الرئيسية » مقالات » جابر خليفة جابر: روماليزا

جابر خليفة جابر: روماليزا

إشارة: في مقالته المهمة هذه “روماليزا” يلتقط المبدع “جابر خليفة جابر” واقعة تاريخية تستحق الوقفة التأملية المتأنية لأنها تؤشر خللا خطيرا في بنيتنا المعرفية والسيكولوجية .. فتحية له.
قبل أكثر من مائة عام، أواخر القرن التاسع عشر، وتحت ظل الشراع الأبيض المنتشر كنا جالِسَين قرب دفة السفينة المبحرة الآن من بمبا، الجزيرة الخضراء إلى جزيرة زنجبار، وكان يقلب في دفتر لرسوم الكارتون، فسألته..
–    ما هذا؟
–    فلم كارتون للأطفال عن روماليزا.
ظننته أخطأ اللفظ ،أو، إني لم أسمعه جيدا.
–    تقصد الموناليزا؟
هزّ رأسه وتحسّر وقال: لا يا صاحبي ،تلك لوحة دافنشي التي يعرفها حتى صغاركم ،وهذا رجل إسمه روماليزا، محمد روماليزا، ثم استدار تجاهي وسلّط عينيه عليّ.
–    أنا متأكد إنك تعرف جيفارا جيدا، جيفارا الثائر الأرجنتيني..
–    طبعا أعرفه! قلتها مبتسما ومستغربا أن لا يعرف أحد جيفارا .
–    روماليزا هذا زنجباري ،على هذا البحر ولد ،وفيه تربى ،وعلى هذي الأرض عاش.
–    طيب وما علاقة روماليزا بجيفارا؟
إبتسم وقدم لي قطعة حلوى صغيرة ولذيذة المذاق..
–    هذه مدافو، حلوى تعمل من جوز الهند وتطعّم بالمانجو والقرنفل.
وبدوري قدمت جكليتة.
–     ماكنتوش أمريكي طيب.. (أخذها)
–    شكرا، تمنيت لو قدمت لي حلاوة نهر خوز، مللنا من الماكنتوش الانكليزي هنا!
يا صاحبي روماليزا بحكم الزمن أستاذ لجيفارا إنسانيا ،ونضاليا أيضا وفقا لمصطلحكم..
–    كيف، أستاذه، لم أسمع بهذا، ما تقصد؟
–    طبعا لم تسمع ولا تفهم ،وهل تركوا لكم فسحة لتسمعوا أصواتكم وتفهمونها! لقد قاتل جيفارا في كوبا أنت تعرف هذا وتحفظه عن ظهر قلب!
–    نعم .
–    روماليزا المقدام، محمد روماليزا ،لم يكن بروليتاريا فقيرا كجيفارا، كان شابا مترفا وغنيا من زنجبار ،لكنه لم يستطع السكوت على الاضطهاد الأوربي لأبناء أفريقيا فترك بيته الجميل المطل على البحر وترك بساتين النارجيل والقرنفل التي يمتلكها وغادر جزيرتنا الساحرة زنجبار ليقاتل ضد الاحتلال البلجيكي في الكونغو.
–    عجيب ولا نعرف شيئا عنه، ولا حتى اسمه!
–    ليس عجيبا، المخطط له، والمراد منكم أن لا تعرفوا شيئا عن أنفسكم.
–    ربما ، لكن جيفارا لم يقاتل في كوبا وحدها، قاتل في كولومبيا أيضا واستشهد هناك.
–    وقبله الأستاذ روماليزا، لم يكتف بقتال البلجيك في الكونغو، فتوجه إلى تنجانيقا ،وقاتل الألمان بضراوة مع إخوانه السواحيليين والزنوج، وآذاهم إلى درجة إنهم واصلوا مطاردته أينما حل ،حتى حاصروا زنجبار وهددوا سلطانها خليفة بن سعيد بمدفعيتهم ليسلم لهم روماليزا.
–    لاشك إنه سلمه إليهم؟
–    لا ،الجميل إنه لم يفعل مع خطورة التهديد ،اقرأ مع الرسوم ما قال السلطان لروماليزا.
(( – إنني لا أجبرك على التسليم لهم فقد يقتلونك ، وأنا اعلم إنني إن لم أسلمك لهم فإنهم سيقصفون زنجبار من سفنهم الحربية ومع ذلك لن أجبرك !))
وبكل إيثار فاجأ روماليزا الألمان بالذهاب إليهم بنفسه ،لكنهم احتراما وإعجابا بشجاعته وفروسيته تخلوا عن فكرة قتله وأهدوه مسدسا موشى بالزخارف هدية من القيصر الألماني وتركوه يعود حرا إلى زنجبار.
معلومات أخجلتني أكثر مما أدهشتني ، وكنا قد نزلنا إلى البر في ميناء زنجبار سألته: ولمن تريد فلم الكارتون هذا؟
–    لكم أنتم في العراق الجديد، الحر، اقرأوا عن أحراركم لتتعلموا، أو على الأقل، عرّفوا أطفالكم بهم لينشأوا أحرارا من كل الإحتلالات والإستبدادات والعبوديات، العسكرية والاقتصادية والثقافية، لا تنسوا إستبدادهم الثقافي بعقولكم وأفكاركم، لاتنسوه..
استدرت إلى البحر، تخيلت مدرسة ابتدائية في بغداد أو البصرة أو في أطراف الريف العراقي وفيها مرسم صغير يلهو به التلاميذ أوقات الاستراحة وثمة شاشة كبيرة تعرض لهم الفلم الكارتوني الجميل روماليزا المقدام..
نبهني صاحبي الأسمر ..
–    أين سرحت؟
–    إلى العراق .
ثم قلت : فعلا، لا فرق بين روماليزا وجيفارا .
–    يوجد فرق ،كان جيفارا يحمل دائما كتابا اسمه (رأس المال) أما روماليزا فقد كان ملازما للقرآن الكريم، وثمة فرق آخر.
–    ما هو؟ سألته متلفها.
–    من المؤكد إن جيفارا كان يستيقظ مبكرا، لكني لا أعرف ما يفعل، أما محمد روماليزا فقد كان يتوضأ أولا، ثم يصلي الفجر..

جابر خليفة جابر
Jabir_kh@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *