل الموت دونه. ما هو أهم أن الكلام يجري عن الثبات على المبادئ. الأمم تتقدم بقوة المثال و ليس بتحويل الشهيد إلى طقوس لا يرغب أحد في مبارحة ترديد نفس أناشيدها كل عام، فتتحول الشهادة إلى فرجة تخلق أشخاصا بصريين غير قادرين على التجريد و رؤية ما يجري تحت السطح.

*******

في الساعة الثالثة فجرا
كانت تمام الساعة الثالثة في الفجر
جاء طفل بملاءة بيضاء
في الثالثة في الفجر
قفّة من الجير جُهِّزت
في الثالثة فجرا
ما تبقى موت و لا شيء سواه
في الثالثة في الفجر
………………….
ها هو متّي كريم الأصل و المنبت
ممدَّد على بلاطة الحجر
لقد انتهى الأمر؛ ماذا يجري؟
الموت يغطيه بكبريت شاحب
و يعطيه رأس مينوتور داكن
………………….
لا الثور يعرفك و لا شجرة التين
لا الخيل و لا نملُ دارك
لا الطفل يعرفك و لا ساعة الأصيل
لأنك متَّ إلى الأبد
……………

نمْ حلِّق، استرح: فالبحر أيضا يموت

( لوركا. بكائية من أجل إغناثيو سانشيز ميخياس/ ترجمة عبد القادر الجنابي)
ملاحظة: تم تغيير الوقت من” في الخامسة بعد الظهر”، إلى” في الساعة الثالثة في الفجر و في الثالثة فجرا، و تم استبدال إغناثيو بمتّي”.
ملاحظة: تم اعدام الشهيد في فجر الرابع عشر من شباط عام 1963. أما العنوان فهو من رواية الكاتب الجزائري الطاهر وطار: الشهداء يعودون هذا الأسبوع.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نــجـيب طــلال : مــن وحْـــي الهــيللــــة .

ترددت بين الكتابة واللاكتابة ،لهاته المقالة ، وذلك من خلال السؤال: ما أهمية إحساسات خاصة؛ …

| زياد جيوسي : المعاناة والحزن لدى المرأة في عيون مها “الجزء الأول”.

  “عيون مها” معرض تشكيلي ضخم من حيث عدد اللوحات كان باكورة المعارض التشكيلية التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.