تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

مخيم
التقى لاجئان ، من دولتين مختلفتين ، في مخيم للاجئين ، في إحدى الدول الأوربية ، ونشأت بينهما علاقة وطيدة .
سأل الأول الثاني : لماذا هاجرت من وطنك ؟
فقال الثاني : حكومة وطني شيوعية ، وأنا معاد للشيوعية .
وصمت لحظة ، ثم سأل الأول : وأنت ، لماذا هاجرت ؟
فأجاب الأول : لأن حكومة وطني معادية للشيوعية ، وأنا شيوعي .

مظاهرة
أربعون نبيا ، هم أنبياء الموصل ، جاؤوها عبر مئات القرون ، خرجوا اليوم من مراقدهم ، وساروا في مظاهرة ، وسط المدينة ، رغم المعارك التي تمطر عليهم نارا ، يهتفون ضد الحرب ، رافعين شعار .. السلم في الموصل .

الانفجار
سيارة مفخخة ، انفجرت في سوق شعبي ، وسط العاصمة ، فتطايرت الحمامات فزعة ، ومعها تطايرت أشلاء الناس ، والدراجات ، والسيارات ، والمطاعم ، والمقاهي ، وبسطات الباعة الفقراء .
وعلى عجل جاءت الشرطة ، ووقف شرطي شاب مذهولا ، ووسط الأشلاء المتناثرة المدماة ، رأى امرأة ستينية تركض متعثرة ، وخيوط الدم تسيل من عباءتها ، فهتف بها : أيتها الخالة ، تمهلي ، أنت جريحة .
لم تتمهل المرأة الستينية ، وظلت تركض متعثرة ، فلحق الشرطي بها ، وأمسك كتفيها الضامرين ، وقال : تعالي معي ، الدماء تسيل منك ، سآخذك إلى المستشفى ..
وتوقف الشرطي مصعوقا ، وقد جحظت عيناه ، فقد سقط من تحت عباءة المرأة الستينية ، ذراع فتاة شابة تتلامع فيه أساور ذهبية ، ملوثة بالدماء .

هذه قصة حقيقية ، رواها لي ضابط شرطة في بغداد .

العلم
– مرحبا أستاذ .
توقفتُ ، والتفتُ إلى مصدر التحية ، ودمعتْ عيناي إذ رأيت شابا ، مازالت ملامح الطفولة على وجهه ، يقف أمامي مزهوا بملابسه العسكرية الجديدة ، انه تلميذي ، علمته سنوات ، والتحق بالجيش قبل أشهر .
أجبته : أهلا بني ، كيف حالك ؟
فرد قائلا : بخير ، أنا الآن أخدم العلم في الجبهة ..
ثم ضحك ضحكته الطفولية ، وقال : وراتبي أكثر من راتبك ، يا أستاذ .
وضحكتُ لتفاخره الطفولي البريء ، وشددتُ على يده ، وقلتُ : أتمنى لك التوفيق ، يا بني .
لكن عينيّ اللتين دمعتا لمرآه بالثياب العسكرية ، انبثق الدمع منهما حارا ، حين علمتُ بعد أشهر ، أنهم جاءوا به من الجبهة ، ملفوفا بالعلم .

حوار في الظلام
لم أسمعها تتململ ، رغم الانفجارات القوية المتواصلة ، لكني أعرف أنها مستيقظة ، في عتمة سريرنا العتيق ، الذي تجاوز عمره الخمسين عاما ، والتمع برق في السماء ، فلمحتها متكومة تحت الفراش إلى جانبي ، تتمتم مرعوبة : يا ويلي ، يا ويلي ، ستقتلنا هذه القنبلة .
ربت على كتفها المرتعش ، وقلت : هذا رعد ، نامي .
وقالت شاكية : الانفجارات لم تتوقف الليلة .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : لتسقط علينا قنبلة ، وتخلصنا من هذه الحياة .
وصمتت ثانية ، ثم قالت : حمدا لله ، لم يصر لنا ولد ..
وتابعت كأنما تحدث نفسها : لو كان لي ولد ، أو بنت ، وأصيب أحدهما بانفجار ، سأجن ..
قاطعتها برفق : ليس لنا ولد ، نامي الآن ، نحن في منتصف الليل .
وتابعت قائلة بصوت منفعل ، تخنقه الدموع : سأفقد عقلي ، وأجن تماما ، إذا أصابت قنبلة ابني أو ابنتي ، و ..
وصمتت ، ثم قالت مرعوبة : أنصت ..
وأنصت ، فقالت : قنبلة تقترب ..
فقلت: انه صاروخ طائرة ..
فقالت: إنها تقترب .. تقترب ..
فقلت : اطمئني ، سيسقط الصاروخ بعيدا ..
وقبل أن أنهي كلامي ، حدث انفجار هائل ، ثم .. سادنا الظلام التام والصمت .

الحوت
خرج النبي يونس من نينوى غاضبا ، بعد أن نُسف مرقده في الموصل ، واتجه نحو البحر مباشرة ، فهتف به محبوه : توقف ، يا يونس ، لا تذهب إلى البحر ، سيبلعك الحوت .
لكن النبي يونس لم يتوقف ، ومضى قدما نحو البحر .

ﻻ أنام
منذ أيام .. وأيام .. وأيام ، وأنا ﻻ أنام ، فالحرب مستعرة في داخلي ، وفي الموصل ..
ومن الليل تناهى إليّ صوت طائري ، الكناري : أنت امرأة عجوز ، ووحيدة ، نامي الآن ، نامي ، لعلك ترتاحين ..
أنا ﻻ أنام ، يا طائري ، لأني أخاف أن تصيب شظية صوتك فتقتله ..
وأنا ﻻ أنام ، خشية أن تسقط قنبلة ، على بيتي العجوز ، فتهدمه ، وتقبرني تحت ركامه ..
أنا ﻻ أنام ، فابني الوحيد أخذته زوجته مع صغيريه إلى أهلها ، في حي الكرامة ، فهناك كما تقول ، الحرب اخف ..
أنا ﻻ أنام ، فابنتي وأطفالها الأربعة ، في حي الزهور ، وسط القنابل والصواريخ والرصاص ، والموت ..
أنا ﻻ أنام ، فأختي العجوز الأكبر مني ، في بيتنا القديم ، في حي الميدان ، قرب النهر ، تعيش وحيدة فيه ، وسينهار بنفخة قنبلة ، قلت لها: تعالي معي ، فبيتي كبير ، وأنا وحيدة ..
فقالت لي : لن أترك بيتنا القديم ، ففيه رائحة أمي وأبي .
وأنا ﻻ أنام .. ربما لأني متعبة .. متعبة .. متعبة .. و.. ونمت .. أخيرا نمت .. وفي منامي سقطت على بيتي العجوز قنبلة ، أم أنه صاروخ ؟ فتهدم ، وقبرني تحت الركام .

اوتونابشتم
اقبل اوتونابشتم وزوجته من أعالي الأنهار ، حيث يعيشان خالدين ، ورأى مدن ما بين النهرين ، وإنسان ما بين النهرين ، ورأى ما جرى وما يجري وما سيجري ، فتوقف حزينا ، محبطا ، ثم قال لزوجته : تعالي نعد من حيث أتينا ، يُخيل إليّ أنني أخطأت ، ربما لم يكن لي أن أبني ذلك الفلك .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"