تابعنا على فيسبوك وتويتر

سَرد
في ثنايا العطر
زيد الشهيد
إلى فتى الشرقية عيسى الاحسائي
(1) قوافلُ العِطر .. مِسكُ الغَزال
لم يكُن ليبتهج ويزداد تمايساً على ايقاعِ الهناءِ الجَليل لولا الايماءةُ التي حَملَت انفاسَها ، والعطرُ الذي جاءَ قوافلَ من رياضِ شوقِها كتبَ على جبينِ صَباحِه تحيةً من شوق .. إذ صَحا على كلماتٍ تتهافتُ عندَ مظلاتِ عينيه كالجيشِ في الميدان ، فيما هناكَ قلادةٌ مزروعةٌ باللؤلؤِ والمُرجانِ تُطرِّزُ نَحراً لغزالةٍ تتباهى بِخُيلائِها ( إنَّ الغزالاتِ سواحرٌ يُفجِّرنَ الاغراءَ في قلوبِ مُحبِّي الجَّمال ، وينثرنَ الأُغواءَ في فَضاءِ تطلّعاتِهم .) سمِعَ عنها في رحلةِ رَفلٍ موسيقية ، ورقصاتِ ريشةٍ على اوتار ، وصوتٍ يأتي من بين ثنايا عِطرِ المِسك الذي بعضُ دمِ الغزالِ . فتذكَّر أنَّه البارحةَ حملَه سائقُ عربةِ الشيفروليه قاطعاً الدَّربَ من الاحساءِ باتجاهِ الكويت عندما كان واقفاً عندَ حافةٍ رمليةٍ تُحاذي الطريقَ الاسفلتي ولا يدري لماذا هوَ هناك ، وما الذي جاءَ به إلى ذلك الهَجيرِ الصحراوي .. كلُّ ما يَدريه أنَّه نامَ وفي رأسِه صورةٌ لرجلٍ يرتدي عِقالاً أسودَ ويشماغاً أبيضَ منقطاً بلونِ ورد الرمّان ويحضنُ عوداً ، يداعبُ أوتاراً بريشةٍ هي قلمِه الذي يكتب بواسطتِه رسائلَ الخلود .
ينتبه لعذوبةِ كلماتٍ ورهافةِ نغمٍ يُدندنُ بِهما السائقُ المتحكِّمُ بمقوَدِ عربته ، فيوقعُه في دُوارٍ ، ويَجرُّه إلى واحةِ هيام ، تجمعُ جوقَ غزلانٍ نافرة تَتهايفُ تيهاً ، تعجُّ بالفيوضِ ومدِّ عُشبٍ متُهادٍ على انسامِ رَبيعٍ جاءَ قبلَ أوانِه .. كانت ” دبي ” المُستلقية على شاطئ الخليج على مَرمى نَظر ، واشرعةُ الزوارقِ ناصعةً بلونِ الثلج ، يُخيَّل لمَن يُطالعها أنَّها تجمعاتُ نوارسَ أتَت بها ريحٌ باردة فاستلطفتها ؛ وكان المُدندنُ سارحاً في واحةِ سعادتِه ورخامةِ صوتِه : ” اغزيلٍ فلّه / بدبي لاقاني .. امشط القذلة / سلَّمت وحيّاني ”
تأخذُه دَندنةُ السائقِ وأنسامُ سرورِه مَسروقاً من دوَّاماتِ الهواءِ التي تَقتحمُ نافذةَ العَربة ( الدوّاماتُ قصيدةُ الصَّحراءِ التي تَنتظرُ روّادَها ) ، فيديرُ رأسَه كي يَتفحَّصَ هذا الماسكَ بالمِقوَدِ ، المُحلِّقَ في سيماءِ اللَحنِ السماوي .. يُطالعُ سُمرَته ، ويُخمِّن أنْ ليسَ معَه جَليساً جَنبَ مِقعَدِ القيادة ، بل صحبَةَ الصحراءِ المتراميةِ بامتداداتِها وسَرَحانِها ، وذلك الافعوان الاسفلتي الذي يتلوَّى على جغرافيةِ الرِّمال .
إنَّ الصَّحراءَ كثيراً ما أغوت مَن جاءَ ليقطعَها ؛ وكثيراً تَسبَّبَت في نَثرِ فايروساتِ الفضولِ والرغبةِ في الامتلاكِ والحيازة ِ حين تُظهرُ غزالةً على تلَّة الغوايةِ ، فيتيهُ المُشاهدُ لها هياماً بها .. يُفكِّر في صَيدِها ، يَحلُمُ بها رفيقةً عند واحةٍ وغدرانِ ماء .. فيروحُ يتبعها ، ويتبعها ، ويتبعها ، حتى ترمي به إلى براري التيه ، وفقدانِ العَقلِ ، وخسرانِ العمر .
وبلحظةٍ ، يتوجّه بصوتٍ كالهِتافِ ، مَصحوباً بالشَّدَه والاسئلةِ المتهافتة : مَن أنتَ ، أيُّها البارِع في اللحنِ ، المُجيدُ في الغناءِ ، المَحظوظُ بالموهبةِ ؟!… ولماذا أنا مَعك ؟! .. ومن هذا الغزالُ الذي أفتَنَك ، فَسَحَرَك ، فجعلك تطوي الأرضَ بما رَحُبَت والسماءَ بما انفتَحت كأنَّك على جَناحِ صَقرٍ ؟ .. أينَ نَحنُ الآن ، وإلى أيِّ غَديرٍ أو شعيبٍ تقود صوتَك مثلما عربتَك ؟ .. أأنتَ في رِحلةٍ ” لِعمانِ ” وفي هذا البرِّ الغافي في ظلِّ شَجرةِ طَلحٍ أو سِدر ، أو سلسلةِ تِلالٍ ناهِضةِ تُعلنُ وجودَها الثابت في مُحيطٍ رملي مُتغير ؟ .. أحقاً لك عدوانٌ تبغي كيدَهم بغزالِك كيدا ؟ .. قل لي : مَنْ أنت ؟ ومَن هذا الغزالُ الذي يجعلك في هِيام ، فتنسى أنَّني مَعك ؟
مِن بين ثنايا العِطر الروحي ، وعلى ايقاعِ المِسكِ الذي شرعَ يتناثر مَع كلماتِ اللحن المُنبعث من فَمِه عاد ينظر إليَّ كالمسحور الذي تنبَّه إلى واقعٍ شَعرَ به غريباُ لوهلةٍ ، ثم راح يُحكِمُ الامساكَ بمِقودِ العربة ، وينطقُ بالمعذِرة ، قائلاً : “سامحني يا رفيقي ، إنَّ الصحراءَ غانيةٌ لَعوب .. هي قرينةُ الغزلان ، وصانعةُ المجانين الذين يَحلمونَ بواحدةٍ لا ندري متى يحصلُ الفَوزُ بها ، والعيشُ مَعها على ايقاعِ مَيسِها الفاتنِ في واحةِ السَّعادة المُبتغاة .”

(2) فَيضُ الغِدران .. دائرةُ الرِّمال
… ورمى بصرَه بعيداً ، حيث التلالُ هلاميةً تَتشكَلُ وتذوي بتأثيرِ الريحِ الجنوبيةٍ القادمةِ من جنونِ البحر ، هو الرجلُ الحضريُّ الذي لا يَعرفُ كيفَ وصلَ إلى هذا المكان ، ولماذا ؟ .. لذلك ما كان يريدُه هو الخروج من دائرةِ رمالٍ تحيطُه بعدما طلبَ من سائقِ الشيفروليه أنْ يُنزله رُغمَ الحاحِ السّائقِ على رغبةِ مصاحبتِه في رحلتِه التي ستنتهي بمدينةِ الكويت ، فالباديةُ لُحسنِ طالعِه تعيشُ أواخرَ أيامِ العطشِ الصيفي الظالمِ بانتظارِ مجيءِ الغيومِ الرحيمةِ الحانيةِ التي شرعَت تتوالى .. غيومٌ تأتي بطيئةً فتصنعُ ظلاً يَقيه الَلفحَ … احدى الغيمات ضَحِكت ( ضحكةُ الغيومِ سيمفونيةُ السماءِ بلسانِ الملائكة ) ، وراحت تهمَس له إنَّ زمانَ الصَّهدِ على وَشكِ الانتهاء ( الصَّهدُ مفردةُ اليَبابِ المُتسللةُ من نارِ الجَّحيم ) ، والغزلانُ التي تَسيحُ في البراري بَحثاً عن أُخدودٍ فيه ماءٌ يروي ظَمأها ، ستراها عَن قريب .
كلامُها جَعلَه يُخمِّن أنْ سيبزغ النوّار ( نوّارُ الروحِ أغنيةُ القلبِ ، ترنيمةُ النقاء ) من حضنِ الارضِ استجابةً للهواءِ البارد ، الغارقِ في رطوبةٍ تتباهى بثقلِها وغنجِها ، وستتراجعُ الرِّمالُ المبتلاتُ بالجَّفافِ لصالحِ الندى وهو يُعلنُ انتشارَه بين الذرّات .. وتذكَّر ( يا للذكرى التي تَعنُّ عليه !) أنه آتٍ بحثاً عن ” بشاير ” التي حكَت له أمُّه عنها يوم كانَ طفلاً يلحُّ عليها أنْ تحكي له قصةً قَبلَ أنْ يَنام .
وكانت ” بِشاير” بقامتِها الرشيقةِ الناحلةِ ، ووجهِها المُتَّشِح بِصفرةٍ تتواءم وسوادَ الكِحل المُتشرِّبة به رموشُها ليست ببعيدةٍ عنه .. إنَّها تتواجدُ خلفَ صفِّ التلالِ البعيدةِ نوعاً ما ( هذا البعدُ يؤرِّقُ الرجلُ الحالمُ ، ويقضُّ مَضجعَ رغبته في خشيةِ عدمِ تَحقيقِ المآل ) ، وإذا ما سارَ مَسيرَ ألفي مِتر سيكونُ في مواجهةٍ مَعها لا تتعدّى عشرةَ أمتار .. تمسكُ الآن عصا تهشُ بها على غَنَمٍ تهجَّست ثورةَ ريحٍ واكفهرارِ سَماءٍ فاستجابت للعصا ، آخذةً الطريقَ الى الخيمةِ المعتادةِ التي تضمّها ليلاً . وإذ تَدخلُ جميعاً وتضع حاجزَ الوبرِ كَبابِ اغلاقٍ تستديرُ لتبعثَ بالنظرِ إلى البعيد لعلّها ترى ” حمد ” ( حمدُ الأمنيةُ الخالدةُ في عالمِ الروح ) ولو طيفاً ؛ فهي بقلبِها النابض بعشقِه تخشى من صاعقةٍ تأتي بها غيومٌ تَشهدها قادمةً تَتكدَّس رماديةً تستحمُّ بالسَّواد .
وكان حمد بطولِه الذي كالرمحِ ووجهِه المستديرِ المُتباهي بشاربين خفيفين يقفُ عند بابِ الخيمة ؛ هناك على بعدِ فَرسخين يُمنّي النفسَ بآهةٍ قادمةٍ من صَدر ” بشاير ” ( بشاير كنزُ العشقِ الذي لا يَنضُب ) تمسُّ وجهَه فتحييهِ بحرارتِها . وكان سعيداً بحضورِ الغَيمِ ، وحالِماً بمَطرٍ مِدرارٍ سَيجعلُه يَدنو مِن فيوضٍ سَتزحَفُ اليها أغنامُ بِشاير .. هناك ، حيث سَيبعثُ لها ببيتٍ شِعري هو رسالتُه الصوتيةِ دونَ الاقترابِ منها … إنّه يُمنّي النَفسَ بمَطرٍ رحيمٍ ( متى تخلّى المَطرُ عن الرَّحمةِ ! ) يرضعُ الارضَ بماءٍ تنهض فيها الزروعُ وتتعالى بما يَكفي لإخفاءِ وتواري قامةِ انسان . وعندها سيُحقِّقُ الاثنانُ لقاءَ اللهفةِ خِلسةً ، وبلا عَين فُضولٍ تكتشفهما .. ترمي وجهَها على صَدرِه وتشمُّ نَحرَه ( عناقُ الرّوحِ للرّوح ) ، وبدوره تمرُّ شفتاه على وجهِها فيطبعُ شوقَه على وجنتيها البارزتين المظللتين برموشٍ سودٍ نافِرة ، ويدفع بأناملِه بين طيّات شَعرِها الفاحمِ المُخضَّبِ برائحةِ القُرنفُل المُحبَّب عندَها ، مُردِّداً كالمَحموم : ” يا غزالةَ الروح .” ، فتردُّ عليه ، مُشبِّعةً صدرَها من رائحةِ صَدرِه : ” يا بُستانَ القلب .”
يُقبِّل جَبهتَها ، فتُقبِّل نحرَه .
ويغيبان .. يغيبان ، فلا يستيقظان إلّا على صوتٍ هامسٍ يَتَرنَّم : ” زاد الحَلا حِلّه يوم لبس فستاني / قلبي تبسَّم له ، وغنّى له ألحانِ .”
اللحنُ العَذبُ ، واليقظةُ الراسيةُ على مَسرى ثراءٍ مائي أبقاهما عائِمين على كفَّ الهيام وراحلةِ النشوى ؛ بينما الرجلُ القادمُ من عالمِ التحضّر يُطالع عناقَهما الخالدَ فيستعيدُ لحظاتِ القصِّ ، والكلمات السحرية التي كان يسمعُها من فمِ أمِّه فتنقله إلى عالمِ الكرى ؛ والحلمُ بلقاءِ الحبيبين اللذين لم تُعلمُه أمُّه أنَّ الاقدارَ تكالبت عليهما ففرَّقتُهما ، وجعلتهما حكايةَ العَذابِ الأبدي ، والحرمانِ الذي لا انتهاءَ له .

(3) واحة الخيال .. برهانٌ ضائع
في حالةٍ من الشَّدهِ ، وطوفانٍ من الاندهاش راحَ الرجلُ وقد تذكَّر أنَّ مبعثَ وجودِه في صحراءٍ هو البحثُ عن الجَّمالِ مُتمثلاً في غزالةٍ قيل عنها أنّها سَحرت فأغوت ؛ وكان هو يَخطو على خَطوِ مَن أغوتهم ( لطالما كانَ جَمالُ الغزالةِ بخفَّتِها ورهافةِ جيدِها مَبعثَ افتتانِ وغوايةِ مَن رأى ، فأنبَهر ) يعيشُ ابجديةَ الصَّحراء كما قَرأ عنها ، ويسعى لتحقيقِ مآلِ عيشِها كما تخيَّلها … إنَّه الشَّغوفُ الذي جاءَ يَتحرَّى ويصلَ الى كَنفِ الغزالةِ ، إلى مَملكتِها التي ترتفعُ فوقَ بوابتِها مفردةُ ” الحرية ” المتراغيةِ ، المتناسلةِ : حريةٌ في التجوالِ ، حريةٌ في العَدوِ ، حريةٌ في الانثناءِ ، في الاسترخاءِ عندَ ظلِّ شجرةٍ ناهضَت اللَفحَ والهجيرَ ونادَت على الغزلان أنْ تأتي لتنهلَ مِن الفَيءِ البارد ، فلا بدَّ من انتهاءِ جَحيمِ الصيفِ على ميدانِ الصحراء ، ومجيءِ الانسامِ تحملُ بُشرى تبدُّل المناخ لصالحِ الغزالة .” إنَّ غزالتي المَرجوةَ تعيشُ في واحةِ خيالي ” يتمتمُ الرجلُ وهو يُطالعُ سربَ بط ّ يُغنّي بلغةِ ” القاق ، قاق ، قاق ” يأخذُ اتَّجاهاً حدَسَه مَفازاتٍ زارَها المطرُ أثيراً يُغدقُ عليها ماءَ نميرِه ، وأنَّها ستنفضُ ريشَها وتتعرَّى لتنزلَ إلى الغدرانِ ، تتراشَقُ وتتعابَثُ بكركراتِ الهَناءِ تحتَ القَطراتِ الثقيلةِ الهاطلةِ بجنونٍ أو الرَّذاذِ الهابطِ بانسيابيةٍ وخَدَر .
ومِن بعيدٍ ، على تلكَ التلَّةِ الخُرافيةِ ( إنَّ حياتَنا لَمليئةٌ بكُلِّ ما هوَ خُرافي .) ، والمَشهدُ القادمُ من ثنايا الحُلمِ بزُغت غزالةٌ . كان ظُهورُها كزحوفِ الشَّمسِ تظهرُ رويداً رويدا . حتى اذا انتصبت بكامِلِ هيئتِها وقعَ الرَّجلُ في وادي الشَّدَهِ ، وخانقِ الهيام ، وارتفعت في فِضاءِ روحِه تجلياتُ صوتِ السَّائِق الذي أقلَّه بالشيفروليه ( يا لتلكَ الرحلةِ باعثة الاسئلةِ الحَيرى ، والجة دربَ التيه !! ) ، وكان طوالَ الوقتِ غائباً الّا مِن تلكَ الدَندَنةِ ، والقلبِ العائمِ على غيمةِ الهيام ، والكفَّين القابضين على المِقوَدِ :” قال شبَلاك مِدله قلت ضاعَ برهاني / اسبابه الكحلة تَسحِر بالأعيانِ ” … وكانت الغزالةُ بعينيها الوسيعتين المُحاطتين بكِحلٍ فاحمٍ هناك على التلِّ الذي شرعَ يدنو مِن ناظرِ الرَّجلِ ، ويدنو حتى صارَ على بعدِ امتارٍ ، . يرتفعُ خطمُها بشموخٍ ، ويتسامقُ جيدُها بكبرياءٍ بينما سيقانُها المُستدِقّة ترسمُ قوَّةَ الثباتِ على أرضِ وجودِها الفاتن ما جعلَه يَنثني سَقَماً .
يَستخفُّه الوَلَهُ ، تُكايدُه قلّةُ الحيلةِ ، ومن ثمَ يرديه الدَّوارُ ، فيتهاوى أرضاً .
لقد ضاعَ برهانُه ، وهو يُتمتمُ على مرآى مِن جَمعِ رجالٍ شاهدوه فاقدَ الوعي ، مَرميّاً على كثيبِ رَملي وقد جَفَّ لسانُه وتَقشَّرت شَفتاه :” أسبابه الكِحلة تِسحَر بالأعيان ” ، فنقلوهُ على مَحفَّةِ التَّعاطفِ وراحاتِ الرَّحمة إلى شِعيبهم … هناك وضعوهُ وسطَ خيمةٍ تَندُه على الهواءِ البارِد أنْ يزورَه فيما شرعَ أحدُهم يُقطِّرُ بَعضاً من قَطراتِ الماء في فَمِه ، ويُرطِّب جبهتَه بقطعةِ قِماشٍ مُبلَّلة .. وكان المُتحلقون حولَه يطالعونَ بعضَهم بعضاً وهُم يستعيدونَ وجوهَ اولئِك الذين فُتنوا بالغزلان ، وجاءوا وفي ظنِّهم أنَّ الصحراءَ بستانٌ عامرٌ يحملُ قلباً رؤوماً ، يَمنحُهم ما أرادوا ، فسقَطوا في بئرِ التّيه ، ولم ينالوا غزالةً راودتهم في احلامِهم ( هيَ .. هيَ الأحلامُ ؛ حَرثٌ للعُشّاقِ ، تراودُهم أنّى شاءوا . ) ، وظلَّوا يترنَّمونَ على ايقاعِ لقائِها يوماً ، أمَلاً في جَعلِها مُلكاً لَهم … وكانت دُبي ، مثلَ غزالةٍ ولهى ، تنتظرُ ذلكَ السائق الذي التقى غزالةً تَقطرُ رُموشُها كِحلاً فتَسحِرُ العيونَ ، وتُردي القُلوبَ لوعى .. يَجلسُ إلى جانبِه الرجلُ الحالمُ القادمُ من بِطاحِ التمدُّنِ دونَ عِلمِه بخفايا الصَّحراءِ وغوايةِ الغَزالة .

السماوة
10/5/2018


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “زيد الشهيد : في ثنايا العطر (إلى فتى الشرقية عيسى الاحسائي)”

  1. صالح الرزوق يقول :

    قصة لطيفة. او خاطرة قصصية توظف اللغة و التراكيب. اما الحبكة فتحتل المقام الثاني.
    هذه الصحراء ليس طبيعية. انها صحراء في ذهن الكاتب. يرسمها كما يشعر بها و يراها. و هي بعيدة كل البعد عن البيئة القاحلة التي تكلم عنها احمد ابراهيم الفقيه و ابراهيم الكوني او حتى عبد الرحمن منيف.
    فلا هي صحراء البدو الرحل. و لا هي صحراء الواقع السياسي الجاف و القامع.
    و هذا يعني انها نسيج وحدها و تحمل معاناة خاصة لا تخلو من رومنسية المشاعر و التلقي و المشاهدة.
    و لربما كان زيد الشهيد في اخر قافلة الرومنسيين الجدد الذين يصارعون من اجل البقاء و الحياة.
    و رومنسياته بلاغية. تحمل همها الاعة و التراكيب و ليس الافكار و هنا تفرده. فالنص تتوزعه اللغة الرومنسية و الموضوعات الطبيعية دون اي محاولة لجزم خياراته.
    فهو نص عالم ثالثي بامتياز يعكس حيرتنا تجاه واقع سلفي و تذلعات بالحداثة.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"