تابعنا على فيسبوك وتويتر

“مسلة الأحزان السومرية”
رائد الحواري
جميل أن يكون للكاتب طريقته واسلوب يميزه عن غيره من الكتاب، “علي السباعي” من الذي لهم طريقتهم واسلوبهم في الكتابة، فهو يضمنون أعمالهم الأدبية بالمادة التاريخية والمعرفية، ومثل هذا الامر بحاجة إلى قدرات خاصة، فليس كل من يقدم مادة (تاريخية/معرفية) ينجح في صياغتها أدبيا، بحيث تكون مقنعة للقارئ وممتعة، كما أنه من الضروري أن يجد الكاتب وينوع في أسلوبه وطريقته في تناول المواضيع التي يطرحها في أعماله، الاستثناء في هذه المجموعة يتمثل في إلغاء الزمن وتجاوز الشخوص للجغرافيا بحيث يجمعهم بطريقة مذهلة تنم عن سعة الخيال وتحرره من القيود، يحدثنا القاص في قصة “شارلي شابلن يموت وحده”: “أعمل مصلحا للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور، تعلمت من زوربا حب الحياة” وكنت كجيفارا متمردا” ص7، مدينة “أور” لم تعد موجودة وعفى عليها الزمن، فهي مجرد أثار، لكن القاص يعيد إليها الحياة من خلال عمله مصلحا للأجهزة الكهربائية، ونجد متأثر بالأدب “زوربا” وبالثوار “جيفارا” وإذا ما توقفنا عند هذا الفاتحة سنجد فيها ما هو مثير ومحفز على متابعة هذا الابداع والتألق.
ويضيف شخصية مؤثرة جديدة وهي: “…أخذت قول شارلي شبلن على محمل الجد: لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى أسفل،…علقت على الحائط بل صورة السيد الرئيس فوق رأسي حكمة قالها شارلي شابن: لو كنت نبيا لجعلت رسالتي السعادة لكل البشر، ووعدت أتباعي بالحرية، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار، ما كنت لأتوعد أحدا بنيران جهنم ولا أعد أحدا بالجنة، كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشرا وأن يفكروا” ص7و8، بهذا الشكل يقدم القاص معرفة ضرورية لكل الناس، فهو يستخلص حكم وتجارب الآخرين ويقدمها لنا، كما أن هذه الطريقة في التقديم تحفز القارئ على التقدم أكثر من تلك الشخصيات “زوربا، جيفارا، شابلن” ليتعرف عليها عن قرب.
الواقع في العراق وما فيه من صراعات دينية ومذهبية وما آلت إليه أحوال العراقي جعلت القاص يقدم هذا (الدين الجديد)، فهو يدعوا إلى الاهتمام بالإنسان وسعادته، كما يدعوا إلى تجاوز التباينات المذهبية/الدينة، كرد على من يستخدم الدين لإبقاء الوضع على حاله. وهذا الشكل من التقديم بالتأكيد له أثر إيجابي على القارئ، فيتحول من حالة السكون إلى حالة الفعل.
ضمن هذا العوالم المتنوعة والشخصيات المتعددة، يقدم لنا القاص المأساة التي يعيشها العراقي، يخبرنا كيف أن الإرهاب يدمر الوطن ويخرب عقول وتصرفات البشر، فبعد أن يقوم بإعطاء ثمن جهاز التحكم عن بعد(الريمونت) ل “يحيى المنغولي” الشخص البسيط يحدث تفجير في السوق: ” فيبدو المشهد في مروعا: “…انفجار عنيف، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر، غليان أحمر، موجهة رعب، صراخ، وعويل” ص 9، يهلع الناس، فيضنوا أن “يحيى المنغولي” هو إرهابي لوجود جاز التحكم عن بعد في يده، مما يجعلهم “…يضربونه بشدة” إلى أن يلاقي حتفه، لكن الإرهابي الثاني الذي كان ينتظر تجمع الناس ليقوم بعملية التفجير الثانية حدثت: “دوى صوت انفجار ثان” ص 10، وهنا كانت المأساة مزدوجة للقاص، فهو فقد صديق له بطريقة الخطأ، ومن من؟ من الناس الذين كانوا ضحايا الإرهاب، وشاهد أشلاء الضحايا وسمع أصوات الصراخ والعويل، وسمع أيضا الانفجار الثاني، بمعنى حدوث مزيد من الضحايا ومزيد من الخراب.
ونجد تجاوز الزمن وتجميع الشخوص أيضا في قصة “رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام، فالعنوان يوحي إلى هذا الأمر” فهناك “كلكامش” شخصية تاريخية اسطورية وكتب عنها أقدم ملحمة أنتجتها البشرية على وجه الأرض، “ملحمة كلكامش”2700 ق. م. باللغة السومرية والأشورية، وكلمة الشاطر استخدمت في كتاب “ألف ليلة وليلة” وهي تستخدم حاليا كصيغة مدح للأطفال، ودار السلام/بغداد المكان الذي أنشأه “أبو جعفر المنصور” وبعد ما يقارب ثلاثة آلاف سنة من وجود كلكامش، وهنا يأتي تحفيز القارئ من القصة، فكيف لهذا المجاميع المتنوعة والمتعددة أن تأتي معا بحدث قصصي؟،
في هذه القصة نجد ذكر لمجموعة كبيرة من الفنانين والمبدعين والمفكرين، “فكلكامش” شخصية مثقفة تشتري الكتب وتقرأها: “أول ما يفعله المرء في بغداد شراء الكتب، قمت بشراء كتب كثيرة بعد تجوالي الطويل في مكتباتها، رزمتين في كيس بلاستيكي أصفر، صارت الرزمة أشبه بصندوق والصندوق داخل كيس بلاستيكي” ص11و12، يخبرنا عن بيكاسيو وكيف خاطب الضابط الألماني: “…نظر الضابط الألماني إلى للوحة إل (جيرنيكا) فأعجب بها الضابط الألماني أينما أعجاب، فقال لبابلو بيكاسيو:
ـ أحسنت صنع إل (جيرنيا) يا سيد بيكاسيو.
أجابه بيكاسيو بذكاء:
ـ لم أصنعها يا سيدي الضابط بل أنتم الذي صنعتموها” ص 13، ويحدثنا عن جواد سليم وفائق حسن وغريهم، ضمن هذه الأجواء الثقافية والابداعية تحدث المفاجأة، يصعد “كلكامش” إلى السيارة ويضع بجانبه ما اشتراه من كتب، يضن السائق أن هناك عبوة ناسفة في السيارة:
“أ هناك عبوة ناسفة في سيارتي!!!” ص17، وبعد أن يهجم عليه السائق ويقوم بضربه ومحاولة خنقه، يحاول الناس أن يخلصوه من بين يديه، لكن ما أن انتشر الخبر حتى انقلبت أحول كلكامش رأسا على عقب، وبدأ الجموع بضربه: “واستجابوا لتلك الجلبة فشارك النبأ برفع أصواتهم وراح صغارهم يقذفونني بأقذر الشتائم، فاض السيل، سيل الكبار متدافعا بالأكتاف يضربوني، …أرتجف، .. ينطحوني ويركلوني على شكل جماعات…
ـ إرهابي” ص 19و20، القاص من خلال هاتين القصتين يخبرنا عن حالة الفزع التي طالت العراقيين فجعلتهم بهذه القسوة وبهذا الانفعال.
وفي قصة “إعلان وفاة ليلي” نجد “ليلى التي تصاب بحادث تفجير إرهابي، لكن الملفت في هذه القصة استخدام الألوان التي تشير إلى القسوة والخراب والموت: “لمحت في عينيها الياقوتتين السوداوين أهما أتقدتا نارا، عيناها جمرتان فوق وجنتيها تومضان مثل نجمتين الظهر في تموز العراق، … شمس بغداد النحاسية عنيدة، تصبغ الحياة بضوئها النحاسي القريب من لون النار” ص24 الألوان تتوحد مع المشاعر الإنسانية في اعطاء قسوة الحدث، وإذا ما أخذنا قصة “حقيبة الإرهابي ذي البدلة الأنيقة” يمكننا الاستنتاج أن القاص مهم بواقع العراق وبما آلت إليه أحوال العراقي، خاصة بعد أن تفشت فيه الأعمال الإرهابية، فالقاص يكتب عن واقعه ولشعبه ولوطنه، ليبعد عنه الخراب والموت ما أمكن.
وهناك جانب آخر يقدمه القاص في مجموعة “مسلة الأحزان السومرية” إلا وهو حالة المجتمع والطريقة التي يتعامل بها مع الحاكم، فحالة النفاق والخنوع و (طبطبة) حالة عامة في علاقة الشعب بالنظام الرسمي العربي
يقدم لنا قصة “وحدها يد شهرزاد باسقة” يحدثنا عن التفاوت بين الشاعر والعامة، فالشاعر يمثل حالة التحدي والتمرد والثورة على الحاكم وعلى سلوك العامة بينهما العامة وحاشية الملك في الجانب الآخر، وقبل أن يقطع رأس الشاعر يخاطب الملك والعامة بهذه الابيات:
“أقسى انكسار شاب في وتري
حلما..
سيبذر في أجفانهم قدري
لينبت الصوت
في أقصى حناجرهم
بقدر ما تصهل الصحراء
من كبر ..
.. تشد كل جرار الريح
للمطر
لتحمل
الأرض
شوق القمح للبشر” ص42، فهناك “علي السباعي” يقدم لنا قصة متماثلة بفكرتها مع مسرحية الفيل يا ملك الزمان” لسعد الله ونوس، لكن بشكل وطريقة جديدة.
لكن هناك ملاحظة على هذه القصة تتمثل بتكرر لفظ “الشاعر” : كان أبناء جيل الشاعر يلعبون لعبة الحرب… بينما الشاعر تنبأ بالحرب وبأن مدتها ستطول، لم يرد الملك وآثر الاستهزاء بحديث الشاعر… فتح الشاعر عينيه السوداوين على سعتهما” ص 38، وكأن القاص فقد السيطرة على نصه، بحيث أصبح دور الشاعر هو الهاجس الذي يحرك القاص ويدير أحداث القصة، وهذا ما وجدناه من خلال قوة شخصية الشاعر، والطريقة التي واجهة بها الملك.
وهناك استخدام للآيات القرآنية في غالبية القصص، إذا ما استثنينا قصة “كاكا … عبد الحليم حافظ” التي يقدم فيها اقاص كل شيء عن حياة واغاني وافلام ومرض عبد الحليم حافظ.
وفي “حوار في مرآة الذات” نجد رؤية القاص عند الكتابة وأثرها على الآخرين وعليه ككتاب قصة، حتى أنه يوضح لنا العديد من التفاصيل التي |أثرت عليه ككتاب قصة.
المجموعة من منشورات دار الدراويش للنشر والترجمة، جمهورية بلغاريا، بلوفديف.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"