تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
منذ مجموعته القصصية الأولى “بورسعيد وقصص أخرى” عام 1957، وروايته الأولى “ضجة في سوق راكد” (1959)، أخلص الروائي الكبير محمود سعيد لهموم الإنسان العراقي والعربي. ولولا إصدار الراحل الكبير غائب طعمة فرمان لروايته النخلة والجيران عام 1967 لاستطعما القول إن وراية “زنقة بن بركة” (1970) لمحمود هي التي دشّنت العهد الفني الناضج للرواية العراقية. عام 2008 اعتبرت روايته “أنا الذي رأى” إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّأء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

تاريخية الماضي على لسان بنات يعقوب.. قراءة في رواية محمود سعيد
د. وسن مرشد
إن الكثير منا يدرك ويعي حقيقة التاريخ المزيف، المليء بالتلفيق والفتن الضارة، لكن جُل هذه العيبوب لاتمنع من تحقيق نسبة لابأس بها من مصداقيته، خاصة تلك التي ترتبط بالحضارات العريقة، وبلاد الرافدين واحدة من اعظم حضارات التاريخ.
وحقيقة التاريخ المعروف الأن هي، إنَّ مشاكل عالمنا العربي تعود في اغلبها إلى هيمنته كسلطة حاضرة ومؤثرة في العقل والسلوك على الشارع، ومجال التعليم، والمؤسسات الرسمية… الخ، فإنَّه- التاريخ- ليس مجرد حشو عشوائي من الأحداث، وإنَّ بدا ظاهرياً كذلك، فعلى العين الفاحصة أنَّ تستكشف الباطن والمضمر.
فالتاريخ الذي نعيشه الان هو حشد من الأخبار والوقائع والشخصيات، تم تناولها بطرائق مختلفة في أطار أيديولوجي وعقائدي، وحقيقة هذا التاريخ تأتي من القناعة والإيمان بشكل ذلك التأريخ وقداسته من تلك القناعات التي لا يمكن المساس بها، ولا بد من التمييز بين الظاهري في الواقع مَنْ الباطني الجوهري، فالممارسة التاريخية عندما توظف تحت النطاق الإخباري تتحول إلى مادة سردية تحمل من الضعف والخلل الشيءالكثير، أيّ أنَّها تعرض الأحداث على وفق تسلسلها الزمني، بعيداً عن التفسير الحقيقي لها، أو أنَّها تفسر الأحداث بطريقة أخرى، ومن ثم تبقى الأحداث تسير في مجال دوراني، وعليه لا تنتج معرفة حقيقية، وإنَّما جملة من التساؤلات والحروب .
وإنَّ التاريخ ليس عبرة من عبر الماضي، بل هناك إساءة في فهمه، ولكن قيمته لا تكمن في الماضي بقدر امتداده للحاضر والمستقبل، فإنَّه حالة مستمرة، ومن هنا فإنَّ الكثيرين يدعون إلى الإفادة مَنْ دروسه لإغراض الحاضر والمستقبل، بل أستطيع القول إنَّ كثيراً مما يمكن أنَّ يقع غداً، إنَّما هو بسبب صلته بالماضي واستيعاب دروسه، وقد أثبت التاريخ أنَّ كل مَنْ لم يستفد من الماضي سيكون ضحية سهلة لتقلبات الحاضر، ولن يكون له شأن في المستقبل .
وإنَّ كل ما يشهده الواقع السياسي العربي من فكر وممارسة ومعارضة، وتسلط أنظمة استبدادية، لها جذور ضاربة في التاريخ، وما تلك الأحداث التي نرصدها هنا وهناك إلا إعادة لارتدادات أخبار ماضية.
وصدقت بعض الروايات في استثمارها حقيقة التاريخ وماضيه، الذي يحمل اثار حضارية معروفة .
ورواية (بنات يعقوب) للروائي (محمود سعيد) واحدة منها، إذ نسجت الرواية حقيقة تاريخية مهمة، وسعت الى تحليلها وشرحها بطريقة سردية مشوقة تبتعد عن عن الرتابة .إذ وظف الروائي جانبه الثقافي، وعرض قراءاته المتعددة للمصادر التاريخية، وحقيقة الأديان، وحقيقة بابل العظيمة،ذات العراقة المميزة، وملكها(نبوخذ نصر)؛ ولأنه ابن حضارة عريقة،فإن مايدونه عنها يعتبر وثيقة ؛لأنه اعلم بتراثه.
جاءت رواية تاريخية اقرب الى كونها مدونة، نقلت حضارة وامتياز وادي الرافدين، خاصة (بابل) ، التي احتضنت العلوم، والمعرفة . والتنجيم، والفلك، والهندسة…الخ، وتمتلك عجائب الدنيا السبع(الجانئن المعلقة)، واول من اسس حفر قنوات الري هم اهلها، ومعماريتهم الجميلة التي اسست بداية بناء المدن، والطرق وغيرها.
(يعقوب) واولاده الأثنى عشر، كانوا يتخذون من بلاد كنعان موطناً لهم.
وإذا ماعدنا ودققنا النظر في الأسطورة الأسرائيلية التي تقول: (12)ولدمقابل(12) قبيلة، أي كل ولد من اولاد يعقوب يصبح مسؤولاً عن قرية، وبهذا يسيطر اولاد يعقوب على عرش المملكة، والنص القرآني خص بالذكر منهم (يوسف، وبنيامين).
الرواية فصلت القصة التاريخية، إذ يمتلك (يعقوب) بنات وزوجات عدّة،هولاء البنات تزوجوا من ابناء تاجر كبير رحال في قرية (حمور). كانت هذه الزيجة الباب الذي اغدق (ال يعقوب) بالخير، وليصيبهم من النعيم الشيء الكثير.
بالمقابل الإنسان معروف بنكرانه للجميل والمعروف، وهذا ما حدث مع اولاد حمير وقومهم، فقد سعى اولاد يعقوب وبفعل قصدي بشجن غارة على (الرحال)، وقتل اولاد هذه القرية جلهم، وازواج بناتهم –بنات يعقوب-، لكن بناته بعكس اباهم وقبيلتهم، فكن زوجات صالحات، ووقفنا بالضد من اعمال قريتهم، وغادروا الى بابل، حزناً على ازواجهن ابناء (حمور).
(ابناء يعقوب) استمروا بمزاولة قطع الطريق ونهب الخيرات من الرحالة من (بابل/كنعان)، حتى خرج الأمير الأمبراطور (نبوخذ نصر) كان لهم بالمرصاد.
الذي دمر(اورشليم)، واسر الكثير من اليهود واسكنهم بابل، والأفادة منهم في حملات العمران، ومنهم من انتظم ووظف ولاءه، والآخر امتنع، ومنهم كانوا مخربين،واتفقوا مع اعداء الأمبراطورية البابلية للتخريب ونجحوا في ذلك.
ومانقلته الرواية هو حقيقة تأريخية، ابتعدت عن التزيف والتلوين، وهي حكاية قديمة معروفة عند الكثيرين، انطلق خيال الروائي الى استثمارها واحياء قصتها بلغة سردية مفهومة، ابتعدت عن التورية والمواربة والترميز.
افاد (محمود سعيد) من ثقافته، التي نتلمسها عند القراءة في نسج خيوط شبكية متنه السردي.
اضيف، بإن الذكاء في الكتابة، بمعنى اننا نعلم بإن السرد التاريخي يحمل جانباً من الملل، لذا نجده وظف مداخلات بلغة الفكاهة، وصاغ الرواية اغلبها بلغة ايروتيكية مباشرة وصريحة، تحمل جانباً من التابو المباشر، وهي قصدية وظفها لأزاحة جانب السرد التاريخي الممل، على الرغم من طول المتمن السردي (680) ورقة، الأ أننا نلتمس انزياح الرتابة التقليدية في الكتابة .

*عن صحيفة المثقف


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"