تابعنا على فيسبوك وتويتر

حول فاعلية المثقف والديمقراطية:
استحسان الخوض عن رسالة السترات الصفراء في باريس/تتمة ٢
إشبيليا الجبوري
عن الفرنسية أكد الجبوري
باريس ـ خاص لموقع الناقد العراقي
يمكن لتظاهرات (السترات الصفراء) التي أنطلقت في معظم المناطق الفرنسية٬ أن تقدم بعض المهام نجاحا في نسقية الخبرة والممارسة٬ بواسطة تبني ديمقراطيتها٬ التي تختبرها الدقة للإثبات في إيجاب الدروس المختلفة والضرورية. لا شك أن الديمقراطية في فرنسا أوجبت تواجهها اليوم اختبارا شديد الخطورة وزنا و ضرورة أتية معا. بالرغم من تفاوت وجهات النظر٫ أي تباين وتقلب صياغة اهداف الأجهزة الأعلامية التي تم لمز تناقلها في تحديد همزة أفعال معاني الأولويات٬ ألا أن تلك الأختلافات تظهر غموض خلفيات أنتماءاتها وأيديولوجياتها٬ وعن التحديات القادمة بعد تحرك المثقفين في التأثير الذي وقع ممثلي النقابات حول مطالبهم التي أوجبت لها الحراك٬ إزاء ما وقعت في كلام للإبهام٬ قد تقلب معنى الهدف أحيانا إلى ضدها٬ ما جرف أن يفاوضوا عليها أطراف دول أوربية٬ أعضاء أو خارجية أخرى٬ أزلت إشكاله٬ ما يتفاوتون في التفسيرات “أخفياء اللفظ”٬ لغرض الألتفاف حول مطالبهم٬ ما يزيد من خطورة التفاقم٬ وما قد يتحول ضد الإفصاح إلى نتائج. و الخطورة في تصاعد زخم الديمقراطية منسوبها٬ يمكن أن يؤدي أنقلاب على قوانين الجمهورية الديمقراطية٬ ويفضي إسقاط الرئيس والحكومة معا٬ للحيلولة دون ذلك أقصاء المطالب٬ وتحت ذريعتها إلى ذلك٬ فرض حالة طوارئ مشددة٬ خاصة بعد حراك المثقفين “الناعم” و “المتربص” ما يخفيه اليمين المتطرف أو اليسار من أهداف ترمي لدعم مؤسسات مدنية مخالفة من وصولهم إلى السلطة. هذا ما قد يؤدي إلى تعريض الديمقراطية لهزة عنيفة٬ أو خطرا يخشاه المثقف الفرنسي من التعبير عن نفسه للشارع بسبب تصاعد يرافق التجمع الذي تشهده باريس٬ في الأقبال إلى شارع الشانزليزيه.

لا شك أن فاعلية المثقف الفرنسي ازاء الديمقراطية تخضع اليوم أختبارا قاسيا لاجتياره بدقة الإثبات و وضوح الإيجاب معا. والواقع ليست له جملة عابرة٬ تلك أهمية دور وفاعلية ومسؤولية المثقف من مغبة أنفلات التعليقات من خطر تحول هذه التصريحات والحراك الموازي إلى ثورة٬ يمكن ذاتها يفضي تجييرها إلى العنف٬ في حال تغيب الرشد٬ تشكل خطرا تخشاه الثقافة الفرنسية خطر أنعكاسه أنهيارا للديمقراطية٬ ويتسع لعنف بلا حدود٬ تلك التي تصبح خارج حدود ما تفرضه لوائح قوانينها الديمقراطية. (لا كما حدث في بلدان الربيع العربي في شأن المواجة والخلع والقتل: عند التغيير التي تفرضها قوانين الديمقراطية)٬ الحديث عن الادوات التقليدية والإحالة إلى القضاء أو الأفراج عنه المحاكم. وفي الأعلام الرسمي٬ تكرر السلطة بشكل مستمر يوميا أحترامها لحق التظاهر السلمي٬ وتطلق الدعوات للحوار المفتوح٬ والأقتراحات عن دور المثقف في تفعيل دوره الإيجابي لرعاية وحماية الديمقراطية في خبرة وممارسة الحوار.

هنا يظهر دور المثقف عن فن تفعيل شروط الممارسة الديمقراطية ومتطلباتها الموضوعية. وإن ما يمكن من أستيعاب دور المثقف وإدراك سلطة تفاعله التاريخي على أي موقف من مواقف الأجتماعي الإنساني هو إمكانية التمييز بين بعدين ثقافيين بنيويين يدونان حضورهما داخل السيرورة الثقافية التاريخية للديمقراطية لكل مجتمع٬ هما تحديدا البعد الواقعي الفعلي المتغير والبعد المتخيل الرمزي المحافظ؛ وما يوطد الأول٬ الوعي الثقافي بتلك هو الهدف القصير الأجل المتغير “أما بقفزات الأرنب أو جري السلحفاة في السيناريو”٬ وما الثاني يوطدته الدفع والتحكم بأخذ الشوارد المنفلته من الأول لبلوغ الفهم تصميم حدود التماس بمسار الهدف الرئيس لتحقيقه كرمز ثابت “بعيد الآجل”٬ وهما للمثقف حدود تفاعل وتماس للوائح القوانين الديمقراطية في الحوار٬ التي تتداخل بين البعدين بوصفهما غير قابلين للفصل إلا من الزاوية النظرية٬ وهذا تسليما بحقيقة تلازمها “عن بعد” الجدلية لدى المثقف الفرنسي٬ متابعته مجريات تظاهرات ـ السترات الصفراء عن تحقيق مطاليبه٬ أي له تمثل الحضور الواقعي الفعلي “البعيد الآجل”٬ وتآثير الحضور المتخيل في “صناعة سيناريوهات البدائل” في التفاوضات المباشرة مع الحكومة. وهذا تسليما بحقيقة تلازمها فن الخبرة والممارسة في تطوير آلية تحديات نظم القواعد الديمقراطية٬ وهي الحقيقة التي ترتكز عليها (السترات الصفراء) في الحوار٬ والتي”تريد أن تثبت وتنفي” مبدئيا القول بهيمنة أي بعد على الآخر٬ دون مزاولة لوائح القوانين الديمقراطية٬ الدقة والوضوح معا؛ إذ الإطار الجدلي ـالحوارـ يمكن للمثقف التفاعل بدعم تصور إمكانية تحول من البعدين إلى خانة البعد المقابل في مصفوفة اللعبة الديمقراطية.

لكن يبدو أن هذا التفاعل ينطوي على تناقض صوري يمكن صياغة إشكالياته المتنامية مع جوهر الأزمة المتصاعدة؛ كيف ننفي هيمنة أي البعدين على الآخر عن الصراع المزمن بين دور تفاعل المثقف مقابل التظاهرات/الأضرابات والمطاليب بمواجهة التكنوقراط “الأغنياء” في تداخلها العميق بالشركات المتعددة الجنسيات بصحبة الحكومات “التكنوقراطية”؟؛ كيف ننفي هيمنة أي من البعدين على الآخر في الوقت نفسه الذي كنا قد سلمنا فيه بهيمنة التاريخ على المجتمع مقابل استبدال صناديق الاصطفاء والانتخاب هيمنة لعبتها على المجتمع؟ إذ أن المثقف محاولته تفكيك صراع هذا التناقض٬ لما ستؤل إليه جوهر هذه المشاركة التي يعترف صاحبها (الحكومة التكنوقراطية ـ المتعددة الجنسيات) أو العابرة الوطنية٬ بأنها لاتمتلك الكثير من الأدوات التي تخول لها فعل ذلك٬ وهي المبتدئة في هذا الميدان٬ لكن المؤكد هو أن المحاولة ذاتها تحوم حول سؤال جوهري؛ (ماذا في حال إعاد أنتاج الخصخصة لملكية مشاريع الدولة؟!)؛ وعن كيفية مواجه منسوب أرتفاع الأقتراض٬ ومطاليب تسديد فواتير البنك المركزي٬ ما النموذج الديمقراطي القادم للمجتمع؟ وكيف سيكون دور المثقف في زمام المبادرة أو المباغتة؟ تلك بعض من أسئلة الوجود الثقافي الإنساني عامة ـ وليس الفرنسي فقط ـ فضلا عن كونه أدق القضايا الراهنة في واقع حال المثقف مقابل عولمة التغييرت الكونية من القوانين الديمقراطية المتهافتة٬ وأنتقال رؤوس الأموال وسهولة تحويلها وغسيلها ووو..إلخ. وماهي أهداف لعبة بريطانيا الشقية من التهديد بالإنسحاب من الاتحاد الأوربي و عودتها بتلميح التذكير بـ”واترلو”.! غير أن المعروف والمألوف التجزئة وتوزيع الحصص التسويقية هي لعبة تنافس النظام الاقتصادي الراسمالي٬ وعن ألمانيا فيها حلم وحدة الأمة القوية الطموح.! لكن جمرة تراث دم الأخوة الأعداء لا زال تحت الرماد متوقد.!! تلك مشقة مضنية تواجه تفعيل أنشطته الضرورية الديمقراطية لمسك التوازن بين العدالة والمساواة والحب والأخاء والتفاعل والتواصل عن سائد الأفمام والإثقاف.!

لا شك أن المثقف يتفاعل حفاظا على الديمقراطية في أمتحان عسير. وتسعى إلى الحفاظ على مطالب المتظاهرين بتوازن مع القوانين وقواعد اللعبة٬ دون تعريض الديمقراطية من تمكن اليمين المتطرف أو ما يسمى “يسار اليسار” غاية من الوصول للسطة٬ ما يجعل دة الفعل للحكومة فرض حالة الطوارئ٬ أو تدعها لعنف مقابل وسعيها للأعتقالات٬ كما صوت المثقف يكرر نداءاته يوميا الألتزام باحترام الشرعية الدستورية في حق التظاهر السلمي٬ وتطلق الدعوات للحوار.

وهنا تبدو للمثقف أهمية تفاعله المكثقف في متطلبات الممارسة الديمقراطية والأحاطة بشروطها الموضوعية. إذ أن فتيل الأزمة٬ ومن كان يتخيل للبعض أن رفع أسعار مشتقات المحروقات٬ عن طريق زيادة الرسوم عليها٬ سوف يطلق حركة أحتجاج تتسع كل يوم في مطالبها٬ وتجنى مزيدا من الإسناد والدعم الشعبي لها حتى لتكاد تنقلب إلى تغير عارم يفضي لنظام الحكم بأكمله؟ ومن كان يعتقد أن الحكومة ومقررات مؤتمر تغيير المناخ التي لم تكف عن الإعلان أنها تحيد عن خط الإصلاحات التي ألتزمت بها أمام الناخبين٬ بالمقابل٬ سوف تتراجع خطوة خطوة٬ خلال أربعة اسابيع٬ حتى فقد ارتدادها٬ الذي تمثل في الإلغاء لقرار الرسوم على الوقود٬ كل أثر على “السترات الصفراء” ومريدوهم الذين وصفوه مجرد فتات يلقى عليهم٬ هنا٬ بتفاعل وتحريض المثقفين٬ رغأن الإلغاء كان يعني فقدان الدولة ما يقارب ملياري يورو سنويا؟ لا سيما أن القوانين تضع مسار الحدود لضوابط الكفاءة والدقة في القيود مثلما تحدد الحقوق والواجبات. لكنها تتطلب أيضا ما يتجاوز ذلك٬ ولا سيما عند الأزمات المباغتة والغير متوقعة التي توشك أن تفضي بكل شيء عند تفاقمها. فخبرة وممارسة المثقف والحاكم لها تمتع ظاهر ومبطن٬ وقدرة كل منهما الإحاطة باللعبة والمشكلة٬ وعلى أتخاذ القرار المناسب بحسب القوة والسلطة في اللحظة المناسبة٬ لا تفرضها القوانين طبعا٬ لكن غيابها يجعل من الناخبين على سحب الثقة ممن أنتخبوه٬ وعلى المطالبة بتنحيه ما دام عاجزا لسبب أو أخر عن اداء بما أنتخب لأجله٬ أو٬ تفعيل النشاط بالمقابل أصرارا لفرض عليه أستقالته. أو يتوقعوا ذلك بمحض إرادته.

هو ذا التجلي والغرض والمعنى الذي يبو عليه تفاعل المثقف والديمقراطية أخذا بالدعم والممارسة مداده يشع من حركة “السترات الصفارء؛ ما لم يستوعبه الإعلام والموقف الحكومي الحالي تعجز عليه٬ بدءا برئيس الجمهورية٬ الخروج من هذا المأزق الشديد الخطورة ٬ والأختبار الذي وضعته الحرمة الشعبية الواسعة٬ ومد دعم المثقف في خبرة وممارسة صنعة خطابه الثقافي٬ والمغذي بالاستمرار تحقيقه٬ فلن يكون عليها ـ الحكومة/الرئيس ـ إلا التنحية٬ لا أستجابة٬ بالضرورة للمطالب الأقصى لجماهير “السترات الصفراء” /المتظاهرين٬ بل لأخفاقها في كفاءة أداء المهمة التي أوكلت إليها وأنتخبت لأجلها. وهو ما قد يعني نهاية الديمقراطية في فرنسا٬ ولا سيما إلى وصول اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف إلى سدة الحكم.

المترجمة د. أكد الجبوري

لكن هل الشركات المتعددة الجنسيات (دول التكنوقراطيات المتعددة)٬ العابرة الحدود/عبر البحار٬ أليست أذرع شركاتها متغولة في العالم العربي٬ أي تمارس أعمالها وخضوع الدولة لمؤسساتها وهيئاتها لفاسدة ومحاطة كجماعات متطرفة بحوكمة ـ السوق “التكنوقراط”؟؟!! ما الذي يريد أستكشفه المثقف العربي من خبرة وممارسة لوضعه التاريخي فردا أو جماعة مقابل أفمام الديمقراطية لمطالب السترات الصفراء من إثقافات ناقصة٬ ما مطلوب من جرعات للتوافق تظاهراتها المستمرة مع ماتريده للشارع؟ ما أنعكاس كل ذلك على دور وتفاعل المثقف العربي عموما والعراقي خصوصا من عملية خبرة وممارسة التمثيل الثقافي؟ وكيف يسعى أرتكاز وأختيار المحاولة ذاتها على وعي وضعه التاريخي العضوي؟!

وربما المثقف العربي أوالعراقي يطالب حق تحليله لظاهرة السترات الصفراء٬ بالقول كنا نقاوم ضد ديكتاتور في سلطة جائرة٬ فهب الفساد بعده في ربيع خراب البلدان وثرواته٬ أما أصحاب السترات الصفراء والمثقفون مهابة الديمقراطية٬ يطالبون؛ كي يكون الحاكم قويا وحادا٬ وكفوءا عادلا عازما مساواته بتخويله قيادة السلطة.

نتابع

أكد الجبوري ـ باريس
15.12.18


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"