تابعنا على فيسبوك وتويتر

رغم قراءتي للعديد من القصص العالمي التي تَمَثَلْتُ بعضاً منها ، وحاولت تقليد البعض منها أيضاً .. أعترف أنني لم أقرأ أية قصة قصيرة لأي كاتب عراقي إلا في منتصف السبعينيات ، حين اصطحبني الصديق القاص محمد الرديني الى بيت المبدع جمعة اللامي .. كما أقر بعدم معرفتي بالقصص السرياني إلا بعد تعرفي على الصديق القاص هيثم بهنام بردى ، الذي شاركت واياه في الندوة العربية الأولى لقصص الشباب التي أقامتها مجلة الطليعة الأدبية في بغداد عام 1980 ، والذي هيأ لي من خلال / أحاديثنا / نقاشاتنا / اهداءاتنا / التعرف على رافد مهم من روافد نهر القصص العراقي ، وأعني به ثلة القصاصين العراقيين السريان الذين شاركوا ، وما يزالوا مشاركين في تشيد واجهة جانب القصص السرياني من برج السرد القصصي العراقي المشرئب دوماً نحو سماء الإبداع ، ذلك الجانب الذي أُستهل بتجربة القاص المقل إنتاجا ، المميز إبداعا  يوسف متي ، الذي أُعتبر واحداً من صناع فجر القصة القصيرة العراقية ، ومعبدي طريقها في ثلاثينيات القرن المنصرم (1) ، لكن سطوع هذا القاص المجدد الذي فاق زمانه ، وبز أقرانه في البعض من قصصه ، سرعان ما خبت نصاعته بالتعجيل نفسه الذي ابتدأ به مشواره في كتابة القصة القصيرة ، ولما يتسنى له جمع بيدر قصصه ونشرها في مجموعه ، تاركاً خلفه باب قلعة القصة القصيرة موارباً لتخرج منه أسماء أخرى لقصاصين سريان رفدوا القصة العراقية القصيرة بعطائهم الثر  .. ابتداء بالقاص أدمون صبري الذي خرج من محراب القصة القصيرة الخمسينية متلفعاً بزينة السرد الصوري ، متنكباً خرج الأربعينية الانتقادية الملىء بعطايا السرد الواقعي التصويري ،  والتي ظل لأكثر من عشرين عاما يلقي بأحجارها في نهر النقدية العراقية دون أن تنداح عنها الدوائر .. أعقبه القاص يوسف يعقوب حداد ، الذي عانى في حياته كالذي عاناه القاص أدمون صبري من تجاهل النقاد ، حتى مجىء القاص والشاعر الستيني سركون بولص ، الذي مهدت تجربته الطريق الى مشهدية القصة السريانية السبعينية المتمثلة / بسعدي المالح / فاضل نوري / بنيامين حداد /والتي دعمت بعدة أسماء لقصاصين راكدين في أرضية القصة الثمانينية / كهيثم بهنام بردى / سهى رسام / سعيد شامايا / ثم نصبت القصة القصيرة السريانية خيمتها التسعينية على أعمدة / عادل دنو/ بطرس هرمز/ بولس آدم / نوري بطرس / يوسف يلدا /  جوزيف حنا يشوع / ومرشد كرمو / (2) .. ويعتبر القاص أدمون صبري حالة خاصة من حيث إثارته حيرة النقدية العراقية ، فهو لم يحظ  من النقاد بما يماثل غزارة إنتاجه وتنوعه مابين / القصة / الرواية / المسرحية / إلا بعد انضمامه الى قافلة الخالدين من الأدباء الذين تعودنا أن لا نشعر بأهمية ما ظلوا عاكفين عليه من إبداع ،  وأفنوا حياتهم في سبيل / تحريه / استشرافه / التبشير به / وترسيخه / فحدث أن احتفى البعض من النقاد بأدمون صبري بعد مماته ، وهو الذي كان طريدتهم ، وعرضة لتهجمهم في حياته (3) .. والذي يثير / التساؤل / الدهشة / الاستغراب /  أن الرجل كان واقعياً صورياً حد العظم /  مخلصاً / وفياً / لواقعية القصص العراقي الأربعيني ، وظل سائراً طيلة مسيرته الإبداعية في السرد على اثر ( ذو النون أيوب ) الذي حظي طيلة حياته باهتمام النقاد العراقيين الذين ما يزالون يعدون له متكأ في خيمة النقد العراقي بعد مماته ، بينما بقي  نهج تجاهلهم لأدمون صبري على حاله ، وهو الذي حدا به يوماً الى إطلاق صرخة / المستغيث / المحتج/ ( إنني أعيش حالة اللا سلب ، واللا إيجاب . إنني معزول، فلماذا لا يقولون كلمتهم الأخيرة فيّ ؟ (4)  وربما كان الحوار الذي أجراه مع القاص أدمون صبري ، المبدعان فوزي كريم ومالك المطلبي تحت عنوان قاص عزله النقاد هو صدى لتلك الصرخة (5) كما تمخض اهتمام الشاعر فوزي كريم بأدمون صبري عن كتاب صدر عن وزارة الثقافة والفنون عام 1979 (6)  وتذكره الناقد سليم عبد القادر السامرائي في كتابه ( قصاصون من العراق (7)) وكذلك فعل الدكتور عبد الإله أحمد في الجزء الثاني من كتابه ( الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية ) .. وقد خلصت بعد قراءتي المتمعنة لقصته المتميزة ( الحديقة ) في مجموعته الرصينة ( كاتب واردة ) ، التي صدرت عام 1955 ، أن هذا القاص الغزير الإنتاج ، ربما كان قد ظلم من النقاد في جل ، لا كل أعماله واشتغالاته ..  وهذا ما أكدته لي قصته ( الحديقة ) التي أيدت صدق مقولته عن نفسه : انه يكمن في المستقبل (8) ، وأنا لا أدعي الحرث في حقل إبداع أدمون صبري ، كما لا أدعي الإحاطة بإعماله كافة ، التي أفترض انها على كثرتها وتنوعها ، أعمال لا تخلو من سرود جيدة ، وموضوعات منتقاة هادفة ، ولإثبات هذا الافتراض .. فأني سألتقط ثلاث صور متوالية من قصته ( الحديقة ) وهي :
1- صورة الطفولة في المكان .
2- صورة المكان في الطفولة .
3- صورة المكان في الميتا مكان .
1-  صورة الطفولة في المكان :
تتجلى صورة الطفولة في المكان بمنظورين مختلفين هما ، الحركة التي هي سمة  الطفولة ، والسكون الذي هو سمة المكان ، المنظور الأمامي في الصورة السردية لقصة ( الحديقة ) هو دليل الحياة المتمثل بالطفل ، ومنظورها الخلفي هو وعاء الحياة المتمثل بالمكان ، ومن هنا يمكننا القول بأن العلاقة الجدلية بين طفولة المكان ، ومكان الطفولة مثلت دعامة ارتكاز خيمة الواقعية الانتقادية التي هدفت اليها قصة ( الحديقة )  فالواقع الذي يمثل اصطلاحاً موحداً قائما بذاته ينفصل الى واقعين  متعارضين هما ، واقع الأطفال المتمثل / بالبراءة / النصاعة / النضارة / الوضوح / التطلع / .. وواقع الرجال المتمثل / بالهواجس / الضغوط / الهموم / الإحباط / الوهم / .. والخلفية التي يتنافر عليها هذان الواقعان هي المكان المتمثل بالحديقة ، فالمكان بنوعيه القسري ، والاختياري ، كان وما يزال فناراً تهتدي إليه سفينة أحلام الطفولة ، أو صخرة تصطدم بها سفينة أحلام الرجال .. يستهل الوعي الجمعي صورة الطفولة بمفتتح أولي يعد لها متكأً في المكان ( كنا في ذلك العهد طلبة في الصف السادس ، نتكدس كل صباح في غرفة الصف المعتمة ، خمسة عشر صبياً كفلول كتيبة مهزومة ، مصوبين أنظارنا نحو اللوحة السوداء الملتصقة بجدار من الطين ، ناقلين عنها ما يسطّره الطباشير الأبيض من كلمات ورسوم ) .. لقطة داخلية ، يستعيد القاص تصويرها عن طريق الارتداد الى عنصر الطفولة المحبطة ، في محاولة لتمثيل الواقع من خلال الصور المتواترة في الذاكرة ، والانزياح نحو الصور الرتيبة اليومية لعرض الوقائع ، والحقائق الخارجية المتمظهرة في المدرسة ، وهي المكان الواقعي الذي يراه الطلبة بعين اليقين ، لأنهم يرتادونه كل يوم ، كونهم يمثلون الجزء الأهم من مكوناته كمكان لا يمكن إعادة تصويره بشكل مغاير ، أو إبداله بتصوره  في التنائي الى الميتا مكان لرؤيته لا بوجوده العيني وإنما بوجوده المخيالي ، أو إبعاده  عن ما خصص له ، وشيد من أجله كمكان للتعليم  .. وفي مفتتح لقطة الاستهلال الثانية يعرض القاص  صورة خارجية  للرجولة المحبطة المتمثلة بالمعلمين وعلى خلفية المكان نفسه حيث يقوم بعرض الصورة السردية على نحو متدرج من المنظور البصري الخارجي المفتوح الى المنظور الداخلي المكنون في الوعي الجمعي ( لنا هيئة من المعلمين في غاية العجب ، كأن الدولة أرادت أن تجعل منهم متحفاً للمخلوقات النادرة ) ولتأكيد اختلاف أشكال ، وأفكار ، وأخلاق المعلمين ، ولإظهار التناقض في طباعهم وسلوكهم ، ولإقناع المتلقي بواقعية القصة ومصداقيتها ، يلجأ القاص الى عرض صور لمعلمي المدرسة ومديرها ، يستهلها بالوصف الفوتوغرافي الدقيق لمعلم الرياضة ، كما يستخدم الطريقة نفسها في وصف معلم الرسم  ، إلا أنه يستخدم طريقة مغايرة لوصف معلم الجغرافية ، يمزج فيها بين مظهر الرجل وجوهره ( ومعلم الجغرافية شاب جميل مهندم كان يدرس التمثيل في بغداد، وفيما هو على أهبة التخرج نقلته الوزارة الى بلدتنا فأضاعت عليه أعظم فرصة ، إلا أنه حرص على استعادة أدواره الممتازة ، ولأجل ذلك صار يمثل أمامنا ، فحينما نحييه في الصف ينحني انحناءة طويلة وينشر يديه ويتلطف بابتسامة ، كما يفعل الموسيقيون بعد انتهاء عزفهم ، وعندما يتحدث عن روما وباريس وفيينا يتحسر وينتابه الانفعال ويضرب الأرض بعقبه في هياج حتى تكاد عيناه تدمعان فيصيح في يأس : إنكم لا تفهمونني أيها الصغار أنا فنان أملك مواهب .. آه لأكاد اختنق في هذا المكان ..العالم فسيح وعظيم ونحن نعيش في عزلة ، ما أفظع هذا ) .. في هذا المقتبس يحاول القاص أدمون صبري وعن طريق السرد الصوري إظهار صورة وصفية واحدة / للقاعي / والسطحي / للمخفي / والمعلن / في شخصية معلم الجغرافية ، من خلال الربط بين صورتين ، صورة الإحباط الظاهر في تحقيق الأمل الذي حال نقل المعلم دون تحقيقه ، وصورة الإحساس المستمر بالحلم ، والإصرار على تحقيقه ، وعدم الرضوخ للحقيقة الواقعة الملموسة التي أفرزتها الوقائع ، والبحث عن الخلاص بالتحليق في فضاء الوهم .. وعلى عكس هذه الصورة الاستبدالية التي أراد القاص لمعلم الجغرافية ، الذي حالت الوقائع دون تحقيق أحلامه ، النفاذ بواسطتها من عبوس الوجه الحسي المرتبط بالواقع المؤلم ، الى إشراق الوجه الحلمي المحلق على بساط الحلم .. تأتي الصورة الكاريكاتيرية لمدير المدرسة . ( ولنا مدير شاذ الطبع يلوح في الصف متداعياً تعباً كأنه  قد قضى الساعات العشرين الماضية مضطجعاً في تابوت فاستيقظ مبهوتاً فزعاً  وهرول الى المدرسة مشعث الشعر زائغ البصر ، وكان يدخن اللف في إسراف ، وفي الصف يحملق في وجوهنا بشدة ويتابع حكايته عن موضوع الواجبات : الدولة سلطة عليا تنشئ المستشفيات والمستوصفات وتقيم المدارس وتعين المعلمين وتبلط الطرق وتسهل مراسلات الناس وتحفظ الأمن وتحمي حدود البلاد ثم يسهب في واجبات البلدية ، فيتحدث عن مشاريع الماء والكهرباء وينتهي الى الحدائق العامة التي تنشئها البلدية لراحة الناس وتلطيف جوهم ) لقد كان مدير المدرسة الدعي المتداعي شخصية دون كوشوتية ينفس عن ما في داخله من إحباط بإلقاء الخطب الحماسية ، وكأنه موكل بأمر تغير الواقع المزري للناحية التي تمثل صورة مصغرة للواقع الذي كان عليه العراق في الخمسينيات ، ولكنه في الحقيقة كان فارساً بسيف خشبي ، أرقته العزوبية المستديمة التي أكلت سنوات عمره فأدمن ملاحقة النساء والتطلع في وجوههن لإشباع جوعه الجنسي . ( وقد أودى به هذا الحنين الذي كان يتكشف في صور شتى الى مآزق ومصادمات جارحة . كان يسأل الطلاب عن أهل بيتهم من النساء أو يطيل النظر الى صدور المرضعات في اشتهاء فيثير بذلك الأقاويل وينشر الهمس ، وطالما وجد يذرع أزقة الناحية ملقياً نظرات مشبوهة داعرة الى ما وراء الأبواب ) بعد عرض هذه الصورة الكاريكاتيرية لدون جوان الناحية ومدير مدرستها الذي سيكون في ما بعد ضحية تقمصه لدور المثقف الواعي المنتبه لما يجري من حوله .. يعود بنا القاص مباشرة الى صورة الطفولة في المكان المتمثل بحديقة الناحية . ( أما نحن الذين شبينا عن الطوق منذ عام على أكثر تعديل فقد غدونا صخابين مشاكسين لا تكاد الناحية تحتوينا بطاقاتنا الهائلة المتفتحة حديثاً . في الأمسيات نزجي فراغنا في حديقة الناحية ، فهي على فقرها ويبوسها تمدنا بالعون لقتل الوقت الذي يئيد علينا بثقله المرهق )  ، تلك الحديقة التي ستتحول الى ساحة معركة بين مديري المدرسة ، والناحية ، والتي ستحقق فيها الصورة الظاهرية السالبة لمدير المدرسة ، انتصاراً على صورته الداخلية المهزومة .
2- صورة المكان في الطفولة :
الصورة المكانية كما تُرى بعين الطفولة ، صورة جميلة أو قبيحة ، واقعية أو مفترضة ، سواء التقطت بعدسة المخيال اللامة ، أو عدسة الواقع المسطحة ، يلتقطها القاص في لحظة عابرة تتجلى الكائنات المؤثثة لها كصورة في خلفيتها المكانية عن طريق الوعي الجمعي ،  أو الوعي المترسب في الذاكرة ، الكامن في ذات المنتج ، وهو القاص المحكوم بالكيفية اللاشعورية التي تتحكم بالصور السردية .. والصورة المكانية للحديقة تؤدي الدور الرئيس في قصة أدمون صبري باعتبارها المعيار للمكان الواقعي من وجهة نظر الطفولة ، بينما تؤدي كل من المدرسة ، والناحية دوراً ثانوياً مكملاً تفرضه صورة الأثر الكلي للقصة المتشكلة من الصور السردية الثلاث ( كانت حديقة  عاطلة مسيجة بأسلاك مقطوعة ، تتوسطها بركة من الأسمنت سيئة التكوين ، يتدفق عليها الماء من نافورة رصاصية مبعوجة ، يقوم على حراستها وريها رجل من البلدة ، يؤدي الى جانب ذلك خدمات في بيت مدير الناحية .. نرتاد الحديقة في الأمسيات ، حيث نشهد غروب الشمس ، وهي تتوارى في كآبة وراء التلال التي لم يصل اليها أحد منا ، وفي الصباح من أيام العطل كنا نخف الى حديقتنا مسرعين ، فنقرأ وننشد الأناشيد ، ونقوم بتمرينات رياضية غير عابئين بوساختها وبالإهمال الطويل الذي تعرضت له من جراء الماء القليل الذي تصيبه . ) .. يقول ياسين النصير: ( لن يكون الحاضر مولداً للصور بدون أن نعيش في صور ماضي الأمكنة9 ) .. أن صورة الحديقة بكل ما اشتملت عليه من / انتماء / نماء / ديكور / إكسسوار / رومانسية / صراع / هي صورة لمكان واقعي مرئي ، عرفه القاص في طفولته عن كثب ، وهي في الوقت نفسه صورة أخرى مغايرة لمكان متخيل أنتجته مخيلة القاص بعد النأي عنه ومفارقته كمكان مادي ، رآه القاص رؤيا العين ،  ثم عاد بعد الابتعاد عنه ليراه بما بعد رؤيا العين .. لتتحول تلك الحديقة الصغيرة المتروكة في ناحية منسية ، التي كانت مسرحاً للصراع بين مدير المدرسة الذي يؤدي دور المثقف ، ومدير الناحية الذي يؤدي دور الحكومة ، الى ساحة صراع كبيرة بين الثقافة  والسلطة ربما تتسع بحيث لا تستوعبها خارطة البلد .. إن المرايا المشروخة التي عرضت عليها صور الأمكنة في قصة الحديقة ، تستدعي قراءة تصورية    للصور السردية لتلك الأمكنة / المدرسة / الناحية / الحديقة / وتلك القراءة ستقودنا شئنا أم أبينا الى التأويل .. يتساءل شرف الدين ماجدولين : ( ما الذي سيحدث لو حاولنا أن نفكر في اللغة السردية باعتبارها ” صورة ” ؟  هل سنحتاج فقط الى حدود القراءة أم لا مناص لنا من التأويل؟ 10)    .. بينما تستدعي الأطر الصدئة التي زنرت صور شخصيات القصة قراءة لفظية لتلك الشخصيات / الأطفال / المعلمين / مدير المدرسة / مدير الناحية / زوجة مدير الناحية / .. وكان من المكن لهذه الشخصيات أن تشارك مشاركة فعالة في استظهار صور الأمكنة الثلاث ، ولكن القاص أدمون صبري المحكوم بنمط الكتابة السردية السائدة في الأربعينيات ، والذي استفاد استفادة قصوى من فترة طفولته في هذه القصة ، لم يشأ ذلك ، واكتفى عن طريق استعادة المكان من منظور الطفولة ، ولعلها طفولته هو وأقرانه  ، بجعل المكان المتمثل بالحديقة صورة يظهر من خلالها السلوك السلطوي المتمثل بمدير الناحية ، ذلك كان شأن الواقعية الانتقادية في القصة القصيرة العراقية التي كان أدمون صبري واحداً من أقطابها .. فالحديقة ـ المكان ــ باعتبارها الأرضية التي انبثقت منها وجرت عليها أحداث القصة المتوالية ، كما اندرجت تحتها كعنوان ، تحولت من صورة لمكان ، الى مكان لصورة ، إذ تغير حالها بعد مقدم مدير جديد للناحية ، ولم تعد حديقة عاطلة ، بعد الاهتمام الذي أبداه مدير الناحية بالحديقة وإشرافه الشخصي على تطويرها (وقد نالت الحديقة حظوة بالغة من عنايته ، فغرس فيها الشجر ، وأجرى عليها الماء ، وأحاطها بالكالبتوس واللبلاب ، وجعل فيها عرائش مظللة بأوراق الكروم ، وسرعان ما انبثق من أرجائها الزهر الفواح من الأرض الغبراء ناشراً أريجه العاطر من مئات الورود ) وقد كانت كل هذه التحسينات تجري أمام أنظار الطلاب الذين يشكلون وعي الطفولة الجمعي في هذه القصة المتميزة من بين قصص أدمون صبري على كثرتها والتي سنكتشف بعد الانتهاء من قراءتها أن القاص أراد أن يجعل من الحديقة كمكان صورة يوثق بها إدانته لجعل السلطة مطية للمصالح الشخصية وهي السمة التي ميزت موظفي الدولة في الفترة التأريخية التي كتبت بها قصة الحديقة .
3- صورة المكان في الميتا مكان :
تفقد الأمكنة الكثير من جمال صورتها السردية وفنيتها ، إذا ما نظرنا اليها من منظور مادي يجعلنا نرها كصور فوتوغرافية ناقلة للجانب الحسي من الأمكنة .. في حين يتوجب علينا كي نشعر بجمال صور الأمكنة أن نغمض أعيننا على أخر قراءة صورية لتلك الأمكنة ، كي يتسنى لنا إعادة تظهيرها ، والتمتع بها بعين المخيال ، أي أننا نقوم بعملية نقل صور السرد المكانية من المكان الواقعي الى الميتا مكان ، لأنه من غير الممكن أن تمنحنا القصة المكانية نصاعتها بالقراءة اللفظية فقط .. بل لا بد لنا من قراءة مخيالية تصورية للمكان بسيميولوجية جديدة ، وقد بدأت هذه القراءة الميتا مكانية للحديقة كمكان أثر التحسينات التي أحدثها مدير الناحية الجديد على الحديقة لتخرج على الناحية بحلة جديدة تبعث الانبهار .. لكن أهالي الناحية والطلاب بما فيهم راوي القصة لم يكن بمستطاعهم الدخول الى الحديقة ، والاستمتاع بما فيها لأنها أصبحت حكراً على المدير وزوجته ( نما في أنفسنا بتراخي الزمن حقد دفين لمدير الناحية ، إذ حرمنا من حديقتنا ) ، إذن أصبحت الآن للحديقة صورتان من وجهة نظر الأطفال الرواة الذين فوض القاص نفسه للحديث باسمهم .. الصورة الأولى ، صورة واقعية ، التقت للحديقة العاطلة يوم كان بمقدور الأطفال دخول الحديقة ، ورؤيتها رؤيا العين ، وهي صورة سردية مكانية يمكن مشاهدتها عن طريق القراءة اللفظية  .. والصورة الثانية ، صورة متخيلة ، التقطت للحديقة بعد أن حرم الأطفال من الدخول اليها ، ولم يعد باستطاعة أعينهم رؤيتها عن كثب ، فراحوا يصورونها بعين المخيال ، إذن هي صورة سردية ميتا مكانية .. وسواء كان القاص أدمون صبري واعياً لهذا أم لا ، فانه قدم الصورة المكانية للحديقة كصورة مخيالية تمظهرت في مخيال الوعي الجمعي للطفولة ، ولم يقدمها كصورة وصفية ملفوظة من واقع الوعي الجمعي للرجولة ، لأننا بحسب قول ياسين النصير :( لا نعيش في المكان الواقعي فقط ، بل نعيش في صورته التي نرسمها في مخيلتنا 11) أي أن صورة الحديقة السردية ووفق هذا المنظور ، هي صورة / وهمية / متخيلة / مجردة / لماهية الشىء المصور ، يطلق عليها شرف الدين ماجدولين مصطلح ( المصورنه  12  ) .. وأرى أن صورة الحديقة كمكان ، صورة سردية مدورة ، ظُهِرَتْ في مفتتح القصة كصورة لمكان واقعي عاطل قبل الاهتمام بها ، ثم صورة لميتا مكان بعد التحسينات التي أجريت عليها ، والتابو  الذي سنه مدير الناحية بتحريم دخولها ،  لتعاود صورتها الأولى بعد المشاداة التي حدثت بين مدير المدرسة ، ومدير الناحية ، ثم عادت الى صورتها الثانية بعد إنهاء خدمة مدير المدرسة ، وانتقاله الى جهة غير معلومة ، لتعود الحديقة حكراً على مدير الناحية وزوجته اللذين يمثلان التنفذ السلطوي ، ويعود الأطفال الى الحرمان من دخول حديقتهم أو اللعب بها ، والذين ظلوا يحنون الى حديقتهم كمكان ارتبط بطفولتهم ، حتى حين بلغوا مرحلة الرجولة ، ( وها قد كبرنا وانتشرنا في أرض الوطن ، وحالما يلتقي أفراد الكتيبة المهزومة يجري الحديث في الحال الى المديرعبد المجيد ، وأيام الحديقة العامة )

هوامـــــــش
ـــــــــــــــــ
1-    د . أحمد ، عبد الإله ، نشأة القصة العراقية وتطورها في العراق 1908 ــ1939 ص124 وما يليها .
2-    بردى ، هيثم بهنام ، قصاصون عراقيون سريان في مسيرة القصة العراقية ، إقليم كردستان العراق ــ وزارة الثقافة سلسلة الكتب السريانية (1) 2009 ص 9 ـــ 10
3-    نفسه  ص 28 ـــ 29
4-    نفسه ص 27
5-    مجلة ألف باء العدد 254 تموز1973
6-    كريم ، فوزي ، أدمون صبري ـــ دراسة ومختارات ، وزارة الثقافة والفنون ، سلسلة القصة والمسرحية / 89 / 1979
7-    د . أحمد ، عبد الإله ، الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية ــ الجزء الثاني ــ منشورات وزارة الإعلام ــ سلسلة القصة والمسرحية / 112 / 1977
8-    في مقابلة أجرتها معه مجلة ألف باء عام 1971 سُئِلَ : أين يكمن أدمون صبري ؟ فأجاب : يكمن في المستقبل
9-    الجبوري ، زهير ، ياسين النصيرـــ المكانية في الفكر والفلسفة والنقد ــ دار نينوى دمشق 2008 ص 90
10-     ماجدولين ، شرف الدين ـــ الصورة السردية ، في الرواية والقصة والسينما ، منشورات الاختلاف ،الدار العربية للعلوم ناشرون ص 9
11-    الجبوري ، زهير ، ياسين النصيرـــ المكانية في الفكر والفلسفة والنقد ــ دار نينوى دمشق 2008 ص 89
12-    ماجدولين ، شرف الدين ـــ الصورة السردية ، في الرواية والقصة والسينما ، منشورات الاختلاف ،الدار العربية للعلوم ناشرون ص 41


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات ,
بواسطة : ,

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"