علي السوداني: مكتوب إلى واحد ابن واحدة

فأما نحن الذين من عباد الله وجوهره الجميل ، فلقد لعبت بنا الدنيا طوبة ، وتداولتنا الأيام التي يداولها الرب بين الناس ، فكانت قسمتنا شحيحة ، وقلوبنا مشلوعة ، وظهورنا مكسورة ، وما لبد في جوف قحفنا ، قد نام على بلبلة مبلبلة ، حتى دخنا ، وداخ من شافنا على هذه الحال ، فظنّ أننا سكارى أو على بعض سكر – والظن ليس كلّه من ضلع حق – وما كنا كذلك ، حتى صارت الأيام – كما جئنا عليها في غير موضع وموضع – إلّا واحداَ لنا ، وعشرة علينا ، وما زلنا على أمرنا هذا راسخين ، عرقنا المجذور تحت أرض الرب ، وكلمنا يلوّح مرفرفاَ في السماء ، وما بدّلنا فكرة ، إلا بأعظم منها ، وما أزحنا كلماَ حتى شتلنا أجمل منه ، وما حيّينا بتحية ، إلا ورددناها بأحسن منها ، وكنا أينما نزلنا بمنزل ، أو مررنا بمضافة ، كانت تحيتنا في الأرض سلام ، حتى بلّغنا ربّ السماوات والأرض ، مقعد صدق وحبّ ، وما تمنينا ما نحن عليه من وجع ، لأندادنا ، وجادلناهم بالتي هي أحسن ، ورششنا على أعتابهم ، ما تعتّق من طيب دنان الكلام ، وما تأخر من منحوت الجمال وملحونه ، فأستضعفتنا الناس ، واستوضعتنا ، وكنا الكرام من لبّ سلالة الكرم ، إذ طاح من يميننا الرز والطحين والمرق والخضرة ، فأكلت الأفواه ، وامتلأت البطن ، وطابت الأنفس وطربت الأرواح ، فسددنا الأذن وصممناها بالصواوين ، عن مديح جائع ، وإبن سبيل ، وشهقة شبعان ، ورضينا بعطر دعاء مستجاب ، وتناصصنا مع العظيم النحات البديع المذهل الملك ، فقلنا ، إنما هذا من فيض آلائه علينا ، وهذي مواعين الطيب والحلال ، فكلوا وارتحوا وارتعوا والعبوا ، ولا نريد منكم شكراَ ولا شكورا ، وتلك كانت لوجهه ، وهو الذي يرى ويدري ، ويريد من دوابه أن تسعى وتدبّ ورزقها عنده . وما زلنا على تلك الخصلة المبروكة ، وذاك الرسوخ البائن المبين ، حتى دارت بنا ، ودرنا بها ، وحارت بنا ، وحرنا بها ، فصرنا على بعض ضعف حيل ، وشحة ذات يمين ، فأنفضّت الناس من حولنا ، فما هنّا ، ولا شكونا ولا بدّلنا ، وقلنا لمن قال قولاَ مقطوماَ : صه وصه يا نكرة يا إمّعة يا ابن حاوية مجاهيل ، فما أنت سوى واحد ممن قلّتهم وسلقتهم كهرمانة ، ببطن زير الجبن ، أو قلّبتهم فوق طاوة حارّة خارج نص الحكي ، وها أنت وقد جابك زمانك وحظّك المسخّم ، ومنيّتك الرديئة ، فإندققت بحائطنا ، وما كانت حوائطنا ، إلّا عاليات جلاميد مجلمدة ، وحائطك ناص واطىء تبول عليه الكلاب الدائحة المجربة ، التي لها من قوة الشمّ ، حدّ أن تعطي كلّ لئيم ، ربيب مزاد نطيحة متردية ، وفطيسة جائفة ، طينته بجبهته ، وتصيّر صوفته حمراء فاضحة ، من قوة دونيتها ، تكاد تمعمع وتصوّت كما تيس تيّوس . فإن عيّرتنا بشحة مال ، فإننا نعيّرك بمالك الحرام الذي تقوم وتقعد على خزائنه  السحت ، التي حزتها من دون كدّ وكدح وعرق ، وكنت من حشد محتشدة ، تلوب بباب غرفة الغزاة الأوغاد ، على وجوههم ذلّة ، وفوق أيمانهم ، محارم ومكانس ، لهم فيها مآرب ، ألله يعلمها وأنت تعلم . أما نحن ، فلم نلبس قناعاَ ، إلّا في خلق نص في القصّ أو في الروي ، وما جاورهما من كل صنع جميل . وكنا إن زعلنا على الشط ، عفنا ماءه ، حتى لو كانت شريعته بحلق القربة ، وكانت أجوافنا يابسة ، والولدان تتلهّى بمصّة لسان . أحرار كما نزلنا من بطون طاهرة مطهّرة ، أذهب الرب عنها الرجس والدنيئة ، وإذ يملأ قلوبنا قيح الأنذال ، وتكاد تفر من باب البلعوم ، فلا نقول ما لا يقال ، ولا نفتري على من لا يفترى عليه ، بل نزن القول بالمثقال ، ونشكم غضبتنا ، حتى إذا سمعتنا – إن كنت لم تصمّ أذنك صمّاَ – قلت وحق الله ، ما هذا بصعلوك ، بل هو من يكيل بمكيال حق ، ويقول قولاَ رحيماَ عزيزاَ ، ذهباَ مصفّى ، كما لو أن رقبته ، بقدر رقبة بعير .                                                         alialsoudani2011@gmail.com
عمّان حتى الآن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.