تابعنا على فيسبوك وتويتر

الرَّسَامُ والخَيلُ والرّيح
زيد الشهيد
(1) قَلِقةً فوقَ الرِّيح
كالسَّهمِ مرَّت أو كَريحٍ عاصِفةٍ دوَّت .. ترامَت الارضُ تحتَ سنابِكها ؛ فالخيولُ تَستأنسُ الجموحَ وبالعدوِ عِشقاً تموتُ . أما الرسّامُ فالذهولُ ديدنُه . مأخوذاً بالجيدِ النافرِ والقوائمَ المستَدقّةِ ؛ مَسحوراً بالخًطمِ واستدارةِ العينين يُفتنه سوادُهما وتُثملُه الأَنفة الكبرى بالغرّة الكثيفة .. يقول : ” كثيراً ما تثورُ الخيولُ على مروِّضيها .” . فالخيولُ أَمنَع مِن أنْ نذلَّها بالقَيدِ ، وأَنفر مِن أنْ نُعيقَها بِعائِقٍ ؛ وإنَّ الرَّسامَ ليكتِئب وقتَ تَخرجُ خيولُه عَن طورِه ويَنكفئ حَسيراً ؛ وإنّه ليَبكي حينَ تُكايدُه الألوانُ فلا يَصنعُ خَيلاً يَتمنّى ، ولا يَعطي لِلبيداءِ حَقَّها في استقبالِ الحَمحَمة … البيداءُ مَزيجٌ من اللَونِ الأصفَر المَشوب بِخضرةٍ فاتحةٍ ؛ والبُركَةُ يانعةٌ بالماءِ الأزرق الخَضِلِ تحاورُ النَّخلات الثلاث بينما الخيولُ تَمدُّ أعناقَها في السّاقيةِ تَشربُ وتَشربُ . تَنهلُّ حتى ترتوي ؛ فأمامَها رِحلةٌ حتى السَّماء ، وفيافيَ لابدَّ مِن قَطعِها بِسلام .. تَمرقُ تلك الخيول قَلِقةً في مُخيلةِ الرَّسّام ؛ والشّاعرُ المُتنبي يَزورُه خائفاً مِن سِرعتِها .. لا يدري أهوَ الذي يُدمدِم جرّاءَ انفلاتِها عَن سيطرتِه أمْ الشاعرُ الذي يُردِّد : ” على قَلِقٍ كأنَّ الريحَ تحتي .” ؟ .. لدى الخيولِ المسافاتُ تَقصُرُ إذْ تحاورُ الريحَ ، والهدفُ يَدنو إذا حَمحَمت ، والرَّسّامُ لا يَدَع فرشاتِه تَمشي الهوينا على القِماشة بل يشحذها بِحَجرِ لَهفتِه كي تكون الخيولُ رائقةً لمتلقّيه ، تفجِّر فيهم الدَّهشةَ فتتركُ دواخلَهم تهتفُ مَقرونةً بالجَّذل : يااااااااااااااه ! .. أيُّ خيولٍ هذي التي تأسرُنا خَبباً أو عدواً ؛ وأيُّ بيداءٍ هذي التي توقِعُنا في فِخاخِ النَّشوَةِ ؛ وأيُّ رَسّامٍ هذا الذي سَحبَنا من تيهِنا فأدخَلَنا مُربَّع عالمِه وجَعَلنا نَغرق في عَميمِ النَّشوةِ المائيةِ الغامرة ؟! .. إنَّنا أضعفُ مِن أنْ نُقاومه ـ وأوهى مِن أنْ نَرتدُّ مُنسَحبين .. ذلك أنَّنا مُخدّرون ، مَذهولون ، مُستمتعون ، مَحكومون بِقانونِ اللَذَّةِ . تبدو لنا الفَيافيَ ميادينَ حوارٍ مًمتِع ، والبيداءَ كالحفلِ السعيد ؛ فنصيرُ طيوراً نَطيرُ مِن تَلٍّ لِتل ، ونسابقُ غَيمةً تِلوَ غَيمة ، قائلينَ للخيولِ وهي في أوَجِّ اختراقِها للريحِ إنَّنا نشاركُها المغامرةَ . فلا التعبُ يَهدُّنا ولا الشَّقاء يَدنو منّا .. إنَّنا مِثلها خيولٌ تَتَمتَّعُ بالخَبَبِ أو الانطلاقِ كالسَّهم .. إنَّ مَن يحاور اللوحةَ يصيرُ جُزءاً منها ؛ ومَن يَعشق الألوانَ يستحيلُ رسّاماً .

(2) قلقُ الرسّام
ها هو يحملُ بكفّه اليسرى حاويةَ الألوان الخشبية وقد تكوَّمت على مساحتِها ألوانٌ متفرقة : كَومٌ أبيض ، كَومٌ أزرق ـ كَومٌ أسود ، كَومٌ أصفر .. ومتى احتاجَ الأخضر مزجَ الأسودَ بالأصفر . وإنْ أرادَ الرمادي خلَطَ الأبيضَ بالأسود . أمَّا الوردي فالأبيضُ بالأحمر .. وهناك ألوانٌ تأتي مِن مَزجِ أكثرَ من لونين .. كلُّ ذلك تتولّاه الفرشاةُ مأمورةً مِن رَهافةِ ذائقةِ الفنّان أو الموهبة التي تتفاوتُ بينَ رسّامٍ وآخر .. وما بين الألوانِ والفرشاةِ يكمُن فحوى اللوحة .
فالفرشاةُ خادعةُ .. والألوانُ مُكايِدةٌ . لهما قدرةٌ فائقةٌ على التصوير .. وإنّا كقُرّاءِ جَمالٍ لَمنتظرون .
زُبدةٌ برائحةٍ فاغمةٍ تَسيحُ في قَلبِ اللوحةِ ، بشرهٍ تمتصُّها قُماشةُ الجنفاص لكأنَّها تبغي اشباعَ دواخلِها الجائعة . تتماسكُ خيوط ُالنسيجِ الأبيض ، فالبياضُ ينتظرُ الارتواءَ ، والألوانُ زبدةٌ تُشبِعُ الجّائِعَ وتَفي بالغرض . إنَّ خَيالَ الرسّام لَفي تأجّجٍ والروحُ لوعى تَتوخّى سَكبَ عصارتِها ليكتملَ الخَلقَ .. هل هُناك اكتمالٌ لخلقٍ فعلاً ؟ وهلْ ما تستقبلُه القِماشةُ من فَيضِ الألوان لقادرٍ على اطلاقِ الخيول ؟ أمُستَعِدةٌ الصحراءُ للاتساع فتمنحها العَدوَ المريح ؟.. يشكُّ الرسّام ، ويقلقُ ؛ فالاطارُ يُحيِّده . انّه كالقيدِ في المِعصمِ وكالهواءِ الضئيلِ في الصدر .. إنَّ الحزنَ ليطغى ؛ وإنَّ الفرشاةَ لتتضايق من تَردّد الرَّسّامِ في أخذِ دورِها بمزج الألوان وسكبِها على ذاكرةِ القماشة البيضاء . ( هو) يريدُ لخيولِه أن تكون بيضاء ؛ وما حُبُّ الأبيضَ للألوانٍ الا لتجسيدِ الجَّمال . يريدُها تشقُّ العُباب الأصفرَ الرملي متفاديةً الكثبان ، وعلى البُعدِ يُريدُ الغدرانَ تنتظرُ ضيوفَها المسبوقين بالحمحمةٍ ، كذلك الواحةُ يبغيها في شوقٍ للفرسان وهم يفكّون اللثامَ حالَ وصولِهم ، مُستقبَلينَ بالشوقِ والدهشِ والاعجاب .. لكنَّها !
كانَ لِحزنِه لونُ الرماد .. وكانت أصابعُه ترتعشُ مِن لا جدوى هيمنتِه على خيوله .

(3) بكاءُ الخيول
تتراءى في جَنبِ اللوحة هياكلُ لَحميةٌ تَتَكوّم ، فلا تركَ لها الاجترارَ الحُرَّ في المَساحةِ القريبة ولا وعدَها بالجري كما تشاء ؛ بل قيَّدَها وجعلَها مربوطةً من اعنَّتِها إلى جذعِ شجرة ٍخاملة .. أأرادها كَالجِّمالِ صاغرةً وكَالكِلابِ مُطيعةً ؟ .. أتراه يَتقصَّد اذلالَها ؟ .. ما قيمةُ اللوحةِ إنْ انتفت منها الخيولُ ؛ وما ثمنُ البَيداءِ إنْ لم تتحلَّ بالعَدوِ وشَقِّ الغِبار ؛ ما أهميتها إنْ خَلَت مِن الأنفاس اللاهثة ؟ أيريدُ للسرابِ أنْ يملأ اللوحةَ بالماءِ الكاذبِ ويُغشي زرقةَ السماء بالتماوجِ المزيَّف ؟. كانت تتشوقُ الى العدوِ فلا ترتضي نفسَها مَربوطةً تأكلُ وتَنام . إنَّ القَلِقَ ليهرمَ إذا رُبِط ، وإنَّ الفرَسَ ليبكي حين يجافيه الفارسُ . يغالبُ النفسَ بالعزمِ ، يروم ُالأنفةَ ؛ يبغي الكبرياءَ .. لا يريد أنْ ينامَ عن شواردِها بل يُريد للناس أنْ تسهرَ تحكي حكاياتِ عدوِها واسطورةِ سَبقِها للريح وجعلِها التلالَ مندهشةً وتركِها الأرضَ تهتز رَقصاً أو طَرَباً لوقعِ حوافرِها على قلَّتِها لأنَّ أغلبَ عَدوِها كان طيراناً قلَّما تَمسُّ الحوافرُ مَلاسةَ الرِّمال وشوقَه وتتركُ آثاراً بِمثابةِ نِدَبٍ .
جاءَها وقتُ السَحر يتفقَدَها فوجدَها تبكي.. كانت خيولاً تبكي بدموعٍ اشبعَت الرملَ وأراهُ الضوءُ المُنهمرُ من المصباحِ المتدلّي مِن سَقفِ المَرسَمِ لوناً أحمرَ يتداخلُ ولونَ الدموع .. . لقد أفرَطَ في اذلالِها ، لذلك بَكى هو الآخرُ ، وشَعرَ بطَعنةِ سِكّين تمزّق خاصرتَه وهو يُبصرُ عيونَ الخيلِ وقد طفحَت بالدمِ وسالت من المآقي .. سالت بعدما افرَغت الدَّمعَ الرقراقَ ولم يبقَ لها غير أنْ تَسفحَ الدمَ دَمعاً .
كانت أوهى مِن أنْ تَنطلق ، أضعفَ مِن أنْ تَتحرَّك .. لوَت اعناقَها وخرَّت مُنهَكةً فقدت ما فيها مِن قوّةٍ .. آنها شَعرَ الرسّامُ بعقمِ فحوى لوحتِه وتفكّكِ دَلالةِ نَصِّه التشكيلي ومَوتِ مدلولاتِه .. أمسكَ أكبر شفرةٍ يستخدمها ليساوقَ كِتلَ الألوانِ على القِماشةِ وراحَ بانفعالٍ يشبه الهَوَسَ أو الجنونَ يرتكبُ فِعلَ الطعنِ ويمارسُ جريمةَ قتلٍ لحياةٍ كانت سَتمورُ لو أنَّه عامَلَ خيولَه بمثلِ ما تَستحِق وما وجِدَت لأجلِه في البيداء .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “زيد الشهيد : الرَّسَامُ والخَيلُ والرّيح”

  1. صالح الرزوق يقول :

    تابعت النص و انسابيته و لعبه او تلاعبه باللغة.
    لكن مجددا يصعب على مقاربة هذا النص ضمن الانواع الادبية المعروفة. فهو بعيد عن القصة و الشعر و قريب منهما.
    اعتقد انه رسم بالكلمات لأفكار و صور في مخيلة الكاتب.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"