الرئيسية » ملفات » كريم الأسدي : لقاءان مع الأستاذ طارق حسون فريد في برلين (نصٌ أدبي) (ملف/5)

كريم الأسدي : لقاءان مع الأستاذ طارق حسون فريد في برلين (نصٌ أدبي) (ملف/5)

لقاءان مع الأستاذ طارق حسون فريد في برلين

نصٌ أدبي

كريم الأسدي

كم أصبح من النادر ان نلتقي في الخارج بعراقي يحمل بين جنحيه حب العراق ، وفي قلبه طيبة العراق ، وفي روحه صفاء روح الفلّاح العراقي ، وفي عقله حكمة وذكاء العراقي الذي عرفناه قبل أِنماء الخيانة والأِنتهازية الى الذكاء ، وكم أصبح من النادر ان تلتقي بعراقي ونعرف بما لا يقبل الشك في نهاية اللقاء انه مازال على حب العراق وان مصلحته وهواه الشخصي لم يزلا عنده في درجة الأهمية بعد مصلحة العراق وهوى العراق ، ثم كم أصبح من النادر ان تلتقي بعراقي فتدوِّنُ بعدئذ هذا اللقاء في ذاكرتك وصفحة قلبك فلا تأسف على الطريق الذي قطعته قاصداً لقياه ، ولا على الوقت الذي صرفته طامحاً في التعرف اليه والى شخصيته وأفكاره ورؤاه .. من اللقاءات التي كنت ولم أزل أعتز فيها ايما اعتزاز وسأظل أعتز فيها لقاءان متقاربان تقريباً مع الأستاذ طارق حسون فريد مكانهما في برلين . زمان اللقاء الأخير قبل عام تقريباً أما اللقاء الأول فقبل بضعة أعوام

لا أعتقد ان النوادي والجمعيات والأِتحادات الثقافية العراقية في الخارج ـ وفي المانيا على الخصوص !! ـ قد أخلصت لمهمتها في تمثيل بلاد الرافدين ودعم الثقافة العراقية والمثقف العراقي والمبدع العراقي أو اسناد أنشطة ومشاريع المبدعين العراقييين وخاصة في نفس أماكن الأِقامة ، ولكن يصدف بعض الأحيان ان تأتي دعوة تعلن عن استضافة هذا المبدع العراقي أو ذاك فيهرع المخلصون لتلبيتها . شخصياً لم أضيّع أي دعوة من هذا النوع مهما كانت مشاغلي الّا اذا كان حضوري مستحيلاً بالفعل.. وصلت الي دعوة قبل أعوام من نادي الرافدين الثقافي العراقي لحضور أمسية ثقافية عن تاريخ الموسيقى العراقية مع الأستاذ طارق حسون فريد بروفيسور الموسيقى العراقيّة والشرقيّة فذهبت ، وهناك رأيت الأستاذ طارق لأول مرّة واستمتعت واغتنيت بكنوز معارفه ، وحين انتهت محاضرته وفُتح باب الأسئلة والحوار معه كنت من ضمن المشاركين فسألته سؤالاً مفاده : هل تعتقد ان الموسيقى العراقية سترقى ذات يوم الى أزمان رقيها في الزمن العباسي والفترات

الراحل الكبير طارق حسون فريد خارجا من محراب عمله

البابلية والسومرية فتتمكن في الوقت الحاضر من منافسة الموسيقى الأوربية والعالمية أو الوقوف معها في مصاف واحد ولا سيما ان بلاد النهرين وسومر مهد الموسيقى.. ولقد فاجأني الأستاذ طارق حقاً في الجواب وهو يعلن أمام الجمهور الحاضر انه قد تفاجأ بسؤالي واستغرب وفي نفس الوقت فرح واستبشر لأن هذا هو نفس السؤال الذي وجهه الى استاذه البروفسور المشرف على دراسته للدكتوراه في حفل منحه الدكتوراه في جامعته في جيكوسلوفاكيا في ذاك الزمان ، ثم أضاف ان الأستاذ لم يجب في حينها عليه واكتفى بهزة من اكتافه تعبيراً عن عدم علمه أوحيرته آنذاك . ثم بدأ الأستاذ طارق يرد على سؤالي ، وعزز ثقته بالعراق ومواهب أهله

الراحل الكبير طارق حسون فريد داخلا محراب عمله

في اللقاء الثاني قبل عام تقريباً حضرت له لقاء كانت جمعية بغداد الثقافية قد دعت اليه ، وحينما بادرته بالتحية تذكرني على الفور وعبر عن سروره البالغ بقدومي وبعد انتهاء محاضرته القيمة عن تاريخ الموسيقى العراقية وأوضاع الموسيقى العراقية الحديثة توجهت اليه في الحوار لأسأل وأحاور ، فقاطعني لطيفاً ودوداً وهو يقول : أتمنى ان يكون سؤالك اليوم في نفس القيمة والأهمية مثل سؤالك في المحاضرة السابقة ، فقلت له لدي اليوم سؤالان فقال : تفضلْ ، فسألته أولاً : ماهو السر في تمكن بعض الناس حتى وهم صغار في العمر من التأليف الموسيقي والشعري الموسيقي بدون تعلم النوتات الموسيقية والأوزان الشعرية وابداع الجليل من الأعمال في هذا المضمار وما يعجز عنه بالغون بل وحتى أساتذة جبابرة في هذا المضمار ، بحيث من الممكن ان نرى طفلاً في الثالث او الرابع الابتدائي يجترح ما يعجز بروفسور اختصاص عن اجتراحه .. صمت الأستاذ طارق أمام السؤال وقال لي وللجمهور : ان هذا السؤال مهم جداً وكبير جداً وأنه أكبر من ان أجيب عليه .. ثم التفت لي مؤكداً وقائلاً حقا انني لا أعرف الجواب ، ولكن هذه الظاهرة موجودة ومشخصة .. لكنه أجابني على سؤالي الثاني والذي كان محتواه :هل هناك نوتات أو أنظمة موسيقية تمكن الموسيقي المعاصر من إعادة عزف موسيقى العصور السومرية والبابلية مثلما عُزفت سابقاً في الأصل ، أم ان الأمر يقتصر على الحدس والتخمين والعزف التقريبي ؟

الراحل الكبير طارق حسون فريد في قاعة امتحانات طلبته

فأجاب الأستاذ طارق ان النوتات لم تكن موجودة سابقاً للأسف وان عزفاً مماثلاً تماماً لا يمكن ان يكون ، لكن هناك تصورات وتخمينات تعتمد على المعرفة والتوقع والحدس وتصور الأجواء ويبقى الأمر في نطاق التقريب
وحينما انتهى اللقاء كان لنا حديث مشترك ، ونفس الشيء حدث في اللقاء الأول حيث سهرنا سويةً في صالة النادي وهويحدثنا ويحاورنا في امتداد رائع وحميم لفترة الحوار وعرفت منه ان زوجته المانية الأصل وهي طبيبة واساذة في الطب وقد حصل لها في بغداد حادث سير أو دهس مؤسف كاد ان يودي بحياتها قرب الجامعة وحيث كانت تعمل وانها الآن تعيش في المانيا بعد تلقيها العلاج .. ولم يقتصر حديثنا بعد هذا على الموسيقى وانما شمل وضع البلد وأوضاع السياسة في منطقتنا الشرق الأوسط والعالم العربي ، والعالم ، حيث تأكدت تماماً من حدَّة وعيه ، ودِقة تشخيصه ، واستقلالية رأيه ، وسعة مدى تفكيره ، ونقاء ضميره ، وحبه الجم للعراق ، وانسانية ورحابة مداه .. أنا هنا لا أمدحه ولا أرثيه وأيمُّ الحق وانما أقول انطباعي عن هذا الأِنسان المرهف العالِم النبيل الشريف الشجاع النزيه والوطني الأنساني ، الى درجة انني خشيت عليه من العودة الى العراق الذي أصبح للأسف مرتعاً للجواسيس والأِنتهازيين وعابري سبل الأنتفاع وفاقدي الضمائر من صنف أبو لقمة أو أبو لُقيمة ، وقد صدق حدسي يوم أطلعت في موقع (الناقد العراقي ) على خبر وفاته بعد حادث انفجار قنينة غاز شنيع نقله الى المستشفى وهناك أُصيب بجلطة دماغية أودت بحياته

الراحل الكبير طارق حسون فريد أثناء تدريب طلبته

*******
زمان ومكان كتابة هذا المقال اليوم الثالث من كانون الثاني ـ يناير ـ 2019 ، في برلين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *