تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة خاطفة
دكة مكة : صراخ في دفتر ماكينزي..
الورقة المشاركة في حفل توقيع الرواية (دكة مكة) الصادرة عن داريّ جيكور والمكتبة الأهلية، بالتعاون مع القصر الثقافي في البصرة
بلقيس خالد
لست ُ ناقدة ً ولا أريد أن أكون
هذا إستقرائي من خلال قراءتي المتأنية : (دكة مكة) للروائي العراقي البصري زيد عمران…
لا المعاهدات الدولية، ولا الدعوة إلى تأنيث العالم ولا المؤتمرات الدورية في الدفاع عن حقوق الإنسان، كل هذه المنظومات المجتمعية، فشلت في إزالة عبودية الإنسان، خصوصا في البلاد التي تعتاش من صادراتها النفطية، بل العبودية ذاتها تطورت ضمن مقتضى حال التطور العام.وما لم تسطع عمله المنظومات المجتمعية، حاوله الأدب فنجح في توصيل رسالته الإنسانية، بعيدا عن جفاف الخطاب الإعلامي، والرسالة المعنية في كلامنا هي:رواية (دكة مكة) للروائي زيد عمران ،التي نجحت بالنأي عن اللغة الأفقية لغة الإعلام وحتى تقترب من أبسط القراء فقد قسمّت فضائها الروائي إلى خمسة وعشرين مرقمة، تراوحت صفحات المرقمات من خمس الى تسع صفحات في كتاب من 188صفحة قطع متوسط.
ابتدأت الرواية من دكة مكة وهي دكة قريبة من بيت الله.. لبيع النساء العاريات والصبيان والعبيد (حتى أن الضجيج غطى على أصوات الطائفين حول الكعبة). وهذه اللقطة ليست بريئة،بل هي تشير لعدم براءتها من خلال العلاماتيات التالية :
(1) التقارب بين المتاجرة / المجاهرة ببيع الإنسان على مقربة من مكان له قدسيته الإسلامية المطلقة .
(2) البيع بكافة تراتيبته : نساء وصبيان وعبيد :الكل عرضة للبيع كآلة صالحة للشغل والإستعمال
(3) غلبة الدنيوي التجاري على الديني الروحي : ضجيج تجاري بموازاة أصوات خاشعة للرحمن
دارت الأحداث بالاضافة الى موضوع العائلة المالكة ما بين 1951-1975 حول الرق و العبيد.. إذ أن الشيخ او الأمير تذرع بالدين والشرع للوقوف ضد المعاهدات الدولية التي تنص على منع الرق (أنت تعرف طبيعة مجتمعنا يا سعادة السفير، أن الرق يعتبر من الأمور الدينية المقدسة لدى الناس، ولا استطيع اجبارهم على التخلي عنه..ص115) وهنا تشويه للدين في حد ذاته، وهنا أيضا استعمال الدين لصالح الطبقة الحاكمة وأذنابها..وفي الصفحة 97 ( السراري اللاتي لايعرفن ما تعني الحرية، أو اللاتي يعتقدن بأن الحرية حرام، وأنها اعتراض على قضاء الله وقدره) وفي الصفحة ذاتها( كان الامير يريد من ماكينزي ان تقر له بالعبودية، حتى يقتنع بأنه لا يفعل شيئا منافيا للصواب أو لأرادة الله)..وهنا تشويه آخر للدين، فالطفلة ماكنزي مخطوفة، وماكنزي طفلة مسيحية متعلمة تعرف معنى الحرية،وحين تتعب من محاورة الأمير ومطالبته باعادتها إلى أهلها تحدثه بلسان دينها (أنت هو الشرير بن، الذي طالما اخبرنا عنه الأب يواكيم. أنت هو الشيطان.. أنت إبليس، صاحب الروح النجسة الشريرة، لن تنفعك قوتك ولا شياطينك من الهرب من الرب يسوع..) الحوار بين ماكينزي وما تربت عليه وبين الأمير وما تربى عليه يقول لها( هل تعلمين بأن الاسلام قد كفر العبد العاق لسيده؟ هناك حديث عن النبي (ص) انه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. وبما انك لم ترجعي برغبتك، فأنت ماتزالين كا فرة، ويحق لنا معاقبة الكافر، والقتل هو أهون العقاب) نلاحظ أن خطاب الأمير أنتقائي، يستعمل ماهو في صالحه من الدين، وما يستعمله هي مدونات فقهية محرّفة ومنحرفة عن السلوك الإسلامي القويم. وهو برؤية نعيمة حين توصي ماكينزي(عليك أصلاً التخلي عن فكرة كونك ِ إنسانة) وكلام نعيمة يعني الامراء أحتكروا الإنسانية لهم ولسلالتهم فقط ..
حين طلب الأمير من العبدة نعيمة أن تجهز له العبدة الجديدة ماكينزي التي اطلق عليها اسم مكة جاءت بها بكامل زينتها ووقفت قبالة باب غرفة الأمير وطلبت منها الدخول الى الغرفة وهنا التفتت عليها ماكينزي قائلة ( مااسمك قبل ان تكوني نعيمة؟) ..نعيمة وماكينزي من مذهب وقومية واحدة الاثنتان أرمينيتان ( أصبح لديك رفيقة من قومك يانعيمة. قالت نعيمة أنا أرمينيا، لكن هذه الفتاة تتقن العربية جيدا فأظنها من أرمنيات لبنان او سوريا يا سيدي) نعيمة فهمت سؤال ماكينزي ولا حيلة لديها حين تذكرت حريتها انكرت على نفسها ما فعلت بماكينزي وقررت وضع حد لعبوديتها بالانتحار.
تتشابك الرواية وتتفرع دون أن تفقد عنصر التشويق الذي يمتد من بداية الرواية حتى نهايتها وفي قراءتي الثانية، لاحظت أن المؤلف :يوهم القارئ بأن السارد العليم هو الراوي الأوحد للاحداث، لكن في الصفحات الاخيرة نكتشف أن السارد العليم هو السارد الضمني وهو طبيب العائلة الحاكمة السيد جوني الذي اخبرنا أن ماكينزي قد اعطته دفتر مذكراتها كما أن الأميرة فاطمة قد حكت له حكايتها قبل موتها بدقائق. بهذه الرواية والتي هي العمل الادبي الأول من ناحية النشر للروائي زيد عمران نرى أن المؤلف أنتج عملا روائيا متمكنا جدا من صياغة الحدث الوثائقي الى سرد روائي ممزوج بشيء من المخيال..
رواية تستحق القراءة والتأمل بما حدث ويحدث.. بما أنها تحكي واقعنا الذي مازال قائما حتى لحظتنا هذه ونحن نرى ونسمع ببيع وشراء الناس وبالخصوص النساء واغتصابهن تحت ذرائع شرعية لا ندرك مدى صحتها.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"