تابعنا على فيسبوك وتويتر

( إن خوفنا من الموت ، إنما يعبر عن فزعنا من أن ندفن أحياء ، وكأنما نحن نخشى ألّا يكون موتنا موتا كاملا ، أو كأنما نحن نتصور أننا سنظل أحياء في موتنا نفسه ، وإذن فإن خوفنا من الموت قد يرجع في جانب منه إلى أننا نتصور أنفسنا أمواتا أحياء ، وكأن الموت ليس موتا محضا ، بل شعورا حيّا بالفناء )                                
                                                                 ( إدغار ألن بو ) 
من الملاحظات الأسلوبية المهمة على الاشتغال القصصي للقاص المبدع ” لؤي حمزة عباس ” هو أنه لا يقدم مجموعة قصصية على الصورة التقليدية وذلك بأن ” يجمع ” قصصها من نصوصه التي نشرها سابقا ، ويضع لها عنوانا يستقيه من إحدى القصص – وهي التي يعدها القاص الأهم فنيا أو الأكثر تمثيلا للمستوى الفني لقصص المجموعة عادة – ، إنه يقدم في الواقع ما يمكن تسميته بـ ” كتاب قصصي ” أو ” نصوص تترجم رؤيا قصصية ” . حصل هذا بصورة أولية في مجموعته الأولى ” على دراجة في الليل – 1997″ ثم تنامى مع نضج أدوات الكاتب في مجموعة ” العبيد – 2000″ التي وصفها هو نفسه بأنها كتاب قصصي ، ووصلت درجة مدهشة من الإحكام في مجموعة ” ملاعبة الخيول – 2003 ” التي وصفها بـ ” طفولات قصصية ” ليصل هذا النهج السردي الذروة في المجموعة التي بين أيدينا الآن ” إغماض العينين – دار أزمنة – عمان – 2008 ” . ولم يضع لؤي هنا عنوانا تفسيريا ثانويا كـ “كتاب قصصي” أو “طفولات قصصية” كما فعل في مجموعتيه السابقتين ، لكنه استهل المجموعة – بعد الإهداء – بعبارة منه تقول :                           ” .. إحساس داكن ، كثيف ، يتوعدني : إن اليد التي أفلتت القلب مرة لن تستعيده إلى الأبد – ص 9 ” . ولأننا لا نتفق مع أطروحة ” ثريا النص ” بالمعنى المسبق والتي تقترب من المفهوم الشعبي ” المكتوب يعرف من عنوانه ” ، ونؤمن أن فهم أي عنوان أو عبارة تمهيدية أو فقرة استهلالية لا يمكن أن يكون متكاملا وناجزا إلا بعد الإمساك بـ ” الصورة الكلية – gestalt ” التي يوضع بعدها العنوان في موضعه ضمن الإطار الكلي ، في حين تكون محاولاتنا التفسيرية قبل ذلك عبارة عن لعبة احتمالات وتأويلات قد يثبت عكسها في كثير من الأحوال . وإلا فما الذي يوحي به إليك – قبل أن تكمل النص – عنوان قصة ” عين كبيرة لامعة ” للؤي ذاته من مجموعته ” العبيد ” غير عين مترصدة أو عين أنثى جميلة أو أي احتمالات أخرى تشي بجانب جمالي من نظرة ثرية بالمعاني . وكلها لا صلة لها بالمعنى النفسي الهائل لعين حصان اللوحة اللامعة التي يُسقط عليها الراوي صراعاته التبصصية التي أججتها خساراته الباهضة . أو – كمثال آخر – عنوان قصة ” خطط مسائية لحرب غير منتهية ” الذي قد يوحي إليك بكل الاحتمالات المرتبطة بالتهيؤ لحرب مقبلة إلا تداعيات محارب مجنون في مستشفى للأمراض العقلية . وبالنسبة للعبارة التمهيدية التي ذكرها لؤي على الصفحة التاسعة فسوف نتعرف
على ارتباطاتها المحكمة بنسيج المجموعة بأكملها بعد أن ننتهي من تحليلها ، مثلما سنستكشف الصلات المركزية للفقرة التالية التي سطرها على الصفحة الحادية عشرة والتي قال فيها :                                                                                               ( رأى الطفل ، في اللحظة التي أطلق النار فيها ، يركض في شوارع غريبة موحشة . رآه ، وقد اندفعت الرصاصة ، واقفا على ضفة ، تتلاطم خلفه الأمواج ، وجهه هاديء ، كما لو لم يركض في شارع أبدا ، ويداه مسدلتان ، حتى إذا اخترقته الرصاصة أغمض الطفل عينيه ، هكذا تصوّره ، تاركا جسده يسقط بلا صوت على الإسفلت – 11) . وستجد العبارة الأولى كجزء من النسيج السردي لقصة ” لا زيارات للغرباء ” على الصفحة 95. ولم يخترها لأنها عبارة ذات شعرية عالية وباهرة ، ولكن هناك قصدية فكرية ونفسية . هنا نقف أمام ثريا للنص من نوع آخر . هنا سندخل ساحة المجموعة وفي داخلنا إحساس لائب بخسارة فاجعة لا يمكن مواجهتها . وحين يخذلنا الكاتب في النصوص اللاحقة فسيصبح حكاء ساذجا يشتغل حسب نوبات الإثارة كما يفعل بعض الكتاب . ولنتذكر عبارة هايني الشهيرة : ” يتحدثون عن الإلهام وأنا أعمل كالحداد ، أطرق حلقة في حلقة ، وحلقة بحلقة ، وحلقة مع حلقة ” . ولؤي “حدّاد” سردي . أما الفقرة الثانية فإنها غير مقتبسة ولن تجدها في أي نص ، والكاتب صاغها لمر في نفس السارد لا يعمل كثريا ” تقليدية ” لكنه يقدم للمتلقي إيحاءات تهيؤه نفسيا لاستقبال معطيات القراءة اللاحقة ، أكثرها حسما هو وضعنا على عتبة قدرية الموت المصنّع – القتل ووحشيته . فهدف القتل هو ” طفل ” يثير التعاطف العاصف عادة ، تلاحقه الرصاصة وهو يركض في الشوارع الموحشة . ثم يستسلم عندما لا يكون هناك خلاص نهائي أبدا ، فتخترقه الرصاصة في لحظة ” شعرية ” حركيّة تصممها عين سينمائية ، فالطفل يقف على الضفة تتلاطم خلفه الأمواج هاديء الوجه ويداه مسترخيتان كما لو أنه لم يركض أبدا . وعندما تخترقه الرصاصة في ختام رحلة المطاردة القاتلة ” يغمض الطقل عينيه تاركا جسده يسقط ، بلا صوت ، على الإسفلت ” . لكن هذا تصوّر المراقب الراصد – ولا أعلم كيف يوصف بأنه ” الشخص الغائب أو الثالث ” وهو هنا تام الحضور ويقف بموازاة الشخص الأول / السارد ؟! – . إن تصور السارد أن الطفل يغمض عينيه لحظة اخترقته الرصاصة هو تصوّر مُسقط معاكس ، لأن في لحظة مواجهة الموت ، لحظة تأكد لاشعورنا الذي يعمل على أساس الإعتراف بموت “الآخر” وعدم الإقرار بفنائه الشخصي ، يغمض الشعور عينيه ، مقرا بإذعان لا فرار منه ، إذعان متأصل ومستقر ، في حين يفتح اللاشعور ” عينيه ” على سعتهما ، على تقوّض حقائقه وانقلاب أسس عالمه رأسا على عقب . إغماض العينين عند

الموت أو عند مواجهة المثكل – ويكون وجيزا جدا بلا مضاعفات لأن الموت حسب “عبد الرحمن بدوي” هو التجربة الوجودية الوحيدة التي لا تُجرّب ، فلا تستطيع القول : ” لقد متّ ” – هذا الإغماض السياقي الإنعكاسي – الفطري – العابر يعني في الواقع لطمة الصحوة للاشعور الذي ينهض مشوشا فاتحا ” عينيه ” بكل قوّة في يقظة يترتب عليها الخراب النهائي لحياة الإنسان الممتحن ، المراقب الذي يرصد تجربة موت الآخر . الموت ليس مشكلة الموتى – وهذا من دروس لؤي الفلسفية الأساسية – فهؤلاء يغمضون أعينهم ويرحلون ، لكنه – الموت أو المثكل – محنة الأحياء الذين لن يغمضوا أعينهم أبدا حتى لو أغمضوها فعليا . هؤلاء – وبدقة – يغمضون أعينهم لكي يتخلصوا من لحظة إغماض عيني ذلك الطفل القتيل ، فتنفتح أبواب عيون ذاكرتهم على مصاريعها ، فيشتعل لهيب القلق وتتكسّر أواصر الروح ، ويفزّون فاتحين عيونهم على واقعة الثكل والخراب التي لا يمكن مواجهتها إلا بإغماض العينين لغلق المنافذ على مثيراتها المريرة ، فتنفتح مصاريع عيون المكبوت في لاشعورهم .. وهكذا . هذه هي المعادلة المميتة ، الحلقة المفرغة القاضية التي ينطلق لؤي ليعبر عنها وببلاغة آسرة في الحركة الانتقالية الثالثة التي تمثلها المقدمة ( منطق الطير – مقدمة ، ص 13 ) ، لأن التجسيد الحقيقي لتلك اللعبة النفسية الخرابية هو أن من يوضع في قلب جحيمها يُصبح مثل ذاك الصيني الأسطوري الذي ذكره ( فريد الدين العطار ) في ( منطق الطير ) ، الصيني الذي ينهمك في تحطيم حجارة جبل وهو يبكي وتتساقط دموعه التي تتحول إلى حجارة يقوم بكسرها وهكذا .. في مسيرة فوق – سيزيفية ، وذلك لأن سيزيف كان – بعقاب من الآلهة – محكوما عليه بان يرفع الحجارة من سفح جبل ليوصلها إلى قمة هذا الجبل ، وحين يوشك على الوصول تسقط الحجارة منه وتتدحرج إلى السفح ليعيد حملها من جديد في رحلة عذاب لا تنتهي لكنها تنطوي على مراوغة ماكرة – ولهذا لم يخترها لؤي كواقعة أسطورية تمثيلية – لأن الأخ سيزيف سيلتقط أنفاسه ويستعيد قواه في رحلة النزول وهي عملية “سلبية” لا تُصرف فيها طاقة جسمانية كبيرة . مثل الصيني الأسطوري – وبكاؤه وتحوّل دموعه إلى حجارة يتفق مع جوهر الفلسفة الصينية ( البوذية أساسا ) التي تختلف جذريا عن الفلسفة الأغريقية – هو التوصيف الدقيق لحلقة إغماض العينين الواعي وفتحهما اللاواعي المتناوب حتى الإنهيار ، مثلما هو الفعل المعبر عن جوهر فعل الكتابة عن المثكل تحديدا ، وذلك لأن هناك اختلافات أساسية لم يلتفت إليها لؤي : ( كان بجبال الصين رجل مشغول بتحطيم الأحجار ، كانت عيناه تذرفان الدمع على الثرى ، تتساقط دموعه على الأرض بغزارة ثم تتحول إلى حجارة . كلما فتحت كتاب ( منطق

الطير ) تقودني حكاية ( فريد الدين العطار ) على نحو ما إلى فعل الكتابة ربما لأنها تقع خارج حدود الممكن ، داخل المشقة والوهم والمستحيل ، لكن ما يوحّد فعل الرجل مع أفعال الكتابة في نفسي هو الألم الذي يُنتجه كلّ منهما ، هذا الألم لا يخلو من رجاء بعيد – ص 13 ) . ولا رجاء في فعل الصيني الأسطوري يوازي الرجاء المخادع الذي يتمرأى خلف ستارة فعل الكتابة . ولخلق مسار مواز أو متطابق ثان بين الفعلين يقول لؤي : ( مع تحطم الحجارة وابتكار الكلمة تتقارب الصورتان ويتداخل المشهد ، ثمة دمعة تّذرف ، ( من عين الرجل أم من عين الكاتب ؟ ) ، إنها تسقط على الثرى لتتحول في سحر متصل إلى ما يبني العالم من حجارة وكلمات – ص 14 ) . ولكن دائرة العذاب – وهي بطولية وفق رؤيا الصيني – مغلقة على ذاتها بمعاني الألم الفعلي لا المجازي ، المواد الأولية اللازمة لتشييد جحيم الوجود الفردي تأتي من الفرد الضحية لتمعن في تعزيز أسس دائرة عذابه ، في حين أن الكلمات ( دموع الكاتب ) تحاول كسر جدار الحلقة المفرغة ، تهشيم حجارتها في فعل أغلبه التفافي ، ومجازي ، ودفاعي من أجل الخلود وتعطيل مسيرة حادلة الفناء المحتمة التي لا يتوقف هديرها أبدا . فعل دموع الكاتب يشابه تاثير التناسل والديمومة من خلال الأبناء والأحفاد ، أو طقوس الدفن والمآتم الدينية ، أو الإهتمام بالصحة البدنية الطبية الإجرائية ، أو التصورات الدينية والأسطورية عن الحياة المابعدية ( الآخرة ) ، في أنها كلها تدابير لتوفير الإحساس بالقدرة على مقاومة الفناء وتأمين مسار خلودي نفسي ، مسار يحاول ” إغماض العينين ” عن مواجهة حقيقة الحقائق ، حقيقة أن الموت هو الحي الذي لا يموت ، والموت مع الشمس حسب ” لاريكوشيفو” هما الشيئان اللذان لا يستطيع الإنسان النظر إليهما مباشرة . ودموع الكاتب / حجارته هذه هي التي شكلت الأدوات الباذخة والحجارة الحيّة التي حاول جيل الثمانينات – ولؤي منه ون أبرز ممثليه الشهود العدول – أن يبني منها دفاعاته في وجه المثكل . هؤلاء ( كانوا مشدودين لطموحهم في ابتكار عوالمهم وسط روائح الدم والرماد ، وقتها لم يكن الوطن وطنا ، كان ثكنة رمل تسوّرها أناشيد الحرب في غيب الصحراء . مات منهم من مات ، كما في الحكايات ، وعاش من عاش ليجد نفسه ، وقد مرّ ربع القرن سريعا ، يخطو داخل ( منطق الطير ) ، إنه يستقر الآن في الصفحة التي ينشغل الرجل فيها بتحطيم الأحجار – ص 14 ) . ولكن من عاش منهم وجد نفسه في مركز اللعنة التي كان فيها شاهد موت ( حجّار موت ) على من مات منهم . هو فعلا يطابق في حاله الفاجع حالة الرجل الذي يقطع أحجار دموعه ويعيش معه في الصفحة نفسها من منطق الطير مع فارق أساس هو أن الأخير هو في حالة إغماض عينين وجودي دائم إذا جاز الوصف وهو منهمّ

بثبات عزوم – لكن ثابت ومستقر وهذا ما يخفّفه – بالمثابرة في مواصلة مهمة عذابه البطولي ، في حين أن الأول هو في عملية تناوب مرير ، لا هوادة فيها بين أن يغمض عيني وعيه على المتعلقات النفسية اللزجة لمن مات منهم وكان من الممكن أن يكون منهم لولا فضل العاهرة اللعوب المسماة بالمصادفة ، وبين فتح عيني لاوعيه المذعور الذي تتقافز أمام بصره الحديد غيلان المثكل التي ولغت في دماء وجوده . هذه الرؤيا هي التي تحكم مجموعة إغماض العينين من أول نص فيها : “إتصال ” – وقبله طبعا الفقرتين التمهيديتين والمقدمة – وحتى آخر نص وهو ” لا زيارات للغرباء ” .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"