تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :

سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي  – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.   

سلمان داود محمد .. الحلم والوهم ولوعة الإسراف في الحياة  …

 هدية حسين 

في عام 1996 كتب عبد الستار ناصر قصتين عن الشاعر سلمان داود محمد.. الأولى بعنوان (مكتب الإنسان) والثانية بعنوان (حارس مكتب الإنسان) وكانت تلك أول تجربة من نوعها بالنسبة لناصر أن يجعل بطل قصته يتماهى مع شخصية شهيرة هي مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة.وكتابة أكثر من قصة عن شخص بعينه ليس بالأمر العابر، بل هو تأكيد على عمق العلاقات أدبياً واجتماعياً بين الكاتب والشاعر الذي راح بدوره يتماهى مع تلك الأجواء التي رسمها القاص واعتقد أن سلمان داوود محمد ما يزال حتى يومنا هذا على صلة وثيقة مع تلك الشخصية المنسوجة بعناية فائقة ، والتي صارت فيما بعد ملاذاً لذكرياته عن مرحلة من الصداقة ليس من السهل نسيانها ما دامت هي حتى الآن شاخصة في ذاكرة الآخرين. 

أقتطع من قصة مكتب الإنسان ما يلي : ( مات غازي مصطفى أتاتورك بعد أن مات الكبد بين ضلوعه إسرافاً في الخمرة الساحرة، وعاش سلمان داوود محمد بعد أن عاش الحلم بين ضلوعه،إسرافاً في الوهم الساحر: الحياة يمكنها أن تكون بخير، والغيوم لا مكان لها غير الأرض…تماماً كما أرادها (كمال) منذ اعتلى عرش الأناضول.كلاهما راح خفية الى مصير مجهول.. مضى سلمان عبر الحدود نحو صفوان وهو ما زال حتى يومنا هذا يعتقد أن الطريق إنما تأخذه الى بيت الله الحرام، وغازي أتاتورك ولى وجهه شطر صحراء العزيزية في ليبيا، وحارب السنوسي من هناك دون رحمة وبلا ضمير ولم يعرف ما تعنيه الشفقة وهو يقطع ركاب ذاك الجيش الصحراوي المسلم، مادام هؤلاء العرب قد تجرأوا على رفع السلاح أمام روما العظيمة…والذي أخطأ فيه أتاتورك هو نفسه الخطأ الذي انزلق إليه سلمان داوود محمد ، كل واحد منهما طلب الشفاعة لنفسه يوم الحساب ، لكنهما معاً سقطا في القسمة والطرح والنتائج… كما أنهما وبرغم الأحزان والخسارة والمسافة الرهيبة التي قطعاها من هنا الى هناك فتحا زاوية جد مضيئة للإنسان واحدة في شارع تكسيم قرب جسر السنك والثانية في شارع الرشيد قرب جسر السنك. كمال يفتحها عام 1911 ، والثاني يفتحها في ذكرى مائة عام على ولادة الجنرال، وإذا ما نظرنا الى شهادة الجنسية ودفتر النفوس لرأينا دون مجهر أو عدسات كيف أن سلمان داوود محمد غريزياً ودون علمه أو إرادته، إنما يفعل كل شيء كما تمليه تلك القوى الخفية، تتسلل نحوه من مكان بعيد وزمان أبعد) 

منذ غيومه الأرضية التي أمطرت القصائد مثل قطرات الندى على العشب وسلمان داوود محمد يواصل مشروعه الشعري.. كانت تلك الغيوم باباً لدخول حديقته الشعرية التي تشذبت وتنوعت أزهارها بمرور الوقت، وصارت لها رائحة خاصة لا تشبه روائح الحدائق الأخرى، ولذلك جاءت تجربته الشعرية فريدة من نوعها. الشعر هو ابن زمانه كما يقال ولهذا تختلف القصائد من زمن الى آخر، والشعر أيضاً لا ينمو في أجواء القمع والتهميش، فهو مرتبط بالحرية مباشرة ولهذا جاءت المفردات غيرها التي اعتدنا عليها في أزمنة العتمة، لنقرأ ما يقوله سلمان داوود محمد : 

ـ الحياة يهودية والمنقذ يعمل عتالاً في متحف الشمع. 

ـ جعلوني أخفي الضياء تحت وسادتي. 

أو قوله: 

– نحو شريط لاصق لأثبت معتقداتي في غرف النوم …. رحلة عسيرة هي رحلة الشعر نحو النقطة السحرية المدفونة ما بين الروح والجسد، ومن يصل إليها هو الشاعر أو على وجه الدقة: الكائن الشعري. وقصائد سلمان تحتاج الى قارىء ماهر حتى يُخرج جوهر المعنى ، إذ أنها لا تعطيك نفسها بسهولة، عليك أن تغوص الى الأعماق لتخرج لؤلؤ الكلام ، ومثال على ذلك قوله: 

ـ سأحوّر( سوق الصدرية) الى برلين وأشاغل أيامي بهناء معقوف…. 

إذ يحيلنا الشاعر الى زمن الحرب العالمية الثانية والصليب المعقوف رمز الهتلرية، ثم كيف رأى (قنبلة تتظاهر بمزهرية) وغيرها من(هواء أحمر وذكريات محفوظة في ثلاجة) وكلها إشارات تبدو مبهمة عند أول وهلة لكن القارىء الذكي سيعرف كيف يكشط القشرة عن فاكهة المعاني ويكتب القصيدة كما يكتشفها عند آخرها.. وقد يجد قارىء آخر صوراً ومعاني أخرى، إذ تحتمل الصورة الشعرية أكثر مما توحي به. 

سأقتطع من كتاب (الحقائق الروحية.. مختارات من راما كريشنا) لمصطفى الزين ما ورد على الصفحة 25 ( عندما تدخل عدة أسماك في الشبكة فإن بعضها يرضخ للأمر الواقع ويبقى في داخلها، بينما تأخذ أسماك أخرى بالتخبط محاولة الإفلات منها ولكنها تبقى عاجزة عن الخلاص، وهنالك فئة أخرى تنجح في الإفلات من أسرها بأن تمزق خيوط الشبكة لتعود مجدداً الى السباحة في مياه المحيط، كما أن بعض الأسماك على درجة كبيرة من الحذر بحيث لا تدخل الشبكة أصلاً.. كذلك يوجد في هذا العالم أربعة أنواع من النفوس البشرية: 

1/ / النفوس المقيدة. 

   2/ النفوس الطامحة الى الحرية. 

3/ / النفوس المحررة. 

4/ / النفوس التي وجدت الحرية الأبدية.

الشاعر، أي شاعر، ليس نفساً مقيدة بالتأكيد، وليس من النوع الطامح للحرية فقط، كما أنه ليس من النوع الذي وجد الحرية الى الأبد.. لذلك سأضع سلمان داود محمد في خانة النفوس المحررة، ولو لم يكن محرر النفس لما ولج واحة الشعر بهذه الجرأة واستقر في وجدان محبيه. لكنني هنا أريد أن أقترب من سلمان، الصديق والإنسان، تاركة الشعر لأصحاب الاختصاص لأنهم الأولى مني باختصاصهم. 

تعود معرفتي بسلمان الى بداية التسعينات عندما كانت كافتيريا المؤسسة العامة للسينما والمسرح ملتقى الفنانين والأدباء..كنت أحياناً أجلس على مقربة منه، وكان مثل صوفي يتأمل بعمق في الوجوه والأشياء من حوله،وكان مصغياً أكثر منه متحدثاً.. وإذا ما تحدث تكاد لا تسمع صوته، كلام هادىء عميق، كما لو أنه ينحت المفردة قبل أن ينطق بها.. ولم تتوطد علاقتي به إلا بعد أن أخذني عبد الستار ناصر الى (مكتب الإنسان) الذي كثيراً ما سمعت به وظننته مكاناً واسعاً تحيط جدرانه رفوف الكتب، فإذا به مكان صغير لا يتسع لأكثر من أربعة أشخاص على الأكثر.. إلا أنه مكان حميم جداً، منه تخرج أعمال الأصدقاء منسوخة بسبب ما كنا نعانيه من حصار ثقافي في الداخل والخارج .. لقد أخذ المكان سعته وتسميته من حجم صاحبه. 

بعد سنوات حين زرت القاهرة صممت على زيارة زقاق المدق في خان الخليلي.. وكما حدث معي في مكتب الإنسان وجدت الزقاق ضيقاً الى درجة لم أصدقها، زقاق لا يثير الكثير إلا إذا تذكرنا أن نجيب محفوظ كتب عنه روايته الشهيرة (زقاق المدق) وأعاد الحياة إليه فاتسع في رؤوسنا وكبر في مخيلتنا بمرور الأيام.. وهكذا أسبغ المبدع عليه روحاً واتساعاً وحياة ، وهكذا هي الأمكنة العزيزة علينا، قد لا يراها الآخرون بمثل ما نراها، وقد لا يكتشف الغرباء سر ديمومتها إلا إذا اقتربوا ممن منحها الخلود. مكتب الإنسان هو مكتب سلمان داود محمد بكل إنسانيته وتواضعه وصدقه وحسه المرهف، ولذلك اتسع وترسخ وامتلأت زواياه بعبق الأصدقاء الذين دخلوه ، وبعضهم هاجر حاملاً معه الى المنافي ذكرى المكان وذكرى صاحب المكان ، بعد أن تركوا فيه جزءاً من ذاكرتهم.

 

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"