تابعنا على فيسبوك وتويتر

“الحزنُ القادم “
(إلى د. كريمة حسن..)
باهرة محمد عبد اللطيف*

إشارة:
“هكذا وبلا أسباب” يأتي الشعر الحقيقي الذي ينهمر من سماوات روح باهرة محمد الحزينة. لمن لا يعرف كيف تُكتب قصيدة النثر أو يستسهلها عليه أن يقرأ نص باهرة الكبير هذا “الحزن القادم” والذي قبله “يحدث يوماً”. تُثبت باهرة أنّ الشعر هو فن تقطيع القلب. ولهذا كان العراقيون الحزانى أبدا وبالتركيب الجيني هم أوّل من ابتكر الشعر وأول من غنّى وكانت صورة المغني السومري صورة “إبن آوى” لأن عواءه آخر الليل يقطّع القلب. باهرة وريثة هذا الحزن الحضاري المجيد الخلّاق. هذا نص نادر عن ذكريات الطفولة المُستعادة بقصد تقطيع القلب وحرب الحزن العراقي القادم التي ستسحق آمال الأرواح الصغيرة المنزوية بخجل وقلق تحت ظلال شجرة التوت البغدادية المهدّدة . نص يستحق أن يُعلق على لوحة الشعر الجدارية العراقية والعربية. يااااه.. منذ متى لم نقرأ شعراً حقيقياً يعالج جروح الروح بالكيّ البارع؟!.. تحيّة للشاعرة المبدعة “باهرة محمد عبد اللطيف”.

هكذا وبلا أسباب
من كوّةٍ لامرئيةٍ
تسحُّ الذاكرةُ
على عمرٍ استحالتْ أوراقُهُ
رؤىً وهواجسَ صُغرى
باتتْ ملامح لنا وقسمات..
صوتٌ يتناهى من أقصى
زقاقٍ في الرأسِ
يستجلبُ الأغنياتِ المثقلةَ
بحزنِ الآخرينَ وعذابِهم
كم كانتْ تقطبُ لها جباهُنا الفتيّة،
أتذكرين..؟
أقصى ما كانَ يجفلُنا
رفّةُ جناحَيْ طائرٍ أفزعتْهُ خطواتُنا
بينَ الأسلِ الشائخِ على دربِ الطفولة..
كُنّا نتبعُ خطوَ الأقدامِ المبعثرة
في صباحاتٍ بغداديةٍ
لمْ تستيقظْ بعدُ من أمانِها
وفي الأماسي نعود
لنجمعَ التوتَ المتساقطَ:
الأبيضُ كانَ حلواً بطعمِ البدايات
والأحمرُ ينهضُ الآن نصْلاً في الذاكرة
نعبّئُ بهِ حقيبةً ملآى بالتعبِ الوسنان
بشقاوةِ البناتِ وزقزقاتِ أحلامِهنَّ..
مقعدٌ حجريٌّ كانَ محطّتنا
نريحُ عليهِ حقيبتيْ ظهرٍ خاكية
-اقترضناهُما منْ حروبِ الآخرين
ويُتمِهم، ورسمْنا عليهُما علامةَ سلامِهم-
لنسامرَ الحماماتِ المارّة
ونتساررَ عن حزنِ الأمهات..
كُنّا نستعيرُ الأحزانَ
والأوزارَ أيضاً
لنبكيَ كالكِبار
وحينَ تجفُّ دمعاتُنا السّخينة
نهبُّ
نستحثُّ خطواتِنا القصيرة
قبلَ رنينِ جرسِ الدرسِ
أو قبلَ أن يسريَ القلقُ
في قلوبِ أمهاتٍ
أغرقْنَ نحيبَهنَّ
في مواقدَ مُضْطرِمة..
صغيراتٌ كُنّا
نكبرُ بأمان
نقرأُ الكتبَ القديمة
نخبّئُ القصائدَ الأولى
نطرّزُ في أرواحِنا
ما تيسّرَ منْ دفترِ
الهمِّ العراقيّ الدفين..
الحزنُ القادمُ كانَ
يجلسُ بيننا
يلعبُ معنا
يَخِزُ قلوبَنا فنبكي
ويعودُ ليختفي..
كانَ تمريناً لنا
على نزيفٍ قادمٍ
سيحلُّ طوفاناً بكينوناتِنا،
تنهضُ منهُ الآن شجرةُ توتٍ
ظلّلتْ دربَ صبانا
وضَللْنا الطريقَ إليها
لكنّها الليلة
تتطاولُ في الروحِ شوقاً
يفزعُ أشباحَ
الذاكرةِ المتكاثرة..

*كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة بأسبانيا.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

3 تعليقات لـ ““الحزنُ القادم ” (إلى د. كريمة حسن..)
باهرة محمد عبد اللطيف*”

  1. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    الاخ العزيز الاديب والباحث القدير الدكتور حسين سرمك المحترم..
    سعادتي بكلماتك كبيرة وانت تغمرني بفيض كرمك النقدي، ارجو ان استحقها وان لا اخذلك او اخذل القراء فقد حملتني مسؤولية عظيمة ياعزبزي. شكرا لك، شكرا لروحك العراقية المتجذرة بنبلها وعلمها التي حفظت لثقافتنا العراقية وجهها الاصيل من خلال شخصكم وعبر منبركم الرصين.
    كل التقدير والامتنان

  2. د. كريمة حسن يقول :

    صديقة الصبا والروح الكاتبة الرائعة باهرة محمد ، كلماتك ليست كلمات بل هي وجع يمس روحي و يتداخل مع سنين العمر ، نص حقيقي راقي ، الالم والفرح فيه يمتزجان ليصورا لي كل ماهو كامن في دواخلي ، ارتقيت بالنص الى مستوى فوق التعبير و فوق الاحساس و فوق الابداع ، هو قمة الهرم ،هذا ما اشعر به و اقوله للقارئ بما اني انا شريكة وبطلة في هذا النص

  3. أحمد القاسمي يقول :

    جميل أن تتحدّث شاعرة عراقية أخيرا. ليس برطانة واستعارات من ثقافات الآخرين ورموزهم، ولا بكلام سياسي يومي مليء بالنصائح أو الشكوى ووضع الحلول لها، ولا بتغّنّ اجوف وعاطفي عبيط بعظمة البلد وطيبة أهله أو جمال طبيعته وروعة شمسه التموزية مثلا، بل بصور معروفة لنا جميعا، ولا عن الرجل وخياناته وأنانيته أو ولعها بعينيه وطوله وابتسامته المتحدية. ليست لدينا لا بحار ولا بواخر ماخرة وليست القطارات وسيلة تنقّل مألوفة نستخدمها، وليس لدينا إلا القليل من انواع الطيور، ولا نكاد نشاهد حيوانات بريّة في حياتنا، لكن العصفور جميل، وخفق جناحيه أفزع البنتين قليلا في القصيدة، وربّما ذكّر الكثيرين بلحظات مشابهة. لكن أيضا مَن منا لا تستوقفه كلمات تتحدّث عن.: شجرة التوت، أو التكي،وثمارها البيضاء والحمراء التي دأبنا سنينا على التقاطها، أو لوازم عسكرية يستخدمها مدنيون، كتب قديمة مستخدمة، وهنا أيضا فالشاعرة تُفشي للرجال بعضا من أحلام البنات وآمالهن وبعضا من أسرارهن الموجودة في الدفاتر. أجواء هذه القصيدة تذكّرني بقوة بفيلم حائز على الأوسكار، اسمه Cabaret من إنتاج عام 1972. القصيدة، كما ذلك الفيلم السينمائي استعادة لأجواء ما قبل الكوارث التي كانت ستأتي. قتل البراءة والمستقبل وتدمير حياة أجيال لأجل : لا شيء.
    نعم، أيتها الشاعرة تحدّثي انثري شعرك علينا، كما ترجمتِ يوما لشاعر أسبانيا ر. البرتي قصيدة تحدّث فيها عن “نثره الشعر في الجهات الأربع”.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"