تابعنا على فيسبوك وتويتر

جدلية الفهم التجديدي ، وفلسفة الحداثة التغييرية
سعد الساعدي .. العراق
حين يأخذ الصراع بين الفكرة والنظرية ، شكلاً متقن الفن لأية ظاهرة ، مهما كان تصنيفها، ومقوماتها فانه ينطلق من ركائز متنوعة الاشكال والصنوف حسب الظرف الذاتي ، أو الموضوعي لتشكيل فلسفة خاصة لها صبغتها ؛ بالاتجاه الذي تريده الذات تارة ، وتارة اخرى مع واقع الحياة اليومية نحو هدف محدد ، أو مشروع يهدف للبناء ؛ بنـاء الانسان والمجتمع ، والقيم الحضارية الطامحة لولادة سعادة، وبهجة ، وفرحة تبعد الكائن البشري عن السير في طريق مظلمة نحو امل منشود ، او ترقّب يطول مداه ، او يقصر .
فالمجتمع ، والطبيعة ، وكلّ الكائنات الحية الأخرى محكومة بقوانينها الخاصة ؛ ومن قوانين الانسان والانسان ما يقع ضمن مجالات الحوار ، و تبادل اطراف الحديث بالإقناع او بدونه . هذا ليس جديداً على النظام البشري المجتمعي عموماً منذ عصر افلاطون ، وربما قبله ايضاً ، الى يومنا هذا ، انطلاقاً من أي واقع ؛ الى ما تفرزه من ثمرات مساعيها، وهي – بالتأكيد – لا تطمح لسوءٍ ، أو شرٍّ .
ونظراً للتعقيدات الكثيرة التي تصاحب مفهوم ” الجدلية ” خاصة ، حسب آراء الفلاسفة واتباعهم ، أو من يعارضهم ، نقف ببطء وهدوء عند مفهوم ( الجدل المقنع ) امام التغيرات المتسارعة في زمن العولمة لفهم ماهية الإصلاح بشكله العام بدون كلّ المتناقضات وإشكالياتها ، والتجديد الحداثوي ونحدد هذا الفهم – بشكل مختصر – بما نحتاجه نحن البشر ؛ لأننا نعيش على هذه الارض التي ليس لنا سواها ، ولابد من تسخير خيراتها لمنفعتنا جميعاً ؛ اي البشرية بكل اطيافها بعيداً عن الافكار المتصارعة بكل عناوينها وفق المنطق الملتزم غير المتزمت تحت أسس العلم وعقلانية طبيعة الحياة ومتغيراتها .
لا يُعدّ التجديد مفهوماً ترفيهياً بقدر معوقاته الكثيرة، وما عاناه و يعانيه المجددون المصلحون ، وأهمها التضحيات بأغلى الأشياء من أجله ، كالموت من أجل الحرية ، و الشهادة والاستبسال دفاعاً عن المبادئ ، لان هذا الدفاع هو اصلاح فردي ، وجماعي متجدد من أجل الخلاص إما من عدو يسعى للتخريب والدمار ، او ينتهك كل الحرمات الانسانية والفكرية . وصفحات التاريخ مليئة بتلك الصور وأسماء المجددين المصلحين الذين اتّفق التاريخ على قيادتهم لعمليات الابتكار والتجديد التغييري ؛ فلا حاجة للتكرار.
وبالقدر الذي يكون عليه المجددون ؛ مهما كانت نزعاتهم ، ومذاهبهم الفكرية من أجل افكارهم، وقيمها التي هي عندهم سامية ، لانهم قوة التغيير الحقيقي الاّ ما جاء به المتطرفون من أفكار بالية وقالوا عنها أنها دستور للإصلاح والتجديد ، وأسموها قيماً .
ان اي نمط تجديدي لا يسعى الى التغيير وفق العقل والبرهان ؛ لا يمكن تسميته تغييراً قط ، والتجديد كونه اصلاحاً بشرياً يقف مباشرة بلا تردد امام الفساد ، والانحطاط ، والتردي ، وخيانة المبادئ الانسانية ، وضخ الافكار الهدامة التي تشوش الرأي العام لاسيما في المجالات الفكرية والأدبية .
فنجده ينبعث من النفس البشرية قوة تحارب تلك النفس المخادعة لتنتصر عليها حين يتصدى كمجموعة هازّة بعنفوانها ، وموجات تيارها العارم امام مجتمع يسعى للبقاء جامداً بكل الاتجاهات ومجالات الفكر الانساني . وقد تكون هناك سلطة غاشمة تساعد من يحارب المجددين ، او هي ذاتها من اجل ترسيخ محاربة الحق والعدالة وكل جديد قادم بحجج واهية ، من هنا تنبثق الثورة السلمية نحو التجديد ، أو الانبعاث الفاعل لتغيير مسارات قديمة واستحداث أو اضافة ابداع ثقافي متواصل مع مسيرة البشرية .
التجديد والاصلاح العام : هو انساني قبل ان يكون بيئي ضيق كسراب مخادع . لم يتردد الفلاسفة الثائرين بفكرهم من اجل حياة سعيدة ، ولم يتردد كل القادة الثوريين، ولم يُرهِب الجميع اي عنوان للخوف في سبيل الهدف المنشود وهو الانطلاق بلا خوف مع وجود المتعارضات المستمرة على امتداد الخطوط . ورغم عدم صمود الافكار الحرة ، و الروئ التجديدية طويلاً في بعض الاحيان امام أي نوع من سلطة غاشمة ـ فكرية أو ثقافية أو سياسية التي تتبنّى فكراً مغلوطاً ، أو هي أصلاً تسعى لديمومة ذاتها بأنانية بعيداً عن تنوير شعوبها والحفاظ على مصالحهم، والسعي لانعاش الواقع اليومي نحو الافضل في ظل التطور اللانهائي ، لكن عنوان الابداع هو الجوهر الباقي ، والمحرك الفاعل ضمن العنوان العام للتجديد على مرّ الزمن .
مجتمعاتنا العربية قد تكون اكثر مَن عانى مِن الحرمان ، مع انها تمتلك ثروات طائلة ، بشرية ، ومادية وفكرية ، وثقافية منذ سطوع الحضارة العربية الاسلامية ، ولحد الآن ؛ لانها واقعة بين مركزين مهمين من القوة ، وهما :
سلطة الدولة التي تعادي الابداع تارة ، وتارة اخرى تحاربه ، وسلطة أصحاب الفكر الرجعي التخلفي اللاعقلاني المتسيد أحيانا، اي الفكر الأسود النابع من تأويلات مريضة بعيداً عن كل شيء ، حتى عن قيم السماء الراقية الي تدعو للعلم والتعلم إن كان وفق منهج المتدين مهما كان انتماؤه ، أو غيره ، وأخلاق الفضيلة السامية التي نهجتها كلّ الأديان عبر عصور شتّى ، وتلونت بها.
ووفق كل المعطيات ، فان المتضرر دائماً هو المجتمع بوجود مثل تلك العوامل . ففي الأولى يُظلم ويُهضم ، وفي الثانية تستباح كلّ حرماته ويُسال دمه ؛ اذن هو الضحية والمغلوب الخاسر في كل المعارك والصراعات . ومن هنا يأتي تخطيط المجددين المصلحين لإنقاذ ما يمكن انقاذه، وفق برامجهم الساعية لخلاص المجتمع من ظلم اجرامي نحو سعادة وسمو روحي ، نجده في الشعر والقصة والرواية وكل الاجناس الادبية الاخرى التي هي نتاج الإنسانية بلا انقطاع ، وانعاش المجتمع بكل المعارف العلمية والمعرفية الاخرى .
تبدأ خطط التجديد والتغيير بما تحمله من معاناة لعلها تجد النور ، أو من يساعدها في إضاءة الطريق ، وأحيانا قلية جداً تنشأ بعفوية نابعة من الوجدان والعواطف والاحاسيس المرهف لمجموعة مختلفة أو متعارفة من أدباء ومثقفين في بقاع شتى ، لوضع أسس ذلك التجديد من خلال التلاقح الفكري والادبي والعلمي بطرق شتى كطريق قادم نحو التغيير والاصلاح الجديد القادم ، او المنظر .
لقد استفاد المجتمع الغربي من التطورات الحاصلة ، والمتسارعة في كلّ المجالات وتحوّل الى النجاح بعد حروب دامية ، وظلام طويل . الفكر السياسي كان الاكثر تأثّراً في تقويم المنعطفات التاريخية ؛ فصنع قانوناً يحمي الحياة ، اي انّ الاصلاح كان عبارة عن تجديد غيّر مسيرةَ مجتمعاتٍ نحو الرقي والرفاهية ، والتقدم . امّا نحن العرب ما زلنا نبكي على الاطلال ، والديار الدارسة ؛ لعلنا نسمع أنين أحد الموتى ، أو نلقي عليه التحية والسلام .

أين تكمن مشكلة التجديد والإصلاح ؟ ولماذا يتعثّر ، أو يُباد من يسعى لذلك ؟ وهل ان الشعوب لا تحب الاصلاح ولا تسعى للتغيير؟
مشكلتنا قد يكون جزء منها المجتمع والسلطة الحاكمة ؛ لكن أهمها انفسنا نحن عندما نخذل المجددين المصلحين ، وهل هناك مجدد لا يمكن معرفة خطّه ، ومبادئه ، واهدافه ؟ بالتأكيد لا، والمشكلة الاخرى حينما لا يمكن تحديد الأهداف والغايات ؛ فالجامعات لا تعرف اهدافها يقيناً ، والى ماذا تسعى ؛ هل تخرّج طلبة من كلياتها فقط ، ام تعُدّهم ليكونوا قادة مجتمعٍ يحملون مشعل العلم ، مع مشعل الحرية من أجل تغيير وتجديد مستمرين نحو الافضل في مسيرة الحياة ؟ كذلك مؤسسات اخرى كثيرة مثلها ..
حتى بعض الادباء حين يُسألون عن كتاباتهم ، وأشعارهم ، ورواياتهم ؛ ما الغاية منها مع النمط الانساني العام ، والمجتمعي الخاص ، والى اين ستنتهي ؟ بعضهم لا يعرف سوى انه يهوى الشعر ويكتبه ، أو يسعى لأنْ يكون نجماً في مجتمع متخلف في كثير من مستوياته وانماطه وسلوكه اليومي . أو هي نفثات يخرجها من روحه المختنقة على ورقة صمّاء احياناً ؛ لذلك آثر القسم الأخير البقاء في منازلهم بعيداً عن صخب الحياة والواقع ، وفوضى التناقضات ، وبعضهم لا همّ له الا ان يتربع في برج عاجيّ ؛ في حين هناك من اكلت الزنزانات الموحشة جلودهم ، وأعمت ظلمتها أبصارها ؛ فأين هذا الاين منهم ؟
الحياة بحاجة مستمرة الى فلسفة تجديدية يقودها مفكرون عمليون ، وليس رجال يستجْدُون امام ابواب الحكام متزلفين ببضاعتهم الفاسدة . النخبة موجودة في كلّ زمان ومكان ، ولابد لهم ان يتحركوا بكل وسائلهم بعد ان تطورت وسائل الاتصال واصبح العالم شاشة صغيرة وليس قرية صغيرة ، وانعم الله بها على البشرية كحدٍ ادنى من وهج نور العلم والحرية والثورة على الذات اولاً ، وعلى الفاسدين بجمودهم دائماً ، وهذا هو جوهر مهم من جواهر التغيير المتجدد . من هنا يكون المنطلق نحو التغيير ؛ فلم تعد المثاليات صالحة ، ولا يمكن للخفافيش ان تصنع نظرية تقود الحياة والشّمس لم تغب بعد وهذا ما نحاول الاشارة اليه في كل ما سيأتي لاحقاً من ظهور تطورات ادبية قيّمة ساعدتها التطورات التكنلوجية المذهلة على كل الاصعدة ، وفي كل المجالات ومنها الآداب والفنون المختلفة .
واذا سألنا انفسنا : هل نحن بحاجة الى نبي جديد يخاطبنا ، ومنذ قرون طويلة ذهبت المعجزات مع الانبياء ؟ أم لمتنبي جديد يعلمنا بلاغة الشعر ، أو فراهيديّ على هيئة (روبوت ) يحدد البحور والاوزان ؟ لقد ترك لنا الجميع علومهم و قيمهم السامية ، واخلاقهم العالية لكي نتعلم ان لا نبقى مظلومين جامدين نندب حظّنا كلّ صباح ، واذا ما كان هناك سعي حثيث جميل نحو التجديد والابداع فلماذا نقف ضده ؟
نعم لقد حدثت فجوة كبيرة بين العلم والحضارة والتطور ، وانساننا المعاصر و مجتمعاتنا تخلفت قروناً طويلة ، وجمدت في مكانها تنظر الى الغد بعيون مغمضة بلا استعداد ، وبلا زاد ؛ اصابها الخمول ، والذهول من صدمة جهلها ، وافكارها المتخاذلة ؛ لماذا ؟ لأنها لا تملك اسلوب الفكر النيّر ، وفلسفة التحليل . تعلمت ان يلقّنها الاشخاص كما لو انّها في ديوان ( الكتاتيب ) او ما يُسمّى مدرسة ( الملا ) تتلقن ، وتنفّذ كعبدٍ لمولاه أو انسان آليّ ، وربما الآلي افضل وأحسن لأنه اليوم يصنع حضارة الحياة التي معها ازدهرت حتى الثقافة ، وتغيرت انماط معيشة مليارات البشر .
ما زال المجتمع بحاجة الى تربية فوقية صارمة غير مترهّلة ؛ لا تديرها دوائر ظلامية جاهلة متزمتة او مؤسسات نفعية . من هنا تتكرر الحاجة لدور تجديدي اصلاحي ، ورجال مجدّدين ، واذا ظهروا تكشفهم مؤهلاتهم امام الملأ في اية ساحة ، وهل هناك من لا يعرف مؤهلاتهم ؟ وعنوان التجديد باقٍ لا يتغيّر أبداً ؛ لأنه النواة الحقيقية للتغيير ومحاربة التخلف المتقاعس ، والجهل المتعنّت .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"