د. عبد الله ابراهيم : العقلانية والعنف والهوية ونقد المركزيات الثقافية**

٭ بعد قراءتي لسيرتك الفكرية التي ربما جَعلتَها بمثابة هوية لتعريف منهجكم الفكري والمعرفي في النظر الى عالم الأشياء والكلمات، وجدتك هبراقليطسي الرؤية، بعض الشيء، في منظورك ومفهومك للمعرفة، إذ قرأتكم غير مؤمنين على ما يبدو بتشبث المفكر أو الباحث بأية ثوابت فكرية، ودليلي يتمثل في رصد رؤيتكم للتجارب الفكرية والتي تتسم، كما لاحظتها، بروح حداثية، سيما حينما ترون أن التجارب الفكرية والمعرفية يجرى تشكيلها بفعل مؤثرات كثيرة، وهي مفتوحة على آفاق لا نهائية، وليس من الصواب- كما تقولون- حصرها ضمن مقولات ثابتة ونهائية، لأنها ستضيق بنفسها، وتتعطل فاعليتها المعرفية إذا ما قيدت إلى مرجعيات قارة، وادعت اليقين المطلق فيما تذهب إليه، هذا على حد قولكم.
سؤالي هنا هو ما الذي يجعلنا نرى المعرفة ومفهومها بهذه الصيغة المُنَمطة، هل الأمر راجع الى تجذّر نزعات تحديثية في روحنا أصبحت الآن هاجساً لا تنفك عنّا، أم العلة كامنة في استهلاك وتعَطَّل ما اكتشف علمياً من قبل، وعدم فاعليته في تفسير الظواهر والأحداث أو مواكبة المعطيات والمستجدات وتجلياتها الخارجة عن الكشف والفهم؟ وإذا كان هذا الأخير هو عين الصواب، فكيف بإمكاننا إذن النظر الى العلم ، هل هو المعيار لمعرفة الحقائق أم أنه ليس سوى مجرد وسيلة انتقالية للمقاربة والافتراض؟

– أوافقك الرأي فيما شرحته في سؤالك، فمنذ فترة مبكرة في حياتي الثقافية وجدتني خارج الإيمان بأي نسق ثقافي أو أيديولوجي، وربما تكون المرويات الكبرى للثقافة التي أنتمي إليها قد صاغت بعضا من أفكاري. وأنا أميز بين مستويين في هذا المجال، مستوى أول أزعم فيه أنني كنت في منأى عن الأخذ بأية مسلمة ثقافية أو أيديولوجية أو دينية زائفة، فقد أعددت نفسي لمقاومة ذلك، فامتلكت ما يعرف بـ«الوعي الأصيل» بهذا المستوى، ويعود ذلك إلى ممارسة النقد الفكري، والمراجعة، والشك، وفتح باب الاحتمال لكل جديد،  وتقليب وجوه الحقائق، والأفكار، والعقائد، والأيديولوجيات، ومقاومة الدوغمائية، والامتناع عن حبس نفسي في أسوار فكرية جاهزة، والقدرة على تغيير وجهة نظري في ضوء تغيير المعلومات والمعطيات، فكل موقف يقوم على معطى ومعلومة، وفي حال تغيير ذلك فمن اللازم تغيير الموقف والرؤية، وإلا أصبح الأمر نوعاً من التعلق بالأوهام، والدفاع عن جملة من الأكاذيب. وآمل أن أكون نجوت من أي خداع ممكن في هذا الجانب. أما المستوى الثاني، المستوى غير الواعي، فلا استبعد، لا لي ولا لغيري، أن تكون تسربت بصورة غير واعية كثير أو قليل من المسلمات والفرضيات إلى المنظومة الفكرية الخاصة بي، فما أدراني بالتأثيرات غير المدركة للأفكار، وبخاصة النسق الثقافي والديني في رؤيتي لنفسي وللعالم. وذلك لا يمكنني حالياً ضبطه والتأكد منه، فربما يكون غير مفكر به بالنسبة لي، وأترك للآخرين أن يشيروا إليه، فما أنا إلا فرد يصاغ وعيه ولا وعيه داخل نسق ثقافي عام ومهيمن، ولن يكون بمنجى من الأخذ ببعض مسلمات ذلك النسق. علماً أنني أسعى دائماً لممارسة النقد الذاتي حتى في هذه المنطقة شبه المعتمة وغير الواعية. وعساني ألا أكون متورطاً من حيث لا أعي في الأخذ بما يرفضه فكري النقدي.

على أنني أعترف بأن لغتي النقدية المباشرة، والجارحة أحياناً، قد توحي للقراء بأنني قاس ومنحاز؛ وذلك يكون صحيحاً إذا أخذت فكرة واحدة، وانتزعتها من سياق النقد العام الذي أمارسه في نقد الأفكار الدينية والعرقية والثقافية، وبخاصة في نقدي للمركزيات الكبرى، ولكن لو نظر لأية قضية ضمن السياق النقدي الحاضن لها لظهر أنني لا أتقصد أبداً معاداة فكرة معينة، ولا الترويج لايدولوجيا محددة، إنما أسعى لتوفير ظروف منهجية تساعد على ضبط المسلمات وفضح أخطارها. فحينما أصدرت كتابي«المركزية الغربية» في عام 1977 ذهب كثيرون إلى أنني متحامل على الغرب وثقافته بدليل أنني حللت مقومات المركزية الغربية بتفصيل أخذ مني أكثر من ثماني سنوات، لكن هؤلاء أنفسهم غيروا وجهة نظرهم حينما أطلعوا على كتابي«المركزية الإسلامية» الذي صدر في عام ١٠٠٢ إذ أنني مارست النقد ذاته هذه المرة لتفكيك قواعد التمركز في الثقافة الإسلامية، ومن اطلع فقط على الكتاب الأخير ذهب مذهب قراء الكتاب الأول، فقد وجدوا تحليلات صارمة وقاتمة للأسس المقدسة دينية وفكرية، ولكن التوازن المنهجي اعتقد أنه منحني البراءة من تهمة التحيزات المسبقة. ولكي ننصف باحثا، أو ناقدا، أو مفكراً فلابد أن ننظر إليه نظرة شاملة، ونستحضر السياق الكلي لأفكاره. أما التنقيب والحفر في ثنايا الأفكار الجزئية، بقصد ضبط الأخطاء فذلك أمر لا ينجو منه أحد، فليس لكائن من كان أن يضع نفسه خارج احتمال الخطأ. وهذا يقود إلى القول أنني في الوقت الذي أشك فيه بالمنظومات الفكرية والعقائدية، فانني لست عدمياً، فأنا أنتمي إلى الفكر العقلاني- النقدي الذي يستند إلى النظرة التاريخية لكل الظواهر، بما فيها العلم والفلسفة، فكل الأحداث في حراك متواصل، وأنا كائن أرضي أرتب أفكاري في منطقة دنيوية، ومعياري لتفسير الأشياء والظواهر معيار نسبي وليس مطلقاً، والحقائق لها قيمة بمقدار اندراجها في سياق التاريخ المعيش. وليس لها قيمة مطلقة بذاتها. وأنتمي فكرياً إلى حال  تقرّ التحول والتغيير، وأنأى بنفسي عن الانحباس في حال الثبات والجمود الذي لا أريده لنفسي ولا لغيري.

نقد المركزية الغربية والمركزية الإسلامية

٭  كرست، فكرياً، جهوداً حثيثة وكبيرة في كشف أوهام وتصورات استعلائية كامنة في الثقافة الغربية، وقد اصطلحت على عنوان الموضوع الذي تشتغلون عليه دراسة وتحليلاً أو كشفاً ونقداً بـ«المركزية الغربية» وقد طالعت بدقة على وجوه انتقادكم لهذه المركزية التي لها أبعاد ثقافية وسياسية وعرقية، ولكن الأمر الذي لاحظته في طريقة تفكيركم تجاه هذا الموضوع، هو أن مفهومكم غير نقدي إزاء مفهوم الأنا أو (الذات) والآخر ورؤيتكم إليهما، وكأنهما ثنائية مطلقة/ حقيقية لا تقبل النقاش، الأمر الذي أوقعكم من حيث تدرون أو لا تدرون- من باب الدفاع عن الذات بوجه جبروت الآخر- في الفخ الذي وضعه الآخر الغربي للآخرين الذين يعتبرهم متخلفين ثقافياً وحضارياً. بمعنى أوضح، أن نقدكم للمركزية الغربية يتناسى الوجهة الأخرى، أي نقد الغرب لذاته وتاريخه وتراثه الحضاري والسياسي على أيدي فلاسفة وعلماء غربيين وتيارات فكرية وفلسفية، خاصة التيارات التي تسمى تيارات ما بعد الحداثة. كما ينسى أن الذات التي نعني بها مجتمعات وثقافات غير أوروبية أو الخارجة عن المركزية الغربية، هي الأخرى دخلت أيضاً في تعاطٍ نقدي مع تراثه وأصوله، ولكن من خلال ما اكتشفه الغرب نفسه من مفاهيم ومصطلحات أو نظريات ومناهج علمية ومعرفية في القراءة والتحليل أو النقد والتشخيص، وخير مثال هنا هو ما يجسده نقد صديقك محمد أركون للإسلام عبر منهجياته الحديثة وترسانته المعرفية التي انتجها الآخر، أي الغرب نفسه. ما هو تعليقكم على هذه الملاحظة النقدية؟ .

– إذا أخذنا بظاهر هذا السؤال الذي تذهب فيه إلى أنني تخطيت نقد الذات وانصرفت إلى نقد الآخر، أي نقد الغرب، فهذا يرجح لدي بأنك لم تطلع على مشروع (المطابقة والاختلاف) بكامله وهو مشروع فكري أمضيت في الاشتغال عليه نحو خمسة عشر عاماً، ويتكون من ثلاثة كتب الأول: مخصص لنقد المركزية الغربية وإشكالية تكونها، والثاني مخصص لنقد المركزية الإسلامية وإنتاج الصورة النمطية للآخر في المخيال الإسلامي، والثالث مخصص لنقد استجابة الثقافة العربية الحديثة للمركزيتين الغربية والإسلامية. فالكتاب الثاني كرس بكامله لنقد الذات؛ بما ذلك تحليل أسباب النظرة الدونية للعقائد والأقوام خارج«دار الإسلام» ذلك أنني أرى بأنه لا يستقيم نقد جذري إلا إذا مارسنا تفكيكاً شاملاً لمركزية الآخر ومركزية الأنا، فالتحيزات الثقافية تنطمر داخل تلك المركزيات، ولا سبيل إلى ضبطها وفضحها إلا بنقد لأسسها ومرتكزاتها. ويخيل لي بأنني مارست نقداً مزدوجاً لكل من الثقافة الغربية والثقافة العربية-الإسلامية على نفس الدرجة من اليقظة، وبنفس المفاهيم التحليلية، وقد اتبعت المنهج ذاته في نقد الاثنتين، واصطلحت على الثقافة التي تستجيب لهما بأنهما ثقافة (المطابقة) فأمر ثقافة تستعير مفاهيمها ومحتواها مباشرة من التجربة الغربية لا يقل خطراً عن استعارة مفاهيم ومقولات ثقافة لاهوتية جاءت من الماضي. فإذا كانت استعارتنا لثقافة الغرب هي استعارة مكانية استولينا فيها على ثقافة ظهرت في بيئة أخرى، وبشروط تاريخية خاصة، وضمن سياق اجتماعي خاص، فإن استعارتنا للثقافة اللاهوتية الدينية هي استعارة زمانية. إذ أننا نستعير من الماضي البعيد نموذجاً ثقافياً نعتقد أنه الأصلح والأكمل لتفسير شؤون حياتنا الحالية. وهذا نوع من المطابقة السلبية لا يقل ضرراً عن المطابقة مع الثقافة الغربية.

ومع ذلك أوافقك الرأي بأن الثقافة الغربية قد انخرطت في معمعة النقد الذاتي، ولا يمكن النظر إليها بوصفها كتلة صماء متمركزة حول نفسها بدون أية إمكانية للنقد، فالحداثة الغربية انطلقت حينما فتحت الأبواب أمام النقد، وبخاصة نقد الموروث الديني- الكنسي، وأنا على دراية بجوانب من هذا النقد، ولست غافلاً عنه، وفي كتابي«المركزية الغربية» وقفت مطولاً على كيفية انهيار الأخلاق اللاهوتية، ونقد الموروث الإغريقي الذي قام به: روجر بيكون، وغاليلو، وبيكن، ثم لوك، وهيوم، وباركلي، وصولاً إلى ديكارت، وسبينوزا، وعمانوئيل كانت، وهيجل، وماركس. ثم وقفت بالتفصيل على نقد جاك دريدا، وهابرماس للتجربة الغربية. وهما يمثلان تجربتين نقديتين معاصرتين على غاية من الأهمية، فدريدا نقد التمركزات الخطابية في الثقافة الغربية منذ افلاطون إلى دوسوسير، وهابرماز نقد الممارسات الواقعية في التجربة الغربية، بما في ذلك اعتبار العقل أداة مجردة خالية من النزعة الانسانية، ودعا الى العقل التواصلي على خلفية منهجية ماركسية.

باختصار الثقافة الغربية لا تقبل الاختزال والتبسيط والمصادرة، ومع ذلك ففيها من مظاهر التمركز حول الذات ما لا ينبغي إغفاله أو نكرانه، فهي في عمومها ثقافة متعالية، متمحورة حول نفسها، قوامها النظر إلى الآخر نظرة دونية منذ الفلسفة الإغريقية إلى الآن. فقد جرى استبعاد للمؤثرات الخارجية، وبخاصة الشرقية، وأعيد إنتاج ثقافة غربية صافية لا تقبل المزاحمة والشراكة، وبالمقابل وجدت بأن الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى قد نهجت الطريق نفسه، فقد نظر إلى (دار الإسلام) على أنها الحيز الكامل للخير فيما كانت (دار الحرب) مكاناً للشرور والدونية. والاختلاف بين المركزيتين الغربية والإسلامية هو أن الأولى انخرطت في ممارسة نقد ذاتها، فأدرجت نفسها في التاريخ، فيما حبست المركزية الإسلامية نفسها خلف حواجز لاهوتية، ورفضت ممارسة النقد، ولعل أول ما تحتاج إليه هو النظرة التاريخانية لتتخطى حبسة الأنا وصولاً للاعتراف بالآخر.

وأشكرك على الالتفاتة الخاصة بمحمد أركون، فقد كان من أوائل المنخرطين في هذه المعمعة، إذ حدد مجال فاعلية العقل الإسلامي، وطوال أربعة عقود مضى يقلّب وجوه الصلة بين الأديان السماوية الكبرى ومنها الإسلام للوصول الى المشترك الاعلى فيها، وهو الديانة الإبراهيمية، فالمرجعية الإبراهيمية تمثل رأس المال الرمزي للعقائد السماوية، وهي اللحظة الكبرى التي انبثقت عنها التأملات الدينية اللاحقة. وفي كل هذا يريد أن يزحزح سوء التفاهم بين الأديان، ويوقف تأثير الصور المتخاطئة التي تشكلها كل عقيدة عن غيرها، وهذه الخلفية هي التي تنظم مفهومه لحدود حرية التعبير، لكن أهمية أركون بوصفه مفكراً تكمن أيضاً في أمور أخرى كثيرة، منها أنه أبطل مفعول الاستشراق التقليدي في دراسته للإسلام، واقترح منهج (الاسلاميات التطبيقية) ونقد على الفكر المدرسي الضيق، وأفاد من منهج الأفكار الحديث إذ حلل الظاهرة الدينية عبر مستويات كثيرة، ونقد التعصب، والانغلاق، وفكك الجمود العقائدي، وأطلق مفاهيم مهمة مثل (اللامفكر فيه) و(المسكوت عنه) وبحثهما بالتفصيل في الفكر الإسلامي، وبالإجمال فهو أبرز المستفيدين من كشوفات الانثربولوجيا، واللسانيات، والسوسيولوجيا في مجال الدراسات الثقافية، فأركون بمنهجه الفكري العميق، وحيوية أفكاره، هو من أهم من مارس نقدا لأبطال التفكير الخرافي الرافض للمعرفة، وشخص هيمنة الأسطورة في العقل العربي-الإسلامي، وقد دفع ثمنا كبيرا جراء سوء الفهم الذي تعرضت له أفكاره لأنه حفر في المنطقة المجهولة، وذهب إلى الأصول، وهو يمثل الآن حقبة التفكير النقدي في الثقافة الإسلامية.

ولعل أهم ما له صلة  بموضوعنا هو إشارته إلى أن الحداثة تجربة غربية ظهرت في سياق الثقافة الغربية في العصر الحديث، ومع أنه قدم نقدا جذريا لهذه الحداثة التي لم تنجز كثيرا من وعودها، فإنه دعا بقوة للإفادة منها، وبخاصة في الطريقة التي مارس فيها العقل نقده للظواهر الاجتماعية والدينية. وربما يكون هذا الموقف النقدي هو الذي قاد أركون إلى دراسة التجربة الثقافية الإسلامية حيث وقع صراع بين اللاهوتي والعقلي، وهو صراع استغرق قرونا من السجال والجدل، وقد انتصر للعقلانية، وربطها بالفكر الإنساني الذي بلغ أعلى ذرى تجلياته في القرن الرابع الهجري. ومن المعلوم أن أركون فرّق الظاهرة القرآنية والظاهرة الاسلامية، فالظاهرة الأولى هي القرآن والحاشية النبوية عليه، أما الثانية فهى التراث السجالي من تفاسير وشروحات ولاهوت ومذاهب، وهو موروث ضخم جدا تراكم حول الكلام الإلهي المقدس، وإذا  كنا في عصرنا ملزمين بالظاهرة القرآنية، أى آخذين بالقرآن والحديث الصحيح، فقد أصبحنا أقل حاجة للالتزام الكامل بالظاهرة الثانية، أي بالشروحات القديمة التي انتجتها العصور الماضية، وخلفها رجال مضوا، وآن الأوان لتجديد تصورنا للإسلام بالإفادة من علوم ومناهج عصرنا. وهذه الفكرة هي التي تشكّل مرتكز مفهوم العلمانية، فالعلمانية لا تهدف الى تهديد الدين، واستبعاده، ومحوه، إنما، على العكس من ذلك، تسعى للحفاظ عليه كقوة روحية عليا وسامية موجهة للأخلاق العامة، وفي هذا تتبدد الغيوم الداكنة التي تحيط بالعلمانية في ثقافتنا الحديثة.

وهذا يقودني الى ما اشرت اليه بخصوص الهوية الرمادية في مشروع (المطابقة والاختلاف) إذ لا يقتصر الأمر في المركزيات الكبرى على إنتاج ذات مطلقة النقاء، وخالية من الشوائب التاريخية، إنما- وهذا هو الوجه الآخر لكلّ تمركز-لا بد أن يتأدّى عن ذلك تركيب صورة مشوّهة للآخر. وبين الذات الصافية التي تدّعي النقاء المطلق، والآخر الملتبس بالتشوه الثقافي، والديني، والعرقي، ينتج التمركز أيديولوجيا إقصائية ضد الآخر، وأيديولوجيا طهرانية مقدسة خاصة بالذات؛ فينقسم الوعي على ذاته، والنقد هو الذي يكشف هذه التناقضات الكامنة في صلب الثقافة المتمركزة حول ذاتها، وهو الذي يدفع بها إلى أن تُفصح عن مضمراتها؛ لأنه يتتبّع بدقّة الممارسات الملتوية للمفاهيم التي تكوّنها، ولا تقف مهمة النقد عند إظهار أخطار التمركز، إنما يهيّئ لهوية ثقافية جديدة قائمة على مسار متحوّل، ومتجدّد، ومتشعّب الموارد من المنظورات والمكوِّنات الثقافية المنتجة. وبما أنّ هوية التمركز تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية ثابتة، فإن الهوية الثقافية التي تقوم على الاختلاف لا تقرّ بالثبات، ولا الشمول، وتحرص على بعدها التاريخي، وفيما تصطنع هوية الثقافة المتمركزة أصولاً عرقية، ودينية، وفكرية توافق مضمونها، فإنّ هوية الاختلاف المركّبة من موارد عدّة، تتجنّب إنتاج أيديولوجيا لها صلة بهذه الركائز؛ فاتصالها بالركائز المذكورة اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد أيديولوجي متصل بمعنى الهوية المختلق، الذي يفترض الصفاء المطلق والديمومة. هوية التمركز تدّعي الصفاء المطلق، فيما هوية الاختلاف رمادية، تمتزج فيها بتفاعل تام الأطياف المتنوعة، والمؤثرات المتعدّدة. وفيما تقوم هوية الثقافة المتمركزة بطمس كل العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهوية كما أنتجتها تلك الثقافة واستبعادها، بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية، فإنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوِّنات فاعلة فيها، وهي تمثل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها.

العولمة والنموذج الكوني

٭ اختزلت في عدة بحوث لك، حقيقة ظاهرة العولمة ومفهومها وأبعادها المختلفة في نظرية ترى أن الغرب وتعميم ثقافته وحضارته هو المرمى أو المسعى الاستراتيجي لهذه الظاهرة. هذه النظرية نجدها أحياناً لدى الكثير من المفكرين والمثقفين في العالم العربي أيضاً، ولكن يبدو أن هناك أقلية منهم تدعو الى ممارسة سياسات انفتاحية تجاه هذه الظاهرة، وعدم التقوقع والانغلاق على الذات أو الكف عن  النظر الى العولمة، وكأنها مؤامرة على الشعوب، خاصة أن الدول والقوى والشركات التي تقف وراء تعولم العالم ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، هي ليست غربية فقط وإنما تتمثل في دول أخرى آسيوية وأفريقية وعالم ثالثية، ومن بين الذين يدعون الى سياسات الانفتاح ومواكبة العولمة سيما على صعيدها الثقافي هو صديق آخر لك: أعني د. برهان غليون في كتابه الذي ألفه مع د. سمير أمين والذي يحمل عنوان (ثقافة العولمة، وعولمة الثقافة) وبالمناسبة هذا الكتاب مُتَرجَم الى اللغة الكوردية .. أسأل هنا: ما هو موقف عبدالله ابراهيم الآن من هذه الظاهرة، وكيف يقرأ هذا الحدث العالمي المتواصل..؟

– واكبت ظاهرة العولمة منذ بداية ظهورها في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وكتبت عنها حتى قبل أن يقع الاتفاق على تعريب المفهوم على(العولمة) فقد كان المصطلح قلقاً، وفي أحد كتبي أشرت إليه باسم«الكونية» ومن يعود إلى الأدبيات الخاصة بهذا الموضوع خلال الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين يجد هذا الاضطراب. والآن وبعد مرور حوالي عشرين سنة على كل ذلك، وقد أصبحت العولمة أمراً واقعاً له تجليات في مجال المعلومات، والإعلام، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، وغير ذلك، فمن اللازم القول أن تطور مفهوم العولمة فرض أيضاً تطوراً في قبول المفهوم وممارساته على الصعيد العالمي، وفي نهاية المطاف فأنا لست واعظاً يحذر الناس من أمر، أو يغريهم به، إنما أحاول الانخراط في ممارسة فكرية نقدية تكشف لي ولغيري التحيزات الخاصة بالمفاهيم والظواهر، ومنها العولمة، فأقول بأن العولمة تهدف إلى تشكيل عالم شبه متجانس تهيمن فيه وحدة القيم والرؤى والغايات محل التنوع والتعدد والاختلاف الذي يميز الثقافات والحضارات.

والقول بتوحيد نسق القيم، ووحدة الأهداف، يختزل تطلعات الإنسان إلى مفهوم واحد، وبدل أن نتعرف على بني الإنسان بوصفهم تشكيلاً متعدداً من الثقافات والرؤى والتجارب والتطلعات والإرادات، فإننا نختزلهم إلى كتلة صماء ذات هدف واحد، وتؤمن بنسق محدد من القيم، ومن ناحيتي أجد أن وحدة لا تؤمن بمبدأ التنوع الخلاق، ولا تأخذ به، وتنفتح عليه، ستقود، لا محالة، إلى تفجر الخصوصيات المطلقة، والتعصبات الإثنية، والمذهبية، والدينية، وهذا هو ما يموج به العالم حالياً، فالعولمة تريد تعميم نموذج كوني عابر للثقافات والعقائد والأعراق، وتجعل الثقافة الغربية المعيار والقيمة لكل شيء، واستبعاد التشكيلات الأصلية التي تؤسس للهويات الطبيعية، والانتماءات غير الأيديولوجية،  وهذا نوع من الاستبداد لأنه يقصر الأمر على محتوى العولمة، وهو الثقافة الغربية المتمركزة حول نفسها. واستبعاد كل ما لا يتوافق مع سلم القيم الخاص بها. ولا أجدني من ناحية فكرية متسقاً مع هذه الفرضية، فأنا أقر بالتنوع والتعدد، ولا أقبل بفرض نموذج وإلغاء نماذج أخرى.

تعميم الثقافة الغربية على مستوى العالم يقصد منه تحويلها إلى لاهوت كوني. فلسنا بحاجة لا إلى اللاهوت ولا المرويات الكبرى الخادعة التي تقترح حلاً لكل شيء كالماركسية، والأيدلوجية القومية أوالأيدلوجية الدينية، أي أننا لسنا بحاجة إلى عولمة تتحول إلى عقيدة مغلقة ذات محتوى مستعار من التجربة الغربية. فأنا من القائلين بضرورة وجود عوالم وثقافات متعددة تتفاعل فيما بينها، وتتشارك بعيداً عن فكرة الإقصاء والاستحواذ والاستبعاد. ولعلي أفسر كثيراً من نزعات التعصب والتشدد والغلو والتطرف إلى أنها نوع من المقاومة الذاتية ضد فكرة الضياع والذوبان والتلاشي، وعلينا أن نتذكر أن المجتمعات التقليدية تدافع عن نفسها عبر ترويج نوع من«الهوية المغلقة». وفي ظل عولمة تنزع إلى استئصال الخصوصيات وطمسها واعتبارها معيقة للتقدم والتطور، تنبثق مقاومة، قد تكون سلبية، ضد ذلك، ولكي تنخرط العولمة في الإجابة عن مشكلات عصرنا فلابد لها من الاعتراف بالخصوصيات، وتقدير مبدأ التنوع. وألا تكون موجة عاتية عابرة للقارات شأنها في ذلك شأن الغزوات الاستعمارية التقليدية. أرغب في أن تنزع العولمة عن نفسها طابع الاستئصال والعدوانية، وتأخذ  بمبدأ الشمول والاعتراف بالآخرين كائناً ما كانت هوياتهم وأهدافهم وتطلعاتهم.

العنف الأعمى

٭ لنتحدث الآن عن ظاهرة العنف السياسي في العالم العربي والإسلامي. أنكم في العديد من دراساتكم تنتقدون وبشدة المركزية الإسلامية ونظرتها الى الآخر غير الإسلامي، هل هناك علاقة عضوية بين هذه النظرة، التي تقسم الآدميين الى ثنائيات ضدية: المؤمن والملحد، أو المسلم والزنديق، أو دار الحرب ودار الإسلام .. الخ وبين العنف السياسي الذي تمارسه قوى سياسية ودينية وأصولية في العديد من المجتمعات العربية الإسلامية أم أن لهذا العنف أبعاد أخرى ليست لها صلة  ببقايا المركزية الإسلامية واستعلائيتها العقيدية والثقافية.

–  ينبغي التأكيد على أن العنف طاقة حبيسة لها مغذيات شخصية أو اجتماعية، أو سياسية، أو دينية، وحينما تتفجر تكون ممارسة عمياء تحرق الأخضر واليابس، وفي العموم ينبغي تجفيف منابع العنف وليس قمعه، أي معالجة السبب وليس النتيجة، وذلك لا يكون إلا بالعدالة والمساواة والشراكة، وهذه تقتضي وجود المؤسسات المدنية والدستورية التي تقوم بتنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم بما يحقق مصالحهم، وينظم واجباتهم وحقوقهم. وينبغي الاعتراف بأن مجتمعاتنا تعيش ما قبل هذه المرحلة، أي أنها تعيش حقبة العلاقات الاجتماعية لمرحلة القرون الوسطى، حيث السطوة للعلاقات القبلية والمذهبية، وحيث الجماعات لم تنصهر بعد لتكون مجتمعاً تربطه فكرة المواطنة، وهذه العلاقات القائمة على الولاء وليس الشراكة تؤدي إلى احتقانات لا نهاية لها، وهي تأخذ أشكالاً كثيرة من العنف يمارسها الأفراد أو الجماعات إيماناً بوهم أو معتقد، أو مصلحة. ومن هذه الناحية فالجماعات المذهبية أو الإثنية تكتنز طاقة هائلة من العنف المدمر الذي يتفجر أحياناً لأقل سبب، فما بالك إذا توهمت بعض الجماعات أنها صاحبة الحق المطلق، واليقين النهائي، فهي تمارس العنف بدرجة كبيرة من الوحشية ذوداً عن مفاهيم ومعتقدات وتصورات.

ومن المعلوم أن الأمم، والقوميات، والأعراق، إنما هي جماعات متخيلة تنتظم في أيديولوجيات ومرويات كبرى، وهي تتشبع بالأفكار السائدة، وتعدها من مكونات هويتها العرقية أو الدينية وكل مساس بهذه الهوية المتخيلة سيؤدي إلى تغذية الجماعات بالعنف المتطرف، وهو عنف يتفجر عند أول اختبار أو مواجهة. يضاف إلى أن التفسيرات الضيقة للدين تشحن المؤمنين بفكرة رفض الآخر المختلف عقائدياً، ولا ننسى النزعات التربوية الضيقة قومية أو مذهبية التي توهم أتباعها بالتفوق وتعم الآخرين بالدونية. وحتى على مستوى الأفراد فالنظام الأبوي القائم على التراتب والهرمية يخلق أفراداً مشوهين ثقافياً ومجهزين بفكرة العنف، ولكن لو توسعنا في تقصي فكرة العنف بشكل كامل، نجد أن التجربة الاستعمارية قد انتهكت خصوصية الجماعات الأصلية، وجرحت كرامتها الجوانية، وخلخلت علاقاتها، وكل ذلك بذر العنف فيها كرد فعل يأخذ طابع المقاومة، والحضارات الكبرى، ومنها الغربية والإسلامية، اكتنزت كماً هائلاً من الممارسات العنيفة التي هبت كالأعاصير المدمرة ضد الجماعات والشعوب الأخرى، ومن الطبيعي أن ينشأ عنف مقابل بدواعي الحماية والمقاومة والحفاظ على الهوية.

إن رصيد العنف يتكون ببطء، ولا يعرف أحد متى يتفجر فيخرب كل شيء. وبدل أن يكون طاقة خلاقة وإيجابية ينحرف إلى السلبية، وإذا نظرنا لحال العالم من هذه الزاوية نجد أن أسباب العنف منبثة في كل مكان. ولعل العنف السياسي المدعوم بأيديولوجيات عرقية ومذهبية متعصبة هو الأخطر لأن الجماعات تمارسه بوصفه حقاً مقدساً، ومسؤولية أخلاقية لتقرير مصيرها، وتعديل أوضاعها، واستعادة حقوقها. وأحياناً يأخذ طابع الانتقام والثأر فيكون بشعاً ولا يقف عند حد ما. ولكي نطفئ لهيب العنف فينبغي إطفاء جذوته، وذلك أمر صعب أو مستحيل في الوقت الحاضر، فالعلاقات بين الدول والجماعات قائمة على فكرة الغلبة والقوة، وليس الحوار والشراكة، وما دامت الأمور بهذه الصورة فالمتوقع هو ازدياد أمواج العنف، وحتى على المستوى الفردي ينظر لكثير من الأفراد على الغلبة والهيبة والقوة، حتى تلك المجردة عن أية أخلاقيات إنسانية، نظرة ملؤها التبجيل والإعجاب، فالغلبة سياج تحتمي خلفه الجماعات والأفراد على حد سواء، وهذا هو الذي يؤدي إلى الحروب، وبخاصة الحروب الأهلية حيث تعتصم الجماعات بزعماء متعصبين للاحتماء بهم، وذلك لا يكون إلا بالترويج لايديولوجيا قائمة على مبدأ العنف الذي تفهمه الجماعات على أنه عنف مقدس يفضي إلى استعادة الحقوق القومية أو المذهبية، وأحياناً الوطنية.

ولا أستبعد أن يتحول العنف إلى معتقد تتبناه الجماعات، ويأخذ به الأفراد، في ظل غياب العدالة على مستوى العالم، وعلى مستوى الأفراد. وينبغي ملاحظة أن فكرة «الإمبراطورية» تقوم على مبدأ العنف، منذ الإمبراطوريات القديمة الفارسية والرومانية والعربية وصولاً إلى العصر الحديث حيث المغامرة الاستعمارية التي اكتسحت العالم، واحدى أكثر تجليات عصرنا عنفاً هو ما تمارسه الإمبراطورية الأميركية التي أضفت على مبدأ العنف طابع حرب الأفكار والأيديولوجيات. وفكرة الحروب الاستباقية هي تسويغ للعنف الإمبراطوري على المجال الكوني بأجمعه، وأميركا بنزعتها الإمبراطورية تلجأ إلى تفجير طاقة العنف الهائلة الموجودة لديها للاقتصاص من أعداء حقيقيين أو وهميين، بعد أن جرحت كرامتها القومية في ١١ سبتمبر. ولم تعد قادرة على إعادة السيطرة على ذلك العنف الذي أصبح جزءاً من الهوية الأميركية الحالية. وكل هذا يتعارض مع مكاسب الحداثة العقلانية التي كانت تريد إحلال نسق من علاقات التفاعل والتواصل محل النزعات التدميرية التي تدفع بالأفراد والأمم إلى البحث عن حلول فردية قائمة على مبدأ العنف.

وأود الإشارة إلى أن الفكر البراغماتي الأميركي ينظر إلى المجتمعات التقليدية على أنها جماعات منفرطة، وغير متجانسة، فهو فكر لا يعنى بفكرة المجتمع بوصفه بوتقة تنصهر فيها التشكيلات الإثنية والمذهبية والثقافية بما يؤدي إلى نشوء هوية وطنية جامعة، إنما ينظر إلى المجتمع بوصفه جماعات متنافرة تنتظمها قوة القانون والمصالح، وهي تنسج هوياتها الضيقة في منأى عن الجماعات الأخرى، وما أن تتعرض مصالح الجماعات للخطر إلا وينبغي عليها تعتصم بذاتها حماية لنفسها وتحقيق مصالحها، وربما تبنّي العنف لتحقيق ذلك. فلا وجود لفكرة المصير المشترك، والهوية الشاملة، والثقافة الجامعة، إنما حلت محل كل ذلك انتماءات  مدرسية ضيقة. وطبقاً للبراغماتية الأميركية فالعراق-على سبيل المثال- لا يوجد فيه مجتمع عراقي، إنما هو تشكيل هش من جماعات شيعية وسنية وكردية وتركمانية وآشورية، وعلى هذه الجماعات أن تعتصم بهوياتها الأصلية لانتزاع حقوقها بدل الاندماج والتفاعل والشراكة حيث تنتظم مصالحها الكلية ضمن هوية واحدة تقبل التنوع الخلاق.

وهذا التفسير للهويات يفرض تحيزات مذهبية وعرقية يؤدي إلى إنتاج العنف، ثم ممارسته على الجماعات الأخرى. وطبقاً للتفسير البرغماتي تتلاشى الجماعة إن لم تكن لها شوكة وقوة، والغاية تبرر الوسيلة، فالعنف مبدأ أساسي من مبادئ هذا التفكير. ولا يمكن التنكر له، مهما حاول منظرو الفكر الأميركي الجديد إخفاؤه. وأظن أن ما يعصف بمنطقة الشرق الأوسط من عنف له صلة بهذا التفسير، وبخاصة بعد أن أخفقت مشاريع التنمية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وحل الاستبداد محل التعدد والشراكة والديمقراطية. والنموذج العراقي يفضح فشل مبدأ، وتبني مبدأ لا يقل خطراً عنه. وسنرى أن العنف سوف يتخذ طابعاً مؤسسياً، وسيصبح نوعاً من العقيدة المذهبية أو الإثنية.

النزاع بين المركزيات الثقافية والدينية والعرقية

٭ بعد أحداث١١من ايلول (سبتمبر) ١٠٠٢ وتفجر صراعات أو اضطرابات ذات أبعاد ثقافية وحضارية، من حين لآخر، بين المسلمين والهندوس في الهند،  أو بين الأقباط  والمسلمين في مصر، أو بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، وهنالك أمثلة متفرقة في العالم من هذا القبيل، هل يمكن أن نسلم الآن بنظرية صدام الحضارات لهنتنجتون سيما أن هذا الأخير وفي لقاء صحفي عقب أحداث١١ سبتمبر، قال وبكل ثقة أن تنبيهاته المتعلقة بـ«صدام الحضارات»قد تحققت على أرض الواقع، ولكن يبدو أنكم لستم مع هذه النظرية وقد انتقدتها أكثر من مرة، ما هي آخر ملاحظاتكم حولها؟ وهل هي معكم مازالت قيد النقد؟.

– اطلعت على كتاب صاموئيل هنتنجتون حال صدوره في مطلع التسعينيات من القرن الماضي بصورة بحث قبل أن يصدر بعد سنوات ككتاب، وبالنسبة لي  فهنتنجتون كان مصيباً في إعادة وصف حال الجماعات الكبرى في العالم بعد مرحلة الحرب الباردة، وبخاصة في تأكيده على أهمية العمق الثقافي والحضاري للصراع في العالم. كان يريد القول بأن العالم انخرط في حقبة تشكيل الهويات الثقافية، وكثير من تلك الهويات اعتمدت الأوهام والمخاوف لأنها لا تستطيع مواكبة التطور الذي انجزته الحضارة الغربية، ولكن مهما ادعى هنتنجتون الموضوعية في الوصف والتحليل فقد كانت أحكامه مشبعة بالإرث الاستعماري الاستعلائي، شأنه في ذلك شأن «فوكوياما» في كتابه حول«نهاية التاريخ» الذي كان صدر قبل كتاب «صدام الحضارات». فكلاهما يعيد ترتيب العلاقات على أسس هرمية قائمة على استشعار الخطر من الآخر المختلف ثقافياً ودينياً. وكلما تأملت في أطروحة هنتنجتون أجدها عرجاء وتفتقر على السلامة، فالحضارات بذاتها لا تتصارع؛ لأنها المكسب النهائي للعقل البشري، إنما أذهب إلى ما يذهب إليه صديقي التروتسكي «طارق علي» من أن الحضارات وهي تتفاعل فيما بينها، تنتج أصوليات راديكالية، وأن هذه الأصوليات هي التي تتصادم وليس الحضارات الكبرى، فما نجده الآن هو ليس صراعاً بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، إنما هو نزاع عنيف بين أصولية إسلامية لها تفسيرها الضيق للدين وبين مزيج من أصولية إمبريالية-أميركية ذات بطانة مسيحية  تقول بالتفسير نفسه، وإذا كانت الجماعات الجهادية والسلفية تمثل الطرف الأول فالمركزية الغربية، ومنها العولمة الاقتصادية والثقافية القائمة على الاحتكار والاستغلال، بما في ذلك الأصولية المسيحية التي نشطت في الفكر الديني خلال العقود الأخيرة تمثل الطرف الثاني، إذا يحاول كل طرف خلق مجال ثقافي وديني للتحيزات الخاصة به، فيمارس العنف باسم الحضارات التي ينتمي إليها، لكن تلك الحاضنات الكبرى لا علاقة لها بصراعاتهم. وعليه تبطل بعض جوانب فرضية هنتنجتون القائلة بصراع الحضارات، فالأصح هو أن جماعات راديكالية أصولية او احتكارية تؤجج العنف داخل هذه الحضارة أو تلك ضد مجموعة مضادة. فنحن بإزاء صدام للأصوليات وليس للحضارات. وبعبارة أخرى هنالك نزاع بين قوى تريد فرض هوية كونية وقوى إقليمية تدعي الحفاظ على الهويات الخاصة.

ولو تتبعنا هذا التحليل إلى نهايته لاتضح المقصد بصورة أوضح. فعلى المستوى الإسلامي نفسه لا أجد شخصياً صراعاً بين المذاهب والطوائف التي تقر جميعها بالانتماء إلى الدين الإسلامي، إنما الصراع بين جماعات متطرفة داخل هذا المذهب أو ذاك، وهذه الجماعات سواء كانت دينية أو قبلية أو عرقية تحاول تأميم رأس المال الرمزي للدين أو العرق أو الثقافة لصالحها، لتبدو وكأنها تنطق باسم الجماعة، وتعبر عن تطلعاتها الكبرى، والتحليل النقدي يكشف زيف هذا الادعاء. فالروابط بين الحضارات الكبرى تزداد قوة يوماً بعد يوم بفعل الاتصالات والمصالح والهجرات، لكن الأصوليات المتعصبة تلجأ إلى تفسيرات ثقافية متحيزة لها صلة بنظام القيم فتتصادم فيما بينها.

واقترح بأن نعيد النظر بكل ذلك، لامتصاص شحن الغلواء التي تدفع هذه الجماعات إلى ممارسة العنف فيما بينها، بما يلحق ضرراً بالحضارات نفسها، وقد حللت هذه الظاهرة في كتابين من كتبي هما «المركزية الغربية» و«المركزية الإسلامية». ووجدت أن الخلاف هو خلاف بين المركزيات القائمة على أساس تفسيرات مغلقة أو شبه مغلقة للعقائد والثقافات، ولابد من زحزحة الحدود الوهمية الفاصلة بينها، وتفكيك الركائز والفرضيات الوهمية القائمة عليها. ولابد من إعادة النظر بكل ذلك بواسطة فكر نقدي عقلاني، فأنا أذهب مع «هابرماز» إلى ضرورة ظهور نوع من«الدين العاقل» الذي يجعل من العقلانية النقدية الوسيلة الأساسية لاقتراح الأفكار والأنظمة، لكي تنطفئ جذوة «الدين المتعصب» التي تؤججها تفسيرات مغلقة للظاهرة الدينية.

لابد من التأكيد على أن ما يمور به العالم من تنازعات كبرى مرجعه – في الغالب-الانحباس في تصورات مغلقة تغذيها رؤى تستند إلى تصوراتٍ متعصبة، ومع أن المجتمعات في العصر الحديث طوّرت ما يكفي من أسباب التنازع كالأيديولوجيات المطلقة، والاستبدادِ، والاستغلال، والمصالح، لكن التنازعاتِ الكبرى هي نتاجٌ لمركزيات ثقافية وجدتْ لها دعما من أطراف التنازع، وبسبب غياب النقد الذي يجرّدُ تلك المركزياتِ من غلوائها، في نظرتها المغلقة إلى نفسها وإلى غيرها، فقد تصلّبتْ تصوراتُها، واصطنعت لها دعامات عرقية أو دينية أو ثقافية، أدّت إلى زرع فكرةِ السموِّ والرفعةِ في الذات والدونيةِ والانتقاصِ في الآخر، ومع أن كثيرا من أطراف العالم تداخلتْ في مصالحِها، وثقافاتها، وأفكارِها، لكن ضَعفَ الفكرِ النقدي حال دون أن تتلاشى المركزياتُ الكبرى. ثمة عوائق ثقافية استجدت، فلم يعد تبادل الأفكار، والقيم، ميسورا بالدرجة التي نتصورها، إذ نشأت حدود رمزية فاصلة بين المجتمعات بفعل النزاعات السياسية والدينية والثقافية، وبذرائع المحافظة على الأصالة والهوية ظهرت ردود أفعال مناهضة للتغيرات الاجتماعية والقيمية، ففي ظل توترات تجتاح العالم، وقوى إمبراطورية تريد إعادة تشكيله طبقا لرؤاها ومصالحها، لجأت كثير من المجتمعات إلى الاعتصام بنفسها، وبقيمها، وبثقافتها، وذلك في رغبة عارمة للحماية الذاتية. ومن الطبيعي أن الرغبة في صيانة الذات ستؤدي إلى درجة من الانقطاع عن جملة التحولات الجارية في العالم، فيحل الرفض محل القبول، ويسود الخوف بدل الأمان، والريبة مكان الطمأنينة، وتندلع نزاعات ثقافية بموازاة الصراعات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
** عن مجلة “نزوى”

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (19)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حنان الصايغ: هناك بركانًا بداخلي يتمازج مع ألواني وفرشاتي
حوار أجراه: خالد ديريك

تتعمد (الصايغ) أن تكون اللوحة مفرحة حتى لو كان موضوعها كارثي (الصايغ) ممن يقف في …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (18)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *