تابعنا على فيسبوك وتويتر

قصص قصيرة جداً
فَيْضُ الورودِ العِذاب
” إنَّ القَليلَ مِنَ الحَبيبِ كَثيرُ ”
المتنبي
(1) حَسَدُ الحُسّاد
ضحكت الوردة البيضاء إذ اهملها الصبي الذي راح يقطف قريناتها الحمراء والزرقاء والبنفسجية والصفراء ليصيغ منها باقة سيحزمها بخيط الحرير اللميع ويضمها لمجموعة الباقات حيث سيقف على قارعة الطريق كي يبيعها على المارَّة ، خصوصاً اولئك الذين يمرقون بسيارتهم الصالون وقد هاجمهم العبير المكدَّس في الباقات المحتشدة تعلنها سلالُ بيعٍ يحملها الباعة الصبية على الأكتاف فيفضَّلون اقتناء باقة سيضعونها على دشبول السيارة ليفعمهم بشذا توخّوه يشيع داخل فضاء القمرة فيخلق عالماً من الحبور ، ونغماً يتوافق واغاني الصباح تطلقه فيروز” على جسر اللوزية ” ، أو يأتي على لسان زكريا احمد ” الورد جميل ” وهو يترنَّم برأسٍ يطوِّح وعينين تُطلقان فراشات الالق كتعبير عن حالةِ زهوٍ لا تُقدِّر فحواه الا الورود ، ولا يدرك تقييمها الا ذوو النفوس المرهفة للجمال .
ضحكت الوردة البيضاء لأنها تدرك أنْ سيعود ليقطفَها ، وسيضمها الى اخواتها الوُريدات . هي تعرف أنَّ الالوان لا تكتمل بالجَّمال إلا اذا كان الابيض صاحباً حميماً لها . إنَّ الالوان جميعاً تحسد الابيض ، وإنَّ الابيضَ لونُ اليناعة الرهيف الذي تتغنى به الحياة . فلا غرابة بعد ذلك من تنامي الحسد في قلوب الأخريات ، صويحباتها الوُريدات . يحاول الصبي تجاهل الابيض تواسياً وباقي الالوان ؛ لكنّه يعود مُجبرا لضمها ، وهو يردد في سرّهِ :” لا يحلو الليلُ الا بالقمر ، والسَّحَرُ لا تكتمل روعتُه إلا بالضوء الفضّي القادم من مشتقات البياض “.. نعم ؛ لا يقول ذلك علنا .. قول ذلك علناً يزيد مِن غيظِ القرينات .
ترمي الوردة البيضاء عتبها على الصبي وتُسمعه قولاً كان المتنبي به يخاطب سيف الدولة : ” أزلْ حسَدَ الحُسّاد عنّي بكبتِهم// فأنتَ الذي صيَّرتَهم لي حُسَّدا ” . سمعت ذلك من اسلافها الوريدات البيضاء آنذاك وهنَّ يحففن البلاط في افاريز تبث الضوع العذب وتنثر العبير عالماً للأبّهةِ والبذخ .. لا يدرك الصبي كنه الوردة البيضاء ولا يترجم عتبها سوى انه همس لها يقول : اموت فيكِ حبّاً .. كفاني اعشقكِ لشيئين : روحك بنقائها ولونك بصفائه .

(2) قصيدة الورود
اسعدها انها تتلقى منه باقة ورد ضاحكة ، وابهجه انها تلقت الباقة وعيناها بسعة قصيدة فرح .. قال لها : ” الوردة رسالة بنفسجية بكلمات الروح ” فانعطفَ وجهها ومال خجلاً ؛ تداركت الموقف بأن نظرت الى وردةٍ اشبعها لون الدم ، ومرَّت بأناملها على أخرى شربت وبرواء بياض الثلج . قالت الورود تعني الحياة في ربيعها . وكان هو يغرق في يم البهجة لسعادتها . ” انَّ القلب ليهنأ حين المحبّون يسعدون ، وإنَّ الروحَ تستحيلُ سحابةَ جذلٍ لحظةَ اللقاء ، وإنِّي لفي ظِلال وخثرةِ ألق ! يتمتمُ مأخوذاً بسحرِ بهجتِها .. وكان يُمنّي النفس برسمِ لوحةٍ ألوانُها حُروفُ روحِه ، وبكتابة قصيدة تجمع ألوان الطيف الشمسي ، وبلقاء يخطوان فيه على دربٍ تحفُّه شجيراتُ الورد . زهور حدائق الطريق تغني بكورال يفاقم كرنفال القلب . وكانت (هي) تتمنى أن يحملها بين ذراعيه ويعدو ، وكان (هو) في رغبة ان يرفعها عن الارض باحتضان حميم ، ثم يرتميان في بحيرة خيال رسماها يوماً بكلمات تبادلاها كرسائل ، وصور تحاورا من خلالها بنظرات عيون تعجَّ بهناء ينسكب دموعاً تجري كما ساقية عذراء ، أو كهطيل مطر رقراق ، أو ككركرات طفل خجول وجد الفضاء له فانطلق حرّاً يُكسِّر قيودَ خجلِه .
مرّا من امام عجوزين يقتعدان مصطبة وقد ضمت العجوز باقة ورد في حضنها والى يمينها القرين العجوز يوزع النظرات على صف شجيرات الحديقة الماثلة ويقطف زغاريد العصافير المحتفية بنهارها وهي تخاف قدوم غروباً سيحرمها من جنة اللعب التي لا تملها ويرمي بها إلى غياهب الليل العتيم .
سمعا العجوز يهمس للقرينة :” كان لقاؤنا الاول هنا ( اللقاءاتُ الاولى خفقةُ قلبٍ .. رعشةُ اصابع ) ، أمام هذه التي كانت آنذاك شجيرات قبل خمسين عاماً ؛ كنتُ جلبتُ لكِ باقةَ ورود بيضاء ، وأنتِ اكتفيتِ بزهرةِ القرنفل تجمّل شعرَكِ الذهبي ( أيها الذهبُ تراجعْ أمامَ شعرِها ) .. نحنُ نكبرُ والطبيعة ُهي ، هي تزدهي .” .. تحسَّرت العجوز ، ثم همّت بالنهوض ، تخاطبه : ” هيا ، علينا العودة فخطانا تتعثَّر ونحتاج لوقتٍ طويل ريثما نصل البيت ( البيتُ عشُّنا الخالد) ، لم نعد شباباً فنقطعها بدقائق .”
نهضا بتؤدةٍ ؛ وبتؤدةٍ خطيا فيما (هو) و(هي) انتظرا ابتعاد العجوزين فاقتعدا مكانيهما على المصطبة وراحاً يطالعان الاشجار العالية ويراقبان العجوزين وهما يجتازان بوابة الحديقة العريضة ويتواريان خلف السياج .
همس كل منهما في دواخله : بعد زمنٍ سننهض ونقتفي خطوَ العجوزين ؛ ونتحرك خارجَ الحديقة ..
همسَ بحنوٍّ : “ارجوكِ احتفظي بباقة الورد .. لا تدعي الورود تبكي .”
ابتسمت ( يا لابتسامة المحبين الخُلَّص!) ، ومالت برأسِها كي ينام على صدره بينما دفنت وجهَها في جيشِ المياسم وراحت تستنشق روحَه وتردُّ على همسِه : سنكبر ونغدو كالعجوزين اللذين تركا مكانهما لنا .. لكنّي سأبقى كالعجوز احتفظ بباقةِ الورد .. ألم تلفت انتباهك باقةُ الوردِ التي بيدها ؟ ”

(3) حزن الورود
في الحديقة الخلفية لقسم اللغة الانكليزية جيشٌ من الورود يحتشد متدرعاً بالألوان الناصعة والعطر الأخّاذ .. يجلس الطالبُ الشاعرُ مع ورقةٍ وقلمٍ يصاحبانه دوماً ( وخيرُ صديقٍ للشاعرِ القلمُ ، والورقةُ ، والقلبُ الرهيف ).. يجلس ليكتبَ رسالةَ حبٍّ مقرونةً بعطرِ الورود وبهاءِ من التقاها يوماً في حفلٍ صنعته الصدفة فكان اللقاء ، وكان الوثوقُ ، وكان العهدُ الذي انتهى بعد عامين بالاقتران .
صارا يصرفان الأيام على باقاتِ ورودٍ يتبادلانها كإشهارٍ لدوامِ المحبّة ؛ لكنَّ الزمن عدوٌ قاهر يقارعهما بانكسارِ الورود وذبولِ الوريقات وانهصارِ المياسم .
قال لها : ” لنجعل حياتَنا كالورودِ يانعةً ومعطَّرة .” فقالت بشيءٍ من التقهقر :” لكنّها ستذبل إنْ عاجلاً أو آجلاً ! يُخطئ مَن يظنَّ الورودَ منذورةً للإسعادِ والسرور ؛ وإنِّها لا تبكي أو تتشكّى .” … وكان لا يُريدُ للمرارةِ أنْ تتقدَّم ( المرارةُ خاذلة الروح ) ولا لخيبةِ الأمل أنْ تستحوذ على سلوكِهما ( خيبةُ الأملِ بكاءُ مقرون بالألم ) ، فردَّ بشيءٍ من قوةِ العزيمةِ وتقاسيمَ الاصرارِ على النهلِ من نَميرِ ماءِ الحياة :” قد يتحطمُ الانسانُ لكنّه لا يهزم .” .
ابتسمت للقولِ ابتسامةَ مّن اثيرت في قلبه ذكرى .
راحت نظراتُها ترحل بعيداً ، بعيداً ؛ إلى حيث كانا طالبين جامعيين يدرسان ” الشيخ والبحر ” ، والست ابتسام ، استاذة مادة الرواية ، تتلذَّذ بما يُردِده كطالبٍ متميّزٍ بالقراءةِ ولفظِ الكلماتِ بتلقائيةٍ كما يلفظُها الانكليزي صاحبُ اللغةِ الام … والأدهى أنَّ الست ابتسام كانت تصرِّح بأنَّ اكثرَ مَن يُتقن اللغةَ بينكم هو هذا الطالبُ الذي يُفضِّل الانزواءَ ويهرَبَ عن زميلاتِه الطالبات لانَّ له صديقاتٍ كثر يجالسهنَّ في الحديقةِ الخلفيةِ للقسمِ ( صديقات العطر ، وأيقونات البهاء ) … قولُ الستِّ ابتسام فجِّر لدى زملائِه الاسئلةَ واستداروا يرمقونَهُ بمكرٍ .. زميلاتُه قُلنَ بغنَجٍ :” أيا ملعون ، تتظاهرُ امامَنا بالورعِ والتقى !”( أي ورعٍ في تجليات الحب ، وأي تقىً في حضرة السَّمر!) ، أمّا زملاؤه الذكور فضحِكوا بعيونهم وكايدوه : ” ها يالخوينس !.. لحظتَها ضحكت الستُّ ابتسام وراحت تنظرُ اليه وتبتسمُ بتشفّي : “خوفُكم من الخوينس ! “.. وكانت صديقاتُه ، الممتلئاتُ بالعطر، خلفَ القسمِ ينتظرنَ بشغفٍ ولهفةٍ رنينَ الجرسِ لاستقبالِه وإعدادِ عطرِهنَّ كرسالةِ استقبال .
برنينِ الجرسِ يهرعُ لهيفاً شغيفاً ليجلسَ على المصطبةِ في الحديقةِ الخلفيةِ للقسمِ يكتب شوقَ صديقاته الوريدات على ورقِ الروحِ لإنتاجِ قصيدةٍ سيُلقيها في حفلِ تخرُّج طلبةِ المرحلةِ الرابعةِ الذين يسبقونَه بعامٍ .
وفي نافذة من نوافذ غرفةِ الاساتذة في الطابق الثاني يلمح الست ابتسام تطالعه مبتسمة وسط حفاوة الوان الصديقات وعطرهنَّ ويطالع زملاءه من الطلبة والطالبات ينبثقون من بين شجيرات الأكاسيا ومسك الليل وقد أخذهم الشغفُ لمشاهدةِ ما تشاهدُه الست ابتسام في اوقاتِ فراغِ ما بين الدروس ، فيدركون أنَّ للشاعرِ عالمُه الخاص واحبابُه الذين يَعشق . لم يدركوا أنَّ قلبَ الشاعرِ كان بعيداً في قسمٍ بعيدٍ من كليةِ بعيدة له زميلة حبيبة سيقترن بها حال تخرجِهما ، وانَّ القاسمَ المشتركَ بينهما هو العهدُ بالوفاءِ وإنْ على حربٍ ستأتي لتسرق حلمَهما الجميل وتستبدله بكابوسٍ مصحوب بكمدٍ سيستغرق ثمانية اعوام . بانتهائه تجد الحبيبة نفسها وحيدةً ؛ والصديقات الوريدات يأخذن بالذبول ـ ويموتَّنَ من الحزن بعد انتظارٍ طويلٍ ، طويل . ما انتهى إلا على خيط دخانٍ مرَّ من فوقهما وانسابَ تاركاً هواءً من لوعةٍ وأنفاسِ حنينٍ همَدَت على مصطبةٍ فارغةٍ تكدَّس فوقَها غبارٌ معجونٌ بالدم .

السماوة : 10 حزيران 2016


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “زيد الشهيد : قصص قصيرة جداً فَيْضُ الورودِ العِذاب”

  1. صالح الرزوق يقول :

    كانت لي معلمة لغة انكليزية هي السيدة جو ماكدونوف. و لها في امازون عدة مؤلفات عن تعليم الانكليزية للأجانب. كانت تقول لزميلنا اللبناني ان لغتك وردية flowery language. هذه القصص متوردة باللغة اكثر من الحدث و الحبكة، فهي تشبه لوحة بضربات فرشاة رسام يستعمل الكلمات.

  2. زيد الشهيد يقول :

    شكرا لرؤيتك التي افعمتني بالمحبة ، وأرتني قراءة لطيفة فيها معلومة تتجاوز القراءة المألوفة .. تحياتي د.صالح .

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"