تابعنا على فيسبوك وتويتر

بيئة النص وبيئة المجتمع
أحمد الشطري
رغم ان الانسان، وكما عرفه علماء الاجتماع، هو كائن اجتماعي يسعى الى ايجاد اكبر عدد ممكن من العلاقات سواء في محيطه القريب، او البعيد، الا ان التطور العلمي، والتكنلوجي على عكس ما هو متوقع، او قل ما هو منظور؛ أدى الى انحسار كبير محسوس، او غير محسوس في العلاقات الاجتماعية، وقد تجلى ذلك بوضوح في المجتمعات الغربية، وربما بدأت مجتمعاتنا الشرقية تتحسس اثاره ببطيء مع دخول التطور التكنلوجي الى هذه المجتمعات؛ ومدى تفاعلها معه . وبما ان النص – بكل اشكاله- كائن اجتماعي يسعى كما الانسان الى الوصول الى اكبر عدد ممكن من العلاقات سواء في محيطه؛ او خارج محيطه، واعني هنا بمحيط النص: هو التكوين الجسماني للنص. فقد عمد التطور التكنلوجي الداخلي والخارجي الى اضعاف العلاقات الاجتماعية؛ فبالإضافة الى ما يعانيه النص من خراب في علاقاته الاجتماعية الخارجية، فقد اصبحت علاقاته الاجتماعية الداخلية تعاني من الخراب والتفكك ايضا .
فعلى الصعيد الخارجي- وبالرغم مما يستشعر من سعة في افق الانتشار- الى ان الحقيقة هي عكس ذلك تماما، وحتى لو افترضنا ان ثمة سعة في العلاقات الاجتماعية للنص، فهي لا تعدوا ان تكون سوى علاقات سطحية غير مؤثرة، وليس لحضور النص، او غيابه اي اثر، كما هو شان العلاقات الاجتماعية المتكونة بواسطة التطور التكنلوجي الحديث .
اما على الصعيد الداخلي للنص فان العلاقة بين مكوناته – مع لا شرعية الكثير منها – فإنها علاقات واهية، يسهل انهيارها؛ لعدم استنادها الى الارضية الصلبة التي تمكنها من الثبات، وحتى النص الكاشف (النص النقدي ) فقد صار يسعى لإيجاد أبعاد لا مرئية للنص المكشوف من خلال اعطاء الكلمات مفردة، او مجتمعة، معان مجترحة بالاستناد الى مدلولات رمزية، ربما تقع خارج سياقها الدلالي المألوف او المتداول، وقد لا تكون تلك الابعاد والمعاني، غير ابعاد ومعان وهمية شأنها شأن الكائنات الرقمية المخلوقة في التكنلوجيا الحديثة.
وربما اسهمت المدارس النقدية، واللسانيات الحديثة، ونظريات الخطاب، على اهميتها، سواء وفق الفهم الخاطئ لإجراءاتها وتطبيقاتها، او التعمد في تحريف تلك التطبيقات؛ تسويغا لغايات واهداف خارج الاطار الابداعي؛ في تنمية وتوسيع دائرة الخراب.
و ما اشير اليه ليس في اطار الوقوف بالضد من هذا التطور العلمي او النصي لأنني اعي تماما حتمية هذا التطور وأدرك ان هذا الخراب الاجتماعي للكائنين (الانسان والنص ) انما هو خراب جبري، وربما كان خرابا سحريا في ظاهره؛ لما يمتلكه من ابعاد جمالية مرئي تجعل من (الكائنين ) اكثر انشدادا اليه ؛الا انه في المقابل يحمل من القبح غير المرئي ما يزداد مع كل تطور جديد.
ورغم ان (النص الكاشف ) كان يعد المجهر الذي تُبصَرُ بواسطته عيوب النص المكشوف، الا انه اصبح الان جزءاً فاعلا في عملية الخراب، وغطاء واقيا لعيوب الكائن النصي . فهو في كثير من الاحيان يلبس النص المكشوف عباءة الشرعية الابداعية، من خلال الزعم بان وظيفة الكشاف هي تحليل النص، وابراز مواطن الجمال فيه، وتفكيك العلاقات المتشابكة للكلمات، وليس الحكم بالجودة من عدمها، باعتبار ان ذلك منوط بالمتلقي، رغم المعرفة بان ذلك المتلقي قد يكون شبه معدوم، او انه سيكون اسيرا للصور الوهمية التي ابتدعها الكاشف للنص .وهذا الامر قد فتح الباب واسعا للكثير من الإخوانيات، والمجاملات، مما أضفى هالة وبريقا خادعا على الكثير من الاسماء، والنصوص العديمة البريق على حساب اخماد نصوص واسماء مشبعة بالضوء .
ان من اعظم خسائر الكائن النصي، هو فقدانه للأثر الراسخ في محيطه الخارجي؛ حتى وان كان متماسكا في علاقاته الداخلية، فبعد ان كان يمتلك علاقات حميمية مع الذاكرة الحية للمحيط الخارجي، تحولت تلك العلاقة الى علاقة وهمية مع الذاكرة الرقمية، التي تفتقد الى الحرارة والدفء، وإنْ كانت تبدو للرائي خالدة الحضور .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"