تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

من الاهوار

    جاءت امرأة مسنة من الاهوار ، فقد قالوا لها ، إن أبنها أصيب في الموصل . 

وقالت للقائد : أريد ابني .

ونظر القائد إليها ، ثم وضع بين يديها ملابس ابنها ، وفيها رائحته ، وبقع من دمه ، فأخذتها ، وقفلت عائدة به إلى الأهوار .

 

دجلة يجري حزينا

    دجلة الخير ، حين كان يمر بالموصل وجسورها الخمسة ، كان يجري شابا فرحا متوثبا ،  والآن حين يمر بها ، يجري شيخا ، مهدما ، حزينا ، محبطا ، فجسورها الخمسة ، التي كان يعبرها الناس ليلا ونهارا ، قتلتها الحرب ، وحتى القوارب التي تعبر بالناس ، تشق الماء متوجسة ، قلقة ، خائفة ، إذ تتعرض  للنار بين حين وآخر  ، فتغوص قتيلة بمن فيها إلى الأعماق المظلمة .

 

لمن تقرع الأجراس ؟

 في الموصل تقرع الأجراس الآن ..  

   لطفل ، ولد في المغارة ، ترج طفولته وهو في المهد ، قنبلة هاون طائشة . 

لطفلة نامت ، ودميتها تنام فوق صدرها ، تفز مرعوبة حين ترى في المنام ، رصاصة قناص تقتل دميتها الصغيرة .

لصبية ﻻ تنام ، رغم انتصاف الليل ، فحلمها الأول ندى ، يرفرف فوق نيران الحرب في الموصل .

لزوجة شابة ، تنام على دموع خوفها ،  فزوجها الشاب ، جندي يقاتل في الجبهة الشرقية من الموصل .

لامرأة في شتاء عمرها ، أخذت حرب إيران زوجها ، وسرقت حرب الكويت ابنها ، وها هو حفيدها يقاتل في أحد شوارع الموصل .

لأم صبية تحمل طفلها الأول ، جنينا في رحمها ، وتركض هاربة تحت نيران الحرب ، بحثا عن نخلة تضع طفلها في ظلها الآمن ، فلا تجد ، في حرب الموصل ، غير أعجاز نخل خاوية .

 

فارس

   فززتُ من النوم ، على ابنتي صفاء ، تنهنه باكية ملتاعة ، فاعتدلتُ مقترباً منها ، وتساءلت : صفا ، ما الأمر ؟

فأجابتني من بين دموعها ، وهي تتلفت منهنهة باكية : فارس ، يا بابا .

وهززتُ رأسي صامتاً ، فقالت صفاء ، وهي مازالت تنهنه باكية : صاح ماما ، وهو في حضني ، فظهرت ماما في البعد ، وأشارت له أن تعال ، فهبّ من حضني ، وطار إليها ، فمدت يدها ، واحتضنت يده ، وغابا في الظلام .

لذتُ بالصمت لحظة ، فزوجتي ، أم فارس ، تحت الأنقاض منذ أكثر من ثلاثة أيام ، بعد أن سقطت قنبلة على بيتنا العتيق ، وهدمته تماماً ، وربتّ على رأس صفاء ، وأنا أقول لها : فارس عند عمته منذ ثلاثة أيام ، فمنطقتهم أكثر أمناً من منطقتنا .  

 

حمام العليل

    صاح القطار قومي انزلي 

    كوي اوصلنا حمام علي

وحمام علي هي حمام العليل ، التي كان يقف القطار عندها ، حين يأتي من الموصل ليلا ، متجها إلى بغداد 

فينزل عشرات المصطافين ، أو المصابين بالأمراض الجلدية ، ليتطببوا بمياهها المعدنية ، أو يسهروا في الليالي المقمرة فوق ” تل السبت ” لكن حمام العليل اليوم ، عليلة ، فمن يعالجها ويشفيها ؟ و تل السبت نفسه ، لم يعد أحد يسهر فوقه ، حتى في الليالي المقمرة .

 

الكناري

    قتلتْ شظية عبوة ناسفة طائرَ كنري ، بكاه صاحبه الطفل بحرقة ، وحين هدأ قليلا ، سأل أباه : بابا ، هل يذهب كناريّ إلى الجنة ؟

ونظر أبوه في عينيه ، ورأى فيهما غيوما سوداء توشك أن تمطر حزناً ، فقال له : نعم ، يا بني ، كناريكَ سيذهب إلى الجنة ، وسنلتقي به هناك .

 

حيرة قنبلة

    انطلقتْ القنبلة في الهواء ، وتحيرتْ أين تسقط ، هل تسقط فوق مدرسة ؟ أم مستشفى للأطفال ؟ أم حديقة عامة ؟ أم دار للعجزة أم  .. ومازالتْ القنبلة في الهواء حائرة ، ﻻ تدري أين تسقط .

 

طائرة حربية

    انطلقتْ الطائرة كالسهم ، عبر سماء الليل المرصعة بالنجوم ، يقودها طيار شاب ، جاء من بلد بعيد ، عينوا له الهدف ، مدرسة للأطفال ، حُولتْ إلى مصنع للأسلحة ، وفيها عدد من المسلحين ، وها هو الهدف ، وضغط على الزر ، وإذا الهدف بمن فيه وما فيه ، شظايا ملتهبة ، تتطاير في الفضاء ، واستدارت الطائرة ، وعادت عبر سماء الليل المرصعة بالنجوم ، من حيث أتت . 

 

سامحوني

    سقطت قنبلة هاون ، فوق دار للأيتام ، فقتلت حارس الدار ، وثلاثة من المستخدمين ، وخمسة أطفال ، وقطة وصغارها الأربعة ، فشعرت القنبلة بالحزن والخجل ، وقالت للجميع : سامحوني ، ليس الأمر في يدي .

 

عد إلينا يا بابا

    قبل أن يصعد إلى طائرته ، فتح الطيار الشاب ، القادم من فرنسا ، تلفونه النقال ، وقرأ فيه رسالة من ابنته في باريس ، تقول له فيها : عد إلينا ، يا بابا ، إنني أنتظركَ .

وانطلق الطيار الشاب بطائرته  ، وعينا صغيرته الجميلتان ﻻ تفارقانه ، وألقى صواريخه على الهدف ، دون أن يدري ، أنه قتل في من قتل طفلة في عمر ابنته ، كانت هي الأخرى تنتظر أباها ، الذي يقاتل في حرب الموصل . 

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"