تابعنا على فيسبوك وتويتر

أشباح متذوقي الموسيقى

الغزالي الجبوري

عن الصينية أكد الجبوري

من يجرؤ كثيرا ينهل شغفا كثيرا على المعارف عن تذوق الموسيقى بثقة كبيرة في النفس. حين نتمتع باخلاقية سماع الموسيقى٬ ربما نجرؤ كثيرا على التحدث عن سماع الموسيقى بحس رفيع متعال في الخلق٬ فنستبين أعلام الموسيقى العالمية٬ بإشارة٬ والقضايا المهمة الكبرى التي أثارتها٬ و وقائع من تأثيرها على تاريخ شعوب موسيقيها. نتوسل متوسمين إلى ذلك بالأدب في الأعم٬ فتجد منا بمقربة على سبيل المثال في تاريخ الشرق أو الغرب كالنمسا أو المانيا أو غيرها غربا…٬ وطبيعة أحوال مجتمعاتها ـ الغربية٬ مثلا ـ صدورا عن سماعها لسمفونيات عظمائها مثل بيتهوفن٬ موزارت٬ فاغنر..الخ.

 

غير أن ما يغفل عنه معظم السماع هو أن وراء الهدؤ تجرؤ صادر عن جهد مفعم عطاءا وتكريما متقنا لوسطاء هم الموسيقيون (ومنهم مثلا تشايكوفيسكي ملهمته إلى بحيرة البجع) الذين بتضحياتهم السخية ييسرون تذوق المتعة لعشاق الموسيقى. الا أن المدهش هو عدم التفات هؤلاء السماع إلى أن الموسيقين٬ بصفتهم سميعيين٬ هم الذين يصنعون الثقافة والأدب الموسيقي العالمي٬ كما هو معلوم٬ مقابل أجر زهيد٬ وجحود في أعتراف بهم (تجربة فاغنر العصية ـ شعوب الجبوري 2010 ).

 

وإذا كان السميع المتذوق قلما بلتفت إلى ذلك الحضور المأزوم والخفي للموسيقي٬ لاكتفائه بالارتماء في أحضان المقطوعات الموسيقية سماعها٬ ولاستحضاره للانتصار أو الحب أو المحن أو غيرها من مآثر أثناء السمع٬ لأنه ليس بالضرورة مطالبا بذلك٬ طالما أنه يقتني مؤلف الموسيقي لاستهلاكه والاستمتاع به شأن أي سلعة تعرضها السوق إلى المستهلك٬ فإن المفترض في المتذوق أن يبذل جهدا لتشديب تذوقه رفعه الجذل الموسيقي لفيض الشغف في النفس٬ وعلى دراسة عمل الموسيقي أيضا٬ وأن يتجه النقد به٬ ثراء الثقافة والأدب الرفيع ناقديته الجذلى٬ وأن يبرز إضافته وطبيعته٬ ومدى تمكنه من إعادة كتابة العمل٬ أو إجادة وفاء وفادته في الثقافة المضيفة٬ تحقيقا ومتابعة ترتقي بالسياق ومجال التخصص٬ ولا سبيل إلى ذلك سوى التقييم الحذق والموضوعي الملتزم٬ وهو ما لا يقوم به السامع المتذوق٬ حين نجرؤ على السمع٬ وما يستمد منه ثقافة النقد الجمالي الموسيقي عادة٬ اللهم إلا ما كان من أمر التخصص الدقيق الأكاديمي٬ أثناء الدراسة٬ التي عادة تسعى إلى تسليط الضوء على الموسيقي عموما.

 

وخلافا للسميع الجذل الذي يكون سببا سلبيا في تعامله مع سماع المقطوعات الموسيقية٬ لاكتفائه بالاستمتاع بها٬ أو القبض على مضمونه٬ يسعى الموسيقي بأعتباره تحققا كاملا لدى السامع الأسمى٬ تعالي جذل الذوق٬ إلى التركيز على الأهتمام بأن يثبت حضوره٬ بتجاوه استهلاك المؤلف الموسيقي إلى إعادة إنتاجه في سياق ثقافي آخر٬ لأجل ضمان استمراريته في الحياة وشؤون البحث والمتابعة والتحقيق في الإبداع٬ وما يتجسد كماله بصفته٬ سميعا متطلعا٬ مثاليا بجذله الرفيع (حسب أبوذر الجبوري 2018)٬ في  تمكنه على أن يلتقط ويحقق ويتابع ويفصص نصا ابداعيا٬ يفتت نصا عنه قيمة مضافة لمجال تخصصه٬ وأن يسلخه محنة٬ وأن يقطع نخاعه قلقا٬ وأن يتابع مشقته كل شريان وكل وريد٬ وبعد ذلك يقيمه الذوق٬ حيوية كائنا حيويا آخر٬ فاعلا جديدا ومحفزا لضمان استمراريته في جادة الإبداع٬ بحيث يغدو شغفه التحقيق الفعلي للمتلقي المنتج الذي هام به حلما في السماع.

 

ولا شك أن الموسيقي يعد في المؤلفات التي تعزف٬ والتي يشرع بها المتلقي سماعها نوافذ على عوالم متعددة من ثقافات وفنون٬ وأن صوت أنغامه لا تفتأ تتردد في كل أرجاء المقطوعة المعزوفة؛ في علامات كلماته وتنضيد عباراته و أيقونة مقطوعته ـ تترجمه ـ٬ بل أن أختبار تأمل سلوك عمل معين لمعزوفته دليل أخر على موقف معرفي ونقدي٬ دون أن نغفل عن إدارته الاستراتيجه التي يتبناها في التنظيم الفعال في الموسيقى٬ وخصوصا بعدم سهو الموسيقيين الذين يصدرون عن إبداع الوعي الموسيقي النسوي٬ والذين لا يتقاعسون في إحداث تغييرات جوهرية في مؤلفات المعزوفات الموسيقية التي ينقلونها إلى مذاق متلقيهم.

 

ولا غرو هنا٬ والحق أن لا اهتمام يوليه السميعة والنقاد والمؤسسات ـ عامة ـ عالميا وعربيا٬ بمصير عظماء هذا الأدب الرفيع٬ إلا ما ندر٬ رغم أن هؤلاء يتعاضمون ويغامرون بحياتهم٬ في بعض الأوقات٬ من أجل إمدادهم بالجديد النافع والمفيد ولنشر الوعي بينهم٬ ولأجل اتصالهم بالعالم٬ وقبل ذلك ربط تواصلهم بنشاط الحياة وفاعلية الحركة الموازية٬ فلو الموسيقى ـ حسب رأي إشبيليا الجبوري ـ لكنا نسكن أقانيم تتاخم البلادة والخرس.

 

المترجمة د. أكد الجبوري

الإجحاف والحيف المتراكم والمستمر في حق الموسيقي له تجليات لا تحصى٬ وتجمل في الأعظم منها في أن عليه واجبات مضنية وكثيرة٬ بينما يغض الطرف عن الحقوق التي لزم أن تضمن له أيضا. ويمكن إيضاح ذلك في أجتراء لهم في قضايا الموسيقى على التعبير في أمورها٬ والإفتاء بصددها٬ وتوجيه الانتقاد لممارستها دون احتراز٬ فيخوضون في استحالتها وأخفاقها ومواقفها وغيرها من الأمور.

 

يتناوب نشاط الموسيقيون في عوالم التأليف الموسيقي٬ ويصرحون عادة عن حضورهم بمنجز عروض محفزة٬ ماديا٬ تجسدها تلك العروض الموسيقية٬ وبجهد كبير في مواكبة المعرفة والجديد النافع والمفيد٬ لكن تقاليد الحضور والاستماع وأعراف المؤسسات الداعمة لمثل تلك العروض في أنجاح حضور متذوقوها٬ تغيرت أساليبها٬ في فضاء الثقافة عموما لدى المتلقي٬ تأبي إلا أن تجعل منهم٬ وهم المؤلفون والعازفون أيضا في عالم التلقي والتذوق والتأليف.

 

أكد الجبوري ـ  لندن

5.01.19


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"