عيسى حسن الياسري: هكذا وُلدتُ

“إلى .. الشاعرة خلود المطلبي ..
نجمة .. تقود خطاي ّ نحو بيت العالم”   

1
=
هكذا ولدت ِ ..
من أمواج نهر “المشرح” .. ولدت ِ
أرضعتك ِ الغيوم ُ.. وقمطك الزبد ْ
الريح ُصنعت ْ مهدك ِ
والطيور التي تحبين اللعب َ معها
ومن ريشها الناعم ِ
نسجت وسائدك ِ .. وقمائطك ِ الناعمة َ.

2
=
عندما كبرت ِ قليلا ً
صار القمر يحملك ِ على كتفيه ِ
وكأم ٍ تحمل طفلها.. يتجول بك ِ بين غيومه ِ
غيومه الشبيهة بقطيع خراف ٍ أبيض َ
يرتع في مرعى السماء الأزرق ْ.
3
=
وأنت ِ صبية ٌ.. استأثر بك ِ المطر ْ
جعلك ِ العازفة َ الأولى في فرقته ِ الموسيقية ِ
والمنشدة َ التي تتقدم جوقة َ المرتلين ْ
وعلمك ِ الرقص َ
كما لو كنت ِ واحدة ً من راقصات “الفرقة القومية” *
ذوات الرقصات التي ظلت ْ تتجول في أبدية الزمن
أمّا هن ّ.. فذبلن على أرصفة ساعاته الكسولة ْ.
4
=
رقصك ِ ..
يجعل َ الأزهارَ تتفتح ْ
جدائل العشب تطول ْ كضفائرك ِ الطويلة ِ
والأشجار ُ تورق ُ في غير ِ مواسمها.
5
=
الآن َ..
وأنت ِ ناضجة ٌ كواحدة ٍ من تفاحات ِ الجنة ِ
كرغيف ِ أخرجته أمك ِ من تنورها الذي أوقدته ُ
بشموع محبتها
كقدح حليب ٍ مازال يحمل رائحة الضرع ْ
وكنبيذ معتق ٍ
احتكره رهبان كاتدرائية “كانتبري”
ليوم ِ القربان ِ المقدس ْ.
6
=
الآن َ..
وأنت ِ ناضجة ٌ ومكتملة ٌ
تجلسين َفي محترفك ِ الشعري
الضباب خارج النافذة ِ
المطر يجلس قبالتك ِ
ومن البعيد.. تصلك ِ موسيقى خافتة ٌ
لعازف ناي مستوحد ْ
وقع ُ أحذية سكارى ليل “لندن”
ذي القبعة ِ السوداء ْ
وهم يعبرون جسر ” Westminster ” مترنحين َ
مترسمين خطى حشود “ت.س. إليوت ” *
التي عبرت ْ ذات الجسر ْ
أما أنت فتصغين إلى محدثك المطر ْ
وهو يحيطك ِ بحكاياته عن نجوم “راغبة خاتون”
عن قمرها الذي كان يحملك على كتفيه ِ
أحيانا ً يرفع المطر ُ صوته عاليا ً
ويغني ..
حتى لا تتسمعي نواح َ الريح التائهة ِ
وهي تتجول ُ محاطة ً بفراغ لِيل “لندن” الذي يعتمر ُ
قبعته السوداء َ
ولهاث الأرصفة ِ المتسخة ِ
المطر ُ.. لا يريدك ِ أن ْتصغي للأصوات ِ النائحة ِ
المطر ُ صديقك ِ..
إنه يريد لقصيدتك ِ أن ْ تبقى منداة ً
وأغنيتك ِ مبهجة ً.
7
=
المطر هذا ..
كاهن عمادك ِ الأول ْ
صديقك ِ الذي يبعثر غيومه بعيدا ً عن وجه القمر ْ
ليجعله يشرق.. ويضيء ْ
حتى تلعبي في الزقاق المعتم ِ
بلا خوف ْ.

8
=
المطر صديق طفولتك ِ
يسحرك ِ دائما ً بابتسامته ِ الأبوية ِ
ويغريك ِ بجولة ٍ ..
يأخذك ِ فيها بعيدا ً
حيث تتسابق غيومه ورياحه ُ لتتلاقفك ِ بين ذراعيها
كما يتلاقف زوجان ِ حنونان ِ وليدهما الأول ْ.
9
=
الغيوم ُ تباشر بغسل شعرك ِ
الرياح تمشطه.. وتشد ضفيرته ُ
لتعودي إلى محترفك ِ الشعري
وأنت ِ تتلمسين َ ضفيرتك ِ بشريطها الأحمر ْ
وتضعين آخر لمساتك ِ
على قماشة قصيدتك ِ ..
قصيدتك ِ الأكثر شبها ً بلوحة ٍ مائية ٍ
رسمها فنان بارع ْ.
8
=
هكذا ولدت ِ ..
وهكذا ستحيين ْ
لقد تعهدك ِ المطرُ
ودللتك ِ الريح ْ
وكلما بكيت ِ من الجوع ْ.. أرضعتك ِ مربيتكِ الغيوم ْ.
……………………………..
*هي الفرقة القومية العراقية التي قدمات لوحات رائعة في الرقص الشعبي .
*اشارة إلى قصيدة – الأرض الخراب – لأليوت .  

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مصطفى معروفي : أيتها الأدغال المسكونة بي .

للبحر الساجي تمتد يدي توقظ فيه لمعان الصحراء فأقرأ طالعه بمساعدة الطير أراه غزالا ينشأ …

| عصمت شاهين الدوسكي : ترجًلي من عُلاك .

ترجلي من علاك ازرعي وروداً ونرجساً وأشجارا صبي في كؤوس الحيارى ألقاً ، بلسماً يشفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.