تابعنا على فيسبوك وتويتر

الموسيقى لمن له الثمة بحسبان
أبوذر الجبوري
عن اليابانية أكد الجبوري
تلهمنا الموسيقى كيف تأخذ الثمة انفلاقتها الممتحنة من استدلال مخاض الشيء٬ على ما قررته الثمة بأنبثاقها اللمع الشافي من الفاسد٬ اسرار الخلق الابداعي٬ موضحة كيف مكونها إذ حسم من مشقة تجربة٬ وما خلف حول عسر ولاداتها الأولى٬ عن أن تكون وما ستكون حول قضية السمع والدلالة/اللفظ والمعنى. وحين توالت التلخيصات والشروحات والحواشي والتقريرات عن جواهرها٬ حتى غدت أحيانا على ما عمد البعض من قذفتحليلات خاوية المعاني عنها٬ أو لا يدرسوها بعمق مفيد٬ ما يأخذ التخليص إليها شيئا من بلاغة اسماعنا النزق لما يضيفون٬ حتى غدت من توالي تماثل تلك التلخيصات القواعد الجمالية الجافة لا تربى إلى الذوق ولا ترهف حسا. ولا تعبير مصباح في كتابة اثير الثمة منها تحرير تحبيرها وبديع سماعها. ما جعلت الموسيقى في خدمة كتب الموسيقي نفسها لا في خدمة قضية الإعجاز الجمالي والذوق الأرهف سمعا في تحرير النفس وبديع الجمال و الكمال بإيضاح اعجاز المعاني.

حيث أن ميزة الثمة تكمن لها في المعنى الذي تحدثه تلك الأنغام ولحنها المسموع٬ تمنهج خلجاتها٬ أذا ألفت النغمة على ضرب خاص من التأليف والترتيب٬ بحيث يقع ترتيب الأنغام في اللحن كلاما مسموعا٬ على حسب ترتيب معانيها في النفس. ثم ان مضت افضت إلى استحالة التكرار فيها عبثا.

ثم إن السعى يطبق عمقها إسماع على ألوان انتقالتها اللحنية بلاغة منمقة ذوقا رفيعا جذابة الاذن لها٬ ما جعل يكثر تداولها بين التحقيق والمتابعة في المقاصد الأدق. ومن خلال الثمة تستطيع بعقلية البيانية العلمية والذائقة المنقطة النظير جماليا٬ أن تغوص في أعماق العبارة اللحنية٬ وأن تضع القواعد التي ينبغي أن يسير عليها متذوقي الموسيقى من الادباء والنقاد ومن ولاه الشفاء عنها برسالة.

والشفاء هو رد الثمة عن مزاعم الملفقين والشكاك عن شبهتهم التي تدلل فيها على عجزهم في تجريب السمع الدافيء وانتقاءه٬ وهي ما تقرره٬ أن الموسيقى معجزة الشفاء٬ ودفق الشغف المعرفي٬ وأن النفس منها تستدل جمالية ذائقة رهفة علم اسلوب المعرفة السلس في نظمها لماهية الجوهر وغايته.

ودلائل الثمة على ما تقرره الموسيقى في الشفاء٬ وتفسر النظم تفسيرا علميا ذقيقا٬ وتد على مزاعم السماعيين الفاسدة.

وقد وازنت بين النظم الموسيقي عندها وعند قبلياتها ثم تعرض نظرات وتطبيقات عليها كما تخاطب ما يتطلب في هطا المضمار ما تحمل مشقة السؤال عن معنى الـ “كيف” و الـ”لم”؟ (كسر اللام وفتح الميم) إلى تحقيق الهدف نحو النهاية دونما أية “عجز”.

تحدث تجديد حول كل ذلك من نتيجة بأختلاف. نعم٬ قد تمدد مرونة شغف الروح الصافية في آفاق أذهاننا وطبيعة الأشياء من حولنا. ذلك بأن الموسيقى في اتصال مع العالم بالثمة/الثمم٬ مع ذواتنا الممتحنة في صيرورة استيعاء (=تجديد الوعي) حتى تستوي٬ تشقى تتوالدة دوما وتستمر٬ وتتحسن بكدح قبضتها٬ بسلسلة بنية جمال النغمة و سيمياء كمال الجملة لمعنى٬ وعلى ذلك أيضا تنبهنا على أن الثمم ليست أنطباقا لقبليتها٬ أو متفقة قلعنتها بالضم من قهر الرداءة٬ أو٬ مد فتح يدها مسح رميم جيدها. لأنها لا تبحث عن تحليل قوة وضعف علاقاتنا بالعالم٬ وعن تفكيكه وكأنها قد أنفلقت بالتوليف فقط. إلا أنها تجرس سمعنا٬ بأننا جزء من أي شي لزماننا. بل أحياء لكائن هو بتمامه الثمة لضروب أظهارها٫ أو تبلور ضروب ثممنا. الموسيقى ليست أطروحة أكاديمة لها نهاية حول كل ذلك٬ بل مد روح الأشياء قبساتها فينا ثمة ـ ثمة.

من أجل ذلك على الموسيقي أن يواصل محنة أشتقاقاته استفهام “الثمة” معرفة٬ وذلك لأن الموسيقى له؛ هي اقتدار استيعاء٬ وتمكين الثمة قيمة مضافة٬ خير أسمى. والمتلقي منا٬ يفلت منه مقومات الأشياء في معظم الأحيان٬ في تبيين قدرتنا على تمكين “الثمة” عن وعينا٬ وليس كما تعتقده المثالية. ما نحن الا في الواقع عودة ما تؤمنه لنا إدراكاتنا٬ حتى ننفلق منها بجديد موازي ومغاير٬ والموسيقى نفسها هي التي تؤهل في اضمارها دفع “انبثاق الإيمان الإدراكي” يفضي اهتداءه إلى التمنهج الفذ لأسلوب طرح المشكلة وأسئلته المناسبة عن وعلى نفسه. وبعبارة أدق: الموسيقى في صميمها تصميم لصياغات ذكية٬ تصميم شبكة موجهة للمفكر بذاته٬ عن الثمة فينا؛ كي ينتشرمزيجها المتكون فينا من الأشياء حولنا٬ وتمكننا بمسح ما يسبق التفكير منا.

وحين تلتحم روح الموسيقى فينا٬ نحن ننطلق بـ”الثمة” مغامرة ثمم مناسبة٬ متحفزين سلفا من “اضمارنا” وليس من مقدمات “بدهانية”/بداهتنا. السؤال محنة٬ بل دفع لاستكشاف وتحقيق المشقة والفاجعة الأولى لمولد “الثمة” نطفتها٬ وعادة الموسيقى تمنحنا عبور السؤال التقليدي المرؤف بحاله والممل بـ: ما هذا الشيء الذي هو نحن منه الثمة فيه؟”. وإن ذلك هو ما تفتتح فيه الموسيقى مغامرتها المعرفية الصريحة والغامضة أو الثممية المسموعة المرئية والمتخيلة. ليس الموسيقي من يطابق حفظ على الأشياء بداهتها٬ بل على خلاف ذلك٬ هو من ليس في وسعه أن يؤدي فقدانها٬ وتحويلها هي ذاتها “الثمة” إلى “لغز” قائم الذات. فالموسيقى مشاركة لاستقصائها وتحقيقيا لنوابع مسار نطفتها.فما يشغلنا فعلا هو دخولنا في العالم٬ لا يتميز انسحابنه منه؛ إلا أن الثمم الخاصة ليس العوالم للأشياء عامة٬ بمعنى تصميم الثمة وحدتها للعالم٬ تعني أن الثمم مشتركة في التصميم النغمي الكوني له. ولذلك ما تبحث عنه فلسفة الموسيقى من جمال وبسط كمال ليس عن بديل لغوي للعالم وكلمات اشتقاقاته مخالفة للذي يظهر عيانيا أمامنا. والتنغيم تفلسف٬ وتحديد الثمة معرفة لحنية موضع الجملة الموسيقية الصريحة٬ دون تطميس معالمها٬ ولا لبس للأشياء باستبدال كلماتها موضع اضمار و شك بأسم الأنغام والالحان. أن اللغة الموسيقية نفسها “ثمة” و “تصميم”. ولذلك بإمكاننا إن نزيد قيمة إضافية الموسيقى على تحليل اصوات معان عن اللسان الموسقي لما أجالت بها عن موضوعات محددة “الثمة” بل أكثر من ذلك؛ إن الموسيقى لا تتعلق بما هو منقول مقول أو ما هو مألوف معروف التصريف فحسب. ألا لسبب السمع فيها عما هو مألوف وسطحي منها٬ من ما يدور من تردد تقليد على ما نعرفه٬ وهناك ايضا يطالها من مغايرات ونوازع ما لا نعرفها من كلام عنها أيضا. وإن المعرفة السمعية الغامضة٬ نثقل سمعها٬ لا تبثق النفس٬ ولا تبعث هياما للتبحر وتجليها. ولا ايضا فيه ذاك السمع الذي يحبس ما يسمع لنجربه ونقوله في قيود ثمة المؤطر المعرف٬ بل بالأحرى ذاك الذي يغلق بكل ما أوتي من تمكن واقتدار على تصميم الثيمة الموضوعي. لم يأت السمع بنا لنعبث مرحا أو سخطا٬ بل نأت بها لغرض نعرف “مملكة الثمة تملكها” لكينونتها٬ بل كي لا نفرط تكونها ونذرها جذلين ما تكون. وذلك لأننا لا نبحث من الموسيقى عن إجابة بل لتمهد عن مشقة السؤال تأكيد الدهشة في الثمة عنا في التحقيق للإجابة.

الكينونة/ الثمة بالتصميم هي ما يتفكر في عالمنا المعرفي. والموسيقة الحقة هي تلك التي تمتحن تجربة ثممنا للعالم عما هو التصميم قبل أن يكون الشيء/الثمة نتحدث بشأنه٬ تخطيطا وتنظيما وتنسيقا وقيادة. أو تغادنا اهدافه. ولذلك لا أحد يمكنه أن يغلق السمع عن الثمة في دلالات اللغة قبليا٬ فإن اللغة الموسيقية٬ لا تتنفلق حيوية ثممها إلا بصمت بغية إغراق الثمة في قعر النفس٬ يغدقها تفتيتا٬ يستحققها. وبالتالي فإنها تنبه على إن استلهام النفس في قرارها قادرة مسح اللغة سامعيتها٬ كشف الثمة أخطاءها٬ ومن ثم فإن عليها أن تحسن موضعية مد شبكية اجراس المعالجة على طوارئ الأخطاء. والمسح يدل على صعوبة العثور على خطأ متعثر وخطأ جيد للثمة عن اللغة الموسيقية٬ إلا في تقدير وتقييم أخطاء اللغة نفسها٬ وطرق معالجة عالم أسلوبها اللساني. وذلك هو قدرة الوهن لـ”بعض”محترفي الموسيقى٬ يصاب بالهفوت أن يجدد أو يؤلف نغما موسيقيا يتكلم فيه. وإذا حاول فكأنما هو يتبني صياغات لصمت كان له صوتا يسمع بلهفة٬ شغف القابض على الثمة لوهلته الأولى وتدرج٬ معينا يصغي جديد إليه داخله تزهر الثمم.

أما القيمة المثيرة للأهتمام من نتيجة هذا المنح القائم فهي؛ أن الموسيقى ما لها أن تولج في دواخلنا مسامع تواصلنا في الثمة٬ حلما تنفلق من ذواتنا بواسطة رباطها الأقدم في الأشياء٬ من أفكارنا القبلية في الخارج٬ من معطيات ما خرج إليها تعود٬ الثمة الكلية. ولذلك ما نحن فيه دوما٬ به الثمة نرتبط٬ من خلال تقبلنا الحسي الإدراكي له٬ إيمان ما؛ مرويات المرونة المتقبلة قبليا بصيرورة إدراك ما. ما يفترضه السمع يفضي فرة مثيرة لكي يوضحة العلم٬ تجريبيا٬ تلك جمال مشقة الموسيقى المعطاة من هذا الشغف الحاسم. إلا أن ما تفرضه الموسيقى للمتخصص المتلقي٬ لا يشبه إجراس تنبيه٬ بل فك غشوة “عمى البصيرة” من مخبأ المغبة. أي بقدر ما تكون الموسيقى في متونها النغمية الداخلية لها عزاءها الخاص إزاء تحديات الثمة الموضوعية٬ هو سعي إنجاح في تحديد المتلقي ومعرفته ثمته الصريحة. ولذلك يشقى الموسيقي أن يمنع نفسه من ملاحظة أن العلماء مع الأنغام والألحان والتوزيع يتحركون بنشاط تلقي العلامات٬ وكأنهم يتلقفون ويقدمون تعاملهم الظاهر و المخزون٬ قيم آضافياتهم “خير أفاضلهم” حيال السمع الجذل المرهف٬ كما التصميم في توزيع أنظمة حدود الثمة٬ ومصادر توزيع قوة أنبثاقها٬ وتلقف جهات انفلاقها. كما هو الحال في شبكة تصميم المساحة الذكية في أعمار الفكرة المدهشة في معارف الموضوع؛ التي أقام عليها العازف الحديث وقواعد علومه في أن تكون لها “الثمة تفضيل قبلي ومعين” نحو المتلقي حاضرا. أي أن الموسيقى لمن له من الثمة بحسبان٫ هو الذي يسعى لما تنتجه الموسيقى٬ محلقا بالمعرفة٬ بالثمة العارفة٬ بالعلم الذي تستحوذه الموسيقى موضوعا٬ أو٬ حتى في صناعتها له الثمة الأفتراضية التي تدفعه لمراجعته العلمية. الموسيقى تكمن قوتها في تحفيز بذل قصارى جهد انتاج مشقة السؤال٬ كي يسئل٬ التحدي المفيد والنافع٬ ومن يسمع جيدا ومتذوقا رفيعا٬ يكتسب موضعته ثقة من يسأل موضع تساأل٬ “أ فضليات قيمة الثمة”. لكن الأمر الأكثر شقاء وسلخا؛ هوأن نعين ونحدد بالضبط أسلوب ومنهجية دقة السؤال٬ كي لا نخطيء بشأن موضع الثمة منه بالاهداف.

المترجمة د. أكد الجبوري

ليس مشقة السؤال٬ هو مجرد ترف في أداة تحديد أو نقاط تصميم شبكية التقاط تهافت القبليات٬ كونها أشياء أو وقائع منقطعة التداخل والتجاور عنا٬ الثمة فيها مهملة٬ في خواء مادارها الشبكي الحسي المعرفي. إن آشد تدافع معرفي للموسيقى حضورا هو “الثمة للموسيقي أو للعالم”٬ مدعاة ترقب انفلاق الفكرة المدهشة٬ انبثاقها الإبداعي٬ المدهشة في السبق السمعي. ولا يمكن لأي حد قبلي أن يأتي ما وراء الثمة بشيء٬ قابل أختباره تحت ماهيته٬ أن كان مطلبا محضا٬ إلا بوجود ما للماهيته ما لها فينا٬ ولا توجد للماهية الثمة سابق إلا بقدر إداكنا لها فينا٬ فيتم الماهية فحوصات فينا٬ إيمان إدراكنا له٬ وعلينا أن نتقبل بحسبانها سؤلا الماهية الموسيقية ليس في “سؤال نغمتها النهائية” في الموسيقى٬ من أجل أن يكون السؤال دائما يحمل مشقة الأذن الموسيقية ـ السؤال الذهني ـ الثمة المعرفية الصريحة الموضوعة فينا ومتفرجة مسمعها فينا. تصميم حدود التاريخ ومحتوى جغرافية المعرفة وتوزيعها٬ ورأسمال ثقافتها٬ ورأسمال تنوعها الشقي في الانتقال والتحول والاختيار٬ وبهذا تحديدا على الثمة أن تختار أنقلابها الموسيقي في المعنى وتجربة المعنى٬ فإن تفسير وإثبات المعنى هو الكائن الفريد الذي تشتغل عليه الموسيقى في حقل المعرفة الجالية والعلم في الكمال. وما نسمع إليها٬ مكنونات تجاربنا القبلية٬ التي تنبه ما غفلنا عنه٬ ليس الفروض بل والقائع٬ ولذلك الموسيقي لا ينتظر شيئا فقد٬ بل٬ ضروبه تجتاز القاعة والمتلقي من أذنيه لجوهر الثمة المعمقة نحو التجريب في سعيه تقديم قيم بدائل وحلول٬ إلي العلماء والمحترفين والمتحوكون في الاختصاص وهم يبذلون ما يقدمون أقصى ما للحرية من جمال موسيقي في العطاء الإنساني وهم ينقلبون على جوانحهم بتحديد وتجديد ذواتهم وعلى مشقة أسئلتهم.

أكد الجبوري ـ أوكسفورد
9.01.18


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"