تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة : 

“لميعة” البقية الثمينة الباهرة، وطنيةً وشعرا، لكن المغدورة – كالعادة – في بلاد القطة التي تأكل أبناءها: “لا أعرف لي منشأ غير الطين الرافديني في جنوب العراق ولا أعرف لي أصلا غير الجذور السومرية البابلية. أربع وعشرون سنة في أميركا لم تغيّر منّي شيئا ولم اشعر بانتماء حقيقي غير انتماء العراق” .. لميعة اللمعة الشعرية والجمالية والوطنية في ظلام العراق الخانق، علمتنا أن نشتاق لنهرينا العظيمين وفي بردهما الجنّة. تتشرف أسرة موقع الناقد العراقي بأن تعد ملفا عن شاعرة العراق الكبيرة “لميعة عباس عمارة” داعية الكتّاب والقرّاء إلى إثرائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية لشاعرة العراق والعرب الكبيرة لميعة عباس عمارة.

قضايا ومواقف:هكذا خاب سعي العشاق!هل يمكن للشعر وحده أن يجمع بين شاعر وشاعرة؟!

بقلم: حسن توفيق

كل الذين تابعوا سيرة حياة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، عرفوا وتبينوا انه قد تعلق بفتيات كثيرات، اصبحت كل واحدة منهن حبيبته وملهمته في الفترة التي تعلق فيها بها. تعلق بدر – وهو في ريف البصرة – بمثاله المنشود »وفيقة« ثم براعيته البدوية »هالة«، ولما انتقل الى المدينة تعلق خلال سنوات دراسته بخمس من زميلاته هن: ذات المنديل الأحمر »لبيبة«، والأقحوانة »ديزي الأمير«، وذات الصوت الطروب »أليس«، والهوى البكر »لمعان البكري« والمنتظرة »لميعة عباس عمارة«. وبعد تخرجه من دار المعلمين العليا تعلق بالرفيقة اليهودية المربربة »مادلين«، ثم تزوج قدره »إقبال« وخلال فترة مرضه في أخريات أيامه تعلق بالصديقة الكاتبة البلجيكية »لوك نوران« ثم تعلق بالممرضة اللبنانية الجميلة »ليلى«.

وبطبيعة الحال، فإن تعلق بدر بهن لم يكن بدرجة واضحة من القوة والرسوخ، فقد تعلق ببعضهن تعلقاً عابراً وسطحياً كما تعلق بغيرهن تعلقاً قوياً ملك عليه كل كيانه العاطفي، ومن بين هذا الحشد الكبير من الحبيبات استطيع ان أقرر – بكل ثقة – ان شاعرنا تعلق بالمنتظرة.. لميعة.. تعلقاً قوياً لدرجة انه يمكننا القول بأن علاقته بها كانت أقوى علاقة عاطفية عاشها خلال حياته من بين كل العلاقات الأخرى سواء السابقة أو التالية لها.

تعرف بدر على لميعة في العام الدراسي 46/1947 وتوثقت صلة كل منهما بالآخر توثقاً حميماً في آخر سنة من سنوات الدراسة فيما يتعلق به، وفي السنة الثانية من سنوات الدراسة فيما يتعلق بها، وهي نفس السنة التي كان عبدالوهاب البياتي ملتحقاً بها. سنة 47/1948 الدراسية.

والقصة تتلخص في ان كلا منهما كان يبحث عن الآخر، كانت هي تبحث بنوع من اللهفة المثالية عن الآخر، وقد أرهقها البحث عمن تريد لنفسها، فهي لم تكن في ذلك الوقت راضية عن الناس، كما ان الملائكة الأبرار لم يكونوا راضين عنها، وهذا ما جعلها خلال فترة البحث أشبه بالمعلقة ما بين السماء والأرض، وكان مما يزيد حنقها أنها رأت الآخرين من حولها لا يتعلقون إلا بالمظاهر والقشور:

ان ارتديت حريراً هللوا عجبا

                       وزاحم البعض بعضا زلفة مني

وإن أتيت بثوب النسك أقصدهم

                        صدوا سراعاً وولوا كلهم عني

وكان هو يبحث ايضاً عمن يريد لنفسه ولكن بحثه كان بحث الجريح الذي »تكسرت النصال على النصال« في قلبه المعنى، وأخذ يصور لروحه فتاة يلقاها من بعد بحثه الطويل، وأطلق على تلك الفتاة المتخيلة اسم »المنتظرة«:

يطول انتظاري لعلي أراك

                  لعلي ألاقيك بين البشر

سألقاك.. لا بد لي أن أراك

                  وان كان بالناظر المحتضر

فديت التي صورتها مناي

                 فأضحت أماني تلك الصور

أطلي على من حباك الحياة

                    فأصبحت حسناء ملء النظر

وحينما ارتاح الاثنان من عناء البحث، بعد ان تلاقيا كانت هناك عدة قضايا تؤلف بينهما، كما كانت هناك قضايا اخرى تعوق تآلفهما. كانت تضمهما رابطة أدبية، تتمثل في أن كلا منهما شاعر، فالحبيبة – عند بدر – في هذه المرة وحدها ليست مجرد ذواقة للشعر، وإنما شاعرة، والحبيب – عند لميعة – ليس ممن يتعلقون بالمظاهر والقشور، وإنما ممن يتغلغلون الى الأعماق بعيداً عن البهرج والزيف لأنه شاعر. والى جانب هذه الرابطة كانت هناك رابطة سياسية قوية تقرب كلاً منهما الى الآخر، فقد كانا عضوين في الحزب الشيوعي العراقي، مما يجعل لكل منهما أهدافاً واحدة مشتركة. وكانت هناك رابطة اخرى على جانب كبير من الأهمية، تتمثل في ان كلا منهما كان يبحث عن الحنان الذي افتقده، فالشاعر رحلت عنه امه وخلفته يتيماً، فكان في ذهنه ان يبحث عمن تعوضه حنانها، وقد مر بنا هذا أثناء الحديث عن علاقته بذات المنديل الأحمر في معرض الحديث عن سيرة حياته، والشاعرة رحل عنها أبوها وخلفها يتيمة، فكان في ذهنها ان تبحث عمن يعوضها حنانه، ومن يقرأ ديوانها »الزاوية الخالية« قراءة متأنية يجد ان لميعة تمزج بين حديثها عن ابيها الراحل وبين حديثها عن شاعرها الحنون.

اما القضايا التي كانت تعوق تآلفهما، فتتمثل في ان الشاعرة كانت تنتمي الى الطبقة العليا أو البورجوازية الكبيرة، بينما ينتمي الشاعر – كما نعرف – الى الطبقة المتوسطة او البورجوازية الصغيرة، ولذا كان الشاعر يتهم الشاعرة بأنها »مترفة« أو على حد تعبيرها هي: »كان يتهمني بأني مترفة وهو جائع.. وبأني مرتاحة تقدم النصائح لقلق معذب«، كما تتمثل القضايا التي تعوق تآلفهما في ان كلا منهما يعتنق دينا مختلفاً عن دين الآخر، فالشاعر كان – كما نعرف مسلما سنياً، والشاعرة كانت صابئية.

وفي تصوري انه كان من الممكن ان يستمر الحب بين الشاعر والشاعرة طويلاً، فالقضايا التي تؤلف بينهما كانت نابعة من ارادة كل منهما، على نقيض القضايا التي كانت تعوق التآلف، فقد كانت مفروضة عليهما من الآخرين، وليست نابعة من ارادة كل منهما. فكل منهما اختار لنفسه اختيارا حراً ان يكون شاعراً، وكل منهما ارتضى – بمحض ارادته – ان يكون شيوعياً، وكل منهما كان يبحث عن الحنان، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشاعرة، وهذا بدوره ينطبق على الدين، فالشاعر لم يختر ان يكون مسلماً سنياً، وإنما ورث الدين الاسلامي عن أهله وذويه، والشاعرة – كذلك – لم تختر ان تكون صابئية، وإنما ورثت الصابئية عن أهلها وذويها.

ومن الأحداث الهامة في قصة الحب المتبادل بين بدر ولميعة، ان الشاعر دعا الشاعرة لزيارة قريته »جيكور« في العطلة الدراسية لعام 46/،1947 وقد استجابت الشاعرة للدعوة، وندعها الآن تروي لنا قصة زيارتها لجيكور حيث تقول: »دعانا بدر عدة مرات لقضاء أيام في جيكور.. والبصرة حارة المناخ في الصيف، في الوقت الذي كانت فيه عطلة الصيف هي الفرصة الوحيدة التي يمكن ان نسافر فيها.. فسافرت مع خالي، الذي هو في سني، وكانت تربطه ببدر رابطة صداقة.. فكان مع بدر في استقبالنا عمه الأصغر.. كانت رحلة طويلة، ابتدأناها بالسيارات، ثم تركنا السيارة، اذ كان علينا ان نمشي في أرض مليئة بالشوك.. تحملنا ذلك طبعاً.. وصادف ان وصلنا متأخرين، ولكنهم كانوا بانتظارنا، العم يحمل فانوساً، بينما كان بدر يقوم بايصالنا.. وحين كنا نبلغ المعابر على »بويب« (وهي من جذوع النخل) كان بدر يمسك بيدي.. (فقد كنت أخاف العبور في مثل هذه الجسور الحرجة).. وكانت الضيافة بصرية.. وأعجبني من البصرة، ومن جيكور بالذات استقبال الناس لنا فيها »أقارب بدر وعماته«.. وأتذكر نوعاً من المخلل المصنوع من البمبر.. أحببته.. أمضينا عندهم ليلة.. كانت معنا »اقبال« التي أصبحت زوجته فيما بعد.. والمبيت في البصرة شيء غريب.. اذ كان يجب ان ينام كل واحد تحت »كلة« اتقاء الندى الكثيف المتساقط ليلاً.. طبعاً كان بدر في الليل وفي النهار مشغولاً بالشعر.. كان يقرأ وكنا نسمع ونتحدث.. وكان ينكت.. وعند الأصيل أخذنا زورقاً وسرنا به في أحد فروع »شط العرب« تحت ظلال »الصفصاف الباكي«.. حتى أن بدر كان يصطحب معه مظلة كان يريد أن يظللني بها من الشمس، فما رضيت، لأنني – لا أدري كنت أحس ان أي تلطف يخصني به دون الآخرين فهو »زيادة«.. فكنت أرفضه حتى تظليلي من الشمس ما كنت أرضي أن يقوم به«.

وقد تعمدت ان ادع الشاعرة تروي قصة زيارتها لقرية الشاعر، على الرغم من طول القصة، لأن تفاصيلها وجزئياتها قد انعكست – بصورة كبيرة وواضحة – على شعر بدر شاكر السياب، لكن الشعر وحده لا يستطيع ان يجمع بين شاعر وشاعرة!.

*عن صحيفة الراية
 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"