تابعنا على فيسبوك وتويتر

“قصائد في الذاكرة – قراءات استعادية لنصوص شعرية” هو الكتاب الجديد للناقد العراقي المعروف الدكتور “حاتم الصكر” الذي صدر ضمن سلسلة كتاب مجلة “دبي الثقافية” (التسلسل 52) ، وفيه يتناول نصوصا شعرية مثلت علامات باهرة ومميزة في مسار الشعر العربي في القرن الماضي ، ورسخت في ذاكرة المتلقي العربي عقودا طويلة . وقد كان ما قاله الشاعر “سيف المري” في تقديمه للكتاب دقيقا جدا حين خاطب القراء قائلا :
(ونحن أيها القراء على يقين بأن درجة استمتاعكم بهذا الإصدار ستجعلكم تسابقون الصفحات تقليبا وعودة . ونتمنى أن تقبلوا منا هذه الهدية السنّية التي اتحفنا وأتحفكم بها الكاتب الكبير الأستاذ د. حاتم الصكر – ص 5) .
وفعلا – وبالنسبة لي – فإن هذا الكتاب من بين أمتع الكتب النقدية التي قرأتها في حياتي . متعة بلا حدود .. نماذج شعرية فارقة .. تحليلات يمتزج فيها الشخصي بالجمعي .. والنص بالحياة .. والفني بالاجتماعي .. والماضي بالحاضر .. نظرات عميقة تخترق أستار النص لتمسك بالمستتر الحاسم من معانيه .
ومن وجهة نظري ، وقبل أن اشرع في قراءة الكتاب ، وبعد أن اطلعت على محتوياته على الصفحتين الأخيرتين والتي ضمت أسماء الشعراء وعناوين نصوصهم التي تم تحليلها ، عددت ما قام به الصكر تحديا ومجازفة قد توقعه في مصيدة التكرار . فالنصوص التي اختارها هي من أهم القصائد أو المجموعات التي أنتجها أولئك الشعراء الذين تصدى لدراستهم ، وهي نصوص أشبعت نقدا وتحليلا ، فما الذي سيضيفه الصكر إلى ما قيل سابقا ؟
لكن الصكر الناقد البارع المسلّح بمنهجية محكمة ، وبنظرة تحليلية ثاقبة يسندها خزين معرفي موسوعي ، ولغة عالية ، إستطاع تقديم قراءات تحليلية جديدة تماما ، بل تناقض بدرجة كبيرة الكثير من التحليلات السابقة ، ومنها ما قدمته أسماء نقدية لامعة لها حضورها في الساحة الثقافية العربية . فعلى سبيل المثال قصائد مثل تنويمة الجياع للجواهري ، الكوليرا لنازك الملائكة ، أنشودة المطر للسياب ، هذا هو إسمي لأدونيس ، أحن إلى خبز أمي لمحمود درويش ، مقتل كليب – الوصايا العشر لأمل دنقل وغيرها ، هي علامات فارقة ، بل إن بعضها نقاط تحول حاسمة في تاريخ الشعر العربي ، وقد نشرت عنها مئات الدراسات سابقا ، لكن الصكر كان صقرا فعلا في الانقضاض على النقاط والمفاصل والثيمات الدقيقة والحساسة على أرض تلك النصوص الشائكة .
ومن السمات الأسلوبية المهمة للصكر في هذا الكتاب هو السمة السردية الموفقة التي اسهمت في شد انتباهة القاريء ، وضاعفت من متعة القراءة من خلال شعور القاريء بأنه إنما يطالع “حكاية نقدية” إذا جاز هذا الوصف .
وقد جاء الكتاب أنيقا في غلافه وإخراجه ، وفي (235 ) صفحة من القطع الصغير ، تناول فيه المؤلف إثنين وعشرين نصا لاثنين وعشرين شاعرا منهم : الجواهري، نازك، السياب، أدونيس، عبد العزيز المقالح، البردوني، خليل حاوي، البياتي، الماغوط، البريكان، حسب الشيخ جعفر، سركون بولص .. وغيرهم .
ويأتي هذا الكتاب بعد سلسلة من المؤلفات المهمة التي أثرى بها الصكر المكتبة النقدية العراقية والعربية ومنها: الأصابع في موقد الشعر، مواجهات الصوت القادم، كتابة الذات، البئر والعسل ، ترويض النص .. وغيرها ، هذا إضافة إلى ثلاثة دواوين شعرية .
تبقى تلك الشارة المؤلمة التي ذكرها “نواف يونس” في حديثه عن معاناة الصكر حيث قال على الصفحة السادسة :
(وعلى المستوى الإنساني وبعد فجيعته بوطنه وولده، وضع أوراقه الثبوتية في حقيبة سفره بعد ان ضاقت به السبل ، وليتنقل بين عدة محطات، ليحط به الرحال في اليمن الذي كان سعيدا، ومن ثم يجدد ترحاله نحو جامعات الولايات المتحدة بحثا عن لقمة العيش التي باتت عصية على الشرفاء حسب) ..
فوالهفي عليك يا حاتم الصكر ..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"