تابعنا على فيسبوك وتويتر

رؤية تحليلية في رواية حصاد الرمال لصباح مطر
 أحمد الشطري
في روايته الصادرة عن دار أور عام 2017 والتي تقع تحت عنوان (حصاد الرمال)،اعتمد الروائي صباح مطر شخصيتين رئيسيتين لنقل احداث روايته الاول هو (انا) الراوي والثاني هو ( غافل) باعتباره المحور الذي تدور حوله الرواية. كما اعتمد في سرد الاحداث على مسارين الاول هو النقل الشفاهي للحكاية والثاني هو ما نقل عن المخطوطة التي تركها (غافل الشذر) الشخصية الرئيسية في الرواية. غير ان (انا) الراوي كما نلاحظ لن تكون مستقرة في جانب واحد بل هي تتنقل بين الراوي الرئيسي وبين (غافل الشذر) فنرى ان الراوي الرئيسي مرة يكون راويا للحكي ومرة يكون متلقيا للحكي. وهي تقنية ربما اراد من خلالها الروائي ان يبعد ويحيد الراوي الـ(انا) عن مجريات احداث الحكاية الرئيسية للرواية او هو اراد ان يوحي لنا بذلك.
في روايته هذه يضعنا الروائي صباح مطر ازاء صراعات متعددة منها ما هو سياسي والذي يتعلق بجذور عائلة (غافل الشذر) الذي كان والده زعيم قبيلة اصبحت فيما بعد حاكمة لأمارة من الامارات الواقعة على البحر وقد تم ابعاده هو ووالدته وبعض اتباعهم بعد ان قام العم الطموح بقتل اخيه الزعيم الحقيقي للقبيلة وهي مؤامرة ربما حاكها (الرجل الاشقر) او ان الراوي اراد ان يوحي بذلك عندما جعل قتل زعيم القبيلة واخيه من قبل اخيهم الطموح بواسطة بندقيتين اهداهما لهم (الرجل الاشقر). وغير خاف بان هذا الوصف يشير الى تدخل القوى الاستعمارية الاوربية ابان تلك الفترة (اوخر القرن الثامن عشر) في تحديد زعامات القبائل او الامارات التي ترى انهم سيخدمونها في تنفيذ مشروعها في الهيمنة على المنطقة واسقاط الامبراطورية العثمانية.
والصراع الآخر هو صراع اجتماعي من خلال تخلي (غافل الشذر) عن انتمائه القبلي والعائلي وانتسابه الى عائلة (آل جارالله) ومحاولة ابتعاده عن كل ما يذكره بنسبه الحقيقي.
في حين يتمثل الصراع العاطفي بتفاصيل علاقة (غافل) بـ( سجدة) التي بقيت املا بعيدا لم يحظ بالاقتراب منه دون ان تفارق ذاكرته.
في حين كان لغرائزه صراعها المتمثل بعلاقاته مع الفتيات الغجريات واسلوب تعامله معهن الذي يختلف عن تعامل الآخرين متأثرا بآرائه الخاصة التي كونتها ورسختها في نفسه ظروف متعددة منها ما هو اجتماعي ومنها ما هو ثقافي.
اما الصراع النفسي فتمثل بعلاقته بأمه التي رآها عارية في احضان رجل غريب، وبقيت تلك الصورة تطارده طيلة حياته لتضعه بين مفترق طريقين، الاول: الاحساس بالإهانة والانكسار والثاني: البحث عن عذر لتلك الام ومراعات حقوق الامومة فيها.
والى جانب تلك الصراعات يمتد صراع هامشي هو العلاقة الغرامية والزوجية بين الراوي الـ( أنا) وزوجته نورس. وهو صراع لا يضيف الى احداث الرواية شيئا بقدر ما يمثل مساحة لتنامي احداث الحكاية الرئيسية.
كل هذه الصراعات كانت تجري في اطار حكائي لا يبتعد كثيرا عن الاسلوب الواقعي في السرد. وهو اسلوب اتسمت به كل روايات وقصص صباح مطر.
كما يلاحظ ان صباح مطر في روايته هذه كثيرا ما يتخذ من الوصف الخارجي لمجريات الحدث اسلوبا له مبتعدا عن الدخول في اعماقه والتفاعل معه، وهو شيء كنا سننكره على الروائي لولا اننا ومن خلال تحليلنا لشخصية (غافل الشذر) والذي يعتبر المحور الرئيس للحكاية اذ اننا سنلمس بوضوح محاولته الابتعاد والتخلص من كل ما يمت بصلة لجذوره العائلية التي كانت سببا في جعله يعيش حياة هامشية لا تملك ان تكوّن اي فعل مؤثر في المجتمع. ولعل موقفه السلبي من المطالبة بحقه المغصوب واستسلامه ورضوخه للامر الواقع هو احد مصاديق تخليه عن الفعل المؤثر حتى انه عندما غادر الحياة لم يبق منه سوى تلك الذكريات التي زرعها في ذاكرة شخصية الراوي وزوجته نورس وانكفائه ولجوئه الى تفريغ شحناته العاطفية والغريزية في علاقات عابرة مع فتيات الغجر بعد ان فشل في الزواج من فتاة احلامه (سجدة).
ولعل صباح مطر باختياره لهذا الاسم لبطل روايته وهو اسم فاعل من (غفل) ويدل لغة على ( اهمال الشيء من غير نسيانه) ينظر مختار الصحيح اراد ان يعكس لنا جانبا من شخصيته وهو دلالة رمزية لسمات تلك الشخصية التي اختارت ان تهمل مسببات بؤسها دون ان تنسى تلك المسببات بل بقيت عالقة في ذاكرتها ولم تشأ لها ان تندثر بل نقشتها في ذاكرة الراوي وزوجته عن طريق الحكي المباشرة تارة وعن طريق التدوين في المخطوطة تارة اخرى. كما ان اختياره (الشذْر) لقبا لتلك العائلة ربما اراد فيه الايحاء بما كانوا يتخذونه موردا لقيام امارتهم وهو البحث عن اللؤلؤ في اعماق البحر، فان احد معاني الشذر هو (اللؤلؤ الصغير) كما ورد في قاموس لسان العرب.
اتسمت الرواية بلغتها الرصينة مع تشبث غير مبرر بالمفردات القاموسية، وبانثيال صوري مسهب في وصف الاجواء المحيطة والتعامل مع المشاعر والانفعالات بحيادية مفرطة.
لقد قدم لنا الروائي صباح مطر رواية تتوفر على الكثير من الجذب والامتاع في ثيمتها كما انها تمتاز بالوعي في التعامل مع تقنيات السرد بقدرة واضحة.
ولعلنا ومن خلال قراءة متفحصة للرواية سنلمس الكثير من الجماليات التي تفتح امام القارئ الكثير من آفاق الامتاع بالإضافة الى ما ستثيره في ذهنه من تساؤلات على الصعيد النفسي والفكري لشخصية الرواية وسلوكها.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"