تابعنا على فيسبوك وتويتر

•    تحليل رواية “المسافة” للمبدع الكبير “يوسف الصائغ”
منه أن يهرب وحده بعد أن يسلّمه المسدس!!، وهنا يتحول الشامخ المتمسّك بالمبادئ تحوًلاً مثيراً للعجب حيث يبدأ بتهديد الـ(هو) بالمسدس طالباً منه أن يسلّمه مفتاح الزنزانة كي يهرب وحده فعلاً:
«الشامخ: (يهدده بالمسدس) أعطني المفتاح!
هو: لا تتهوّر.. قد تنطلق رصاصة..
الشامخ: لن يهمني.. أعطني المفتاح قلت لك..
هو: خذني معك.. أتوسّل إليك.. اذكر صداقتنا…
الشامخ: المفتاح بسرعة.. سأعد إلى العشرة..(…)
هو: لشد ما كنت مخدوعاً بك.. أنت أسوأ مني.. خائن.. (…..)
الشامخ: سبعة…
هو: لشدّ ما أنا سعيد.. خائن.. خائن..».
في النهاية ينفذ صبر الشامخ فيضغط زناد المسدس ليقتل (هو) لكن المسدس لا يعمل.. فينفجر الأخير ضاحكاً متشفيّاً فيشتبكان في صراع عنيف حتى يدمى وجهاهما وتتمزق ملابسهما وترجح كفّة (هو) الذي كان أقوى منه الشامخ بدنياً فوسعه ركلاً حتى يغمى عليه. وكان هذا – في الحقيقة – (انتصاراً) مؤلماً لـ(هو)، إنه كمن يهزم نفسه ويسـحقها ويجـلدها، فها هو الرمز الذي كان يقتدي به ويحسده طويلاً على صلابته وقوة  إرادته يتحول – من أجل إنقاذ نفسه – إلى (قاتل) مراوغ خدع (هو) لتبرير فعلته.. الإنسان نفسياً هو كائن تبريري وليس كائناً عقلانياً.. إنّ كل ما يصوغه من أفكار ومعتقدات ما هي إلا محاولة لإلباس رغباته ودوافعه الممنوعة – العدواني والجنسي منها بشكل رئيسي – لبوساً عقلانياً مقبولاً. وقد حاول (هو) اختصار هذه الطبيعة البشرية (الذرائعية) في مقابلة (سلوكية) بسيطة، فقد قال للشامخ إنه إذا لم ينجح في إقناعه بالخيانة خلال خمسة أيام فإنّ الجلادين سوف يقتلونه، وقد أنزلنا عليه اللعنات نحن المتفرجون بسبب موقفه الغادر هذا، ولكنه وضعنا في قلب مصيدة موقف مقابل مفاده أنه إذا لم يسلّم مفتاح الزنانة للشامخ قبل العدّ العاشر فإنّ الأخير سوف يقتله!! الجلادون يقتلونه من أجل مصلحة نظامهم السياسي والشامخ يقتله من أجل مصلحة حركته السياسية، وتحفل الكثير من الحركات السياسية – وحتى الدينية – بنماذج لا تعدّ من أشخاص كانوا يمارسون العدوان تحت غطاء (الفكرة) التي تحولوا إليها بصورة أشدّ مما كانوا يقومون به قبل هذا التحوّل. كانوا يقتلون استجابة لنداء الواجب فيخفّف هذا القبول الجمعي من شعورهم بالذنب بدرجة كبيرة، ولن نستطيع مطلقاً تقويم أفعالهم الما قبل والما بعد على أساس الحساب الرياضي: واحداً زائداً واحداً يساوي اثنين كما أشار (هو) سابقاً، لقد أظهر لنا (هو) أنه كان شجاعاً وهو يقف أمام فوهة المسدّس ويدعو الشامخ لإطلاق الرصاص، وقد تكون هذه شجاعة اليائس لكنها بالتأكيد من نمط شجاعة الشامخ نفسه في سعيه للخلاص والهروب بأية طريقة ودون حساب لأيّ شرط موضوعي كالتفكير – مثلاً – بالحراس في الخارج وبالأسوار والعقبات، بل لم يفكر حتى في احتمال أن يتنبه الحارس لصوت الإطلاقة التي سيقتل بها (هو) وعندها ستتفاقم معاناته أكثر فأكثر وستجهض جهوده للخلاص نهائياً. أعتقد أن (هو) ومن خلفه مبدعه «الصائغ» قد حقّق نقلة حاسمة في تنفيذ ما كان يبغيه منذ البداية وهو أن يحظى بمن يفهم معاناته من الداخل، من داخل التجربة العاصف المحتدم. لقد استطاع أن يستدرج الشامخ – وبذكاء – إلى دائرة التجربة الملتهبة. إنه ليس مثل بطل «جورج أورويل» دخل المعتقل وهو يفكر (كيف أخون) وليس (كيف أصمد)، فقد عاش ولعشرات السنين مناضلاً صلباً مطارداً وتحمّل في السجن صنوف التعذيب القاسية، ولكنه كان يائساً من الناس وظل وهو في عمق ساعات تردّده وضعفه يشعر بأنه قادر على تبرير نفسه أمام رفيقه المناضل ويقنعه بوجهة نظره وأن يفهمه ويتماشى احتقاره، ولكن ما حصل كان مخيّباً لآماله وظهر أن رفيقه الأنموذج لا يختلف عن أولئك الناس المتفرجين الذين يمارسون الاحتقار اليومي لآلامه مثلما يمارسون تغسيل أيديهم. ولذلك صار لزاماً أن يسحب رفيقه الشامخ – قسراً إذا تطلب الأمر – ليدخل معه إلى جحيم المحنة حيث يتمنى الإنسان الموت كي يتخلّص من العذاب فتكون النتيجة أنه يصبح بطلاً ويتمنى الحياة كي يتخلّص من العذاب فتكون النتيجة أنه يصبح خائناً، ولا أحد يستطيع تحديد خط مصيره إلاّ إذا حمل صخرة العذاب القاتلة المسنّنة، وتحت ثقلها المميت – ومثلما حصل لـ(هو) – سنرى (عملياً) وفي لحظة الخراب ما الذي (سيختاره)، وها (هو) والشامخ – الآن في مركز دائرة الخراب. ولكي يكون (هو) منصفاً – وهو في موقع الجلاّد الآن – فإنه يحاول أن يحيا – بأقصى درجة ممكنة – ظروف القسوة والتوتر والعذاب نفسها. فها هو (هو) يخاطب الشامخ وقد تمزقت ثبابهما ووجهاهما: «… ولكي يكون الأمر أكثر عدلاً… ها أنا معك.. سجين أيضاً.. لن أبرح الغرفة.. لن  أبرحها حتى تنهار.. حتى تنهار أو تكون نهايتي.. (وفي سرّي نويت: سنكون متكافئين.. لن آكل طعاماً.. لن أذوق ماءً.. ومثله أيضاً سأنام على الأرض.. وأعلنت له ذلك، وحين قلت ذلك بصوت مرتفع، بدأ على التوّ الجوع والعطش. وخفت من أنني لن أحتمل العهد الذي قطعته على نفسي، وهتفت به:
– لن تصمد..
– قال ببساطة من خلال تعبه: سأجرب..
-أجبته: هذا هو المهم. هذا بالضبط ما أريده.. القضيه كما تقول يجب أن تجرّب… وأرى جلياً أنك تقبل التحدّي»..
وبدأ الرهان/التجربة الدامية، ولأن (هو) الجلاّد الآن قد (جُلد) سابقاً وأُسقط فإنه قادر الآن على الإمساك بأسرار لعبة البطولة والخيانة محملاً بتراث ضخم من تفصيلات اشتراطاتهما النفسيّة. لقد وصل إلى قمة (مرتفع) الاستبداد والبطش الأسود – إذا جاز هذا الوصف – من قعرة هوّة الخيانة التي انحدر إليها من أعالي مراتب البطولة، ويبدو أنه قد بلغ ذروة (مرتفع) دور الجلاد بقوّة التعجيل الذاتي لكرة وجوده التي انزلقت بقوّة نحو قعر التخاذل فأكملته وتسلقت سفح الدور المكمل المقابل. ويظهر أن (هو) استطاع من إطلالته الحاكمة هذه أن يرى ويرصد ويراجع سفوح وذرى وأخاديد جغرافية تاريخه الشخصي السرّي والتي فيها الكثير مما هو مشترك مع التضاريس السيكولوجية لبنية رفيقه المستترة. ولأنّ الجلاّد – في كثير من الأحوال – يصمِم أساليبه وخططه لإهارة ضحيته وتحطيمها وفق ما يخشى أن يُصمم من أساليب وخطط لإهارته وتحطيمه هو نفسه، أي أنه يضع الستراتيجيات المناسبة لفتح الأبواب السرّية لقلاعه التي يخشاها أو التي استخدمت ضده من قبل، فإنه (هو) يقرّر – وقبل كل شيء أن يجعل ضحيته/الشامخ يتهدّم من الداخل، وقد كانت وسيلته الأولى لتحقيق ذلك هو أقسى وأخشى ما يخشاه، ألا وهو أن يمنع الشامخ من أن ( يبول ) :
«قال الشامخ بعصبية: أريد أن أبول..
ضحكت، فلم يكن في الغرفة مكان يمكن أن يتبول فيه.. وهتفت:
– تبوّل حيث شئت. ستأتي ساعة تتبول فيها على نفسك.. ذلك ما يجب أن تعتاده منذ الآن.
-لم يفعل. حزر الفكرة، فلم يَبُل. ظلّ فترة حائراً ثم عاد فجلس.
– ستبول على نفسك.
– الابتذال.. الابتذال.. ذاك شرط آخر..
-وتذكرت أحد المعتقلين. كان معصوب العينين. ولفترة ما قاوم ثم فعلها على نفسه، وانهار بعد ذلك تماماً…».
ومن الواضح أنّ شدّة إلحاح ذكرى معينة لا تنفصل مطلقاً عن أهميتها النفسية الرمزية للشخص الذي يستعيدها، وقد جاءت إلى ذاكرته صورة المعتقل الذي انهار بعد أن تبول على نفسه كشاهد على أنّ مبدأ (الابتذال) هو من الشروط الأساسية لتحطيم إرادة الصمود لدى الضحية. فـ(هو) مقتنع تماماً بأن «القذارة تساعد على الانهيار». والفكرة الجوهرية في ذلك هي تجريد المعتقل من القدرة على التحكم في أي شيء: محيطه.. ساعات نومه ونظامه.. طعامه وأوقاته.. و.. و.. وجسده. وإن كان البطل السياسي تتملكه أفكار ورؤى وحتى خيالات – وهذه جذرها طفلي – من القدرة الكلية فإنّ الجلاد سيحاول الإطاحة بهذه القدرة وسحقها من خلال إفهامه – وبشراسة – أنّ كلّ ما يحيط به لاحول له تجاهه ولا قوّة فيعيده بذلك إلى موقف طفولي أولي آخر عن طريق (النكوص) إلى مرحلة اعتمادية سلبية حيث يعتمد المعتقل على الجلاد في كل شؤون حياته مثلما يعتمد الطفل على أمه في إدارة مقاديره ولكنها هنا أم خاصية وملتهمة ومميتة . و(هو) الجلاّد يمعن في تصعيد درجة العجز والاعتمادية لدى الشامخ من خلال دعوة الحرّاس لتقييد يديه إلى الخلف ثم شدّ قدميه بقوّة. إن جانباً من محنة المعتقل المأساوية يتمثل في أنّ كلّ ما يحيط به في السجن يصبح معادياً ومتآمراً عليه من أجل إسقاطه وإخضاعه لجلاّده /(هو) الذي يتبع تكتيكاً نفسياً مكمّلاً حيث يعمل باستمرار على تذكير الشامخ بعوالم وفضاءات الخارج المرّفهة المسترخية وفي تلك العوالمم والفضاءات – وهذه أقسى لعنة بالنسبة لـ(هو) كما أعلن مراراً – تستريح تلك الكائنات الطفيلية التي تصدر أحكامها النمطية الباردة من الخارج: «رحت أتحدث إليه عن منام نظيف وغرفة أنيقة وأغطية بيضاء لها رائحة البيت والصابون.. فكّر: إنها الساعة الواحدة.. بعض المقاهي ما تزال مفتوحة.. ثمة من ناموا الآن وبدأوا يحلمون.. وأصحابك لابدّ قد فكروا فيك الآن، واحتملوا انهيارك.. يا للقسوة.. إنك حين تعتقل تصبح أمامهم موضع شبهة.. سيسلكون وكأنك انهرت.. وسيختار كل منهم لك في ذهنه نهايتك.. سيتمنون لك الصمود.. لأنك ستكون صمود كل منهم شخصياً.. ولكن أمانيهم لن تضيف لك شيئاً لأنها أمانٍ مجانية.. والويل لك إن أنت لم تصمد». ولكنّ بشاعة التناقض بين عالم الداخل وعوالم الخارج لا تتمثل في (الابتذال) والقذارة والطبيعة المعادية لنظام حياة الزنزانة فقط، إنّه يتمثل في ظاهرة مدمرة كثيراً ما تكون مدخلاً لتركيع المعتقل وتطويع إرادته، بل مسخها أيضاً. في الخارج كان الشامخ – مثلاً – متصالحاً مع جسده، يتحكم به وبوظائفه – وبشكل خاص ما يرتبط منها بمفهوم العيب أو العار الاجتماعي – في الخارج يتحرك الجسد تحت رقابة عقل الفرد وإرادته ومطيّة لرغباته . أمّا في الزنزانة فإنّ تصالح المعتقل السياسي مع جسده سيولّي إلى غير رجعة، سيصبح جسده عدّوه اللدود – بالإضافة إلى عدّوه الأساسي/ الجلاد طبعاً – وسيشوش عمل عقله ويربك فعل إرادته ويعطل رغباته. سيتحوّل الوجود الفردي بأكمله إلى مطيّة لحاجات الجسد الحيوانية الكريهة التي ستجعل كيانه الشخصي كلّه عيباً. ولن يضطر المعتقل لأن يكون في خدمة أفعال الخزي هذه بل سيكون مفروضاً عليه أن يبرّرها بينه وبين نفسه وهذا هو أخطر أشكال التبرير التي تمهد لتبرير وتمرير أفعال مخزية من نوع أشدّ وأفظع. ففي البداية – ومع تململ حاجة التبوّل – وحين لم يجد الوسيلة التي يستخدمها بصورة متحضّرة واجتماعية كما اعتاد في الخارج مارس إرادته الصحيّة والحرّة وعطل هذا الفعل وتغاضى وقتياً عن هذه الحاجة وجلس على أرض الغرفة المبللة بالماء الوسخ.. ولكن الزنزانة باردة جداً والبرودة تعجّل في امتلاء المثانة ولا يستطيع أي مارد بشري جبّار – مهما كان مستواه وقوّة شخصيته – أن يقاوم نصف لتر من البول يتجمّع في مثانته في حالة الهدوء والاسترخاء فكيف به وهو تحت سطوة الجلاد الوحشية: «.. ولم يعد القتيل/ الشامخ يستطيع كبح جماح حاجته إلى التبوّل.. قاوم كثيراً. ظلّ طوال ساعات يقاوم، متناسياً ألمه وقيوده والبرد الذي يتحرك في جسمه.. والمغص الذي كان يتحدّر من عموده الفقري بشكل مبهم.. ولكن الأمر لن يكون محتملاً بعد «فهي حاجة طبيعية»، هكذا، قال لنفسه.. وأرخى عضلاته المتوترة فعاجلته راحة ولذة غريبتان راحتا تنسلان من جسمه بدفء.. وتنهد.. وكظم خجلاً عميقاً أمام نفسه.. وأصغى بذهول إلى دقات قلبه وهو يسمعها في أذنيه.. وللحظات خيّل إليه أنه يوشك على النوم.. ثم بدأت تؤلمه أطرافه…». هكذا تطوّع ضغوط الحاجة الحيوانية الملحّة مواقف المعتقل.. وخطوة.. خطوة.. يبدأ بتقبّل الخزي المرتبط بها والمنعكس على اعتزازه بصورته الذاتية المشرقة سابقاً تمهيداً – أو خوفاً من تطويع مواقف مبدئية أكثر خطورة. يتكرّر مثل هذا الموقف مصحوباً بتحسّب أشد هذه المرّة مع حاجة أخرى أكثر ضغطاً و(ابتذالاً) وتحقيقاً للخزي. إنها الحاجة إلى التغوّط التي تبقى – رغم كل شيء – «حاجة طبيعية»: «اشتد المغص على «القتيل».. فكاد يغطي على كلّ ما يحسّه من آلام.. ولم يعد يأبه لارتجافه.. فهو يرتعش الآن بصراحة. ولكنه ظلّ في أعماقه يردد أنه لن يضعف.. كان يشغله ألا يتساهل مع نفسه فيتغوّط الآن على ملابسه.. وكان يبعد عن نفسه فكرة أنه لو فعلها فلن يعني ذلك شيئاً.. ولكن ذهنه ظلّ يحس القضية بشكل رمزي أفزعه.. قال له خاطر أنه لو تساهل مع هذا المغص القاتل فلربّما تساهل في أمور أخرى.. ولهذا ظلّ يرددّ.. اصمد.. اصمد.. اصمد.. ولئن حدث ولم أستطع كبح قسوة هذا المغص فإنّ ذلك لن يعني شيئاً». إنّ من المراحل المتقدمة في التدهور النفسي للمعتقل السياسي هي المرحلة التي يتحول فيها الصراع من الخارج – بين المعتقل والجلاّد – إلى صراع في الداخل – بين المعتقل وذاته – بين المعتقل وجسده، وهنا يكون الحاصل النهائي هو تغلب (الهو) على (الأنا) – وفق مفاهيم التحليل النفسي – وإذابة (الأنا الأعلى) بشقيه: الضمير ومثال الأنا وسط عملية نكوص صاخبة حتى لا يعود من أنموذج لتماهي الأنا سوى الجلاّد نفسه، وعند هذه النقطة تبدأ مسيرة الانحطاط الكارثية حيث يبدأ الجلاّد بتشكيل عجينة (الأنا) وفق مشيئته الخيانية وهذا ما كان يطمح إليه (هو) في رهانه الدامي مع الشامخ/رفيقه القتيل. وفوق كلّ هذا فإنّ (هو) – كجلاّد أنموذجي جاء من مدرسة البطولة – كان يرى أنّ تمزيق أستار (خصوصية) الحياة الشخصية للشامخ – تلك الحياة التي يرتبط انكشافها بالخزي – سوف يؤدّي – مع التكرار والمثابرة المهينة – إلى تبليد حسّ الشامخ بما يخز مرجعيات الأنا الأعلى وفيها تصبح (الخيانة) عملية (تلويث) توحي وتذكّر – من دون عار مصاحب – بعمليات تلويث الذات الطفلية: «.. أحس الشامخ أنه سيختنق.. أولى به إذن أن يشتم:
–    أيها الجبناء.. إنني أتحداكم.
وفي اللحظة نفسها انتبه إلى أنّه قد تغوّط على نفسه.. وأدرك أنّ ذلك لابدّ حدث حين كان غائباً عن الوعي.. ولكنه للحظة لم يأبه.. لم يشعر بالخجل.. كان جسمه قد فقد الطاقة على التحسّس.. إنه لا يتحسّس الآن شيئاً سوى آلامه التي لا تطاق.. ومرّة أخرى وبالرغم منه راح يئن..» لكن تبقى الوسيلة الأهم والأشدّ مضاءً في تحطيم إرادة المعتقل – أي معتقل – هو (الألم)، الألم الذي يوصل المعتقل إلى حدّ تمنّي الموت للخلاص منه. وفي لحظة التمني الغريبة هذه يمكن – وحسب قناعة (هو) أن تبرز فرصة فائقة وسانحة للبطولة، فعلى البطل أن يتحمل في سبيل أن يكون بطلاً… لكي تكون بطلاً، لابدّ أن تكون مستعداً لأن تتورّم وتجرح وتُذّل وتنـزف.. «البطولة ليست لعباً».. ولكن حينما يشتد العذاب يروح الأبطال يستدعون الموت بلهفة لسبب بسيط هو أن الموت يكون أرحم لأنه يعجّل البطولة.. وقد تمنى الشامخ «الموت.. أصبح التفكير في احتمال أن يعالجه الموت عزاءً… وودّ من كل قلبه أن لا ينقطع عنه التعذيب، علّ موجة من الألم تنهي حياته فيرتاح.. أوحى له بذلك الإغماء اللذيذ الذي عاجله لحظة سقوط الماء المغلي الذي سلخ جلد قدميه.. إغماء كالحلم.. خفيف.. وناعم.. يجب أن يأتي الموت، فالموت عذب، وتمنى لو يستطيع الانتحار». لقد نسي (هو) أنّه حين طرح رهانه الدموي أمام رفيقه الشامخ/ القتيل أنه قد أثار في أعماق خصمه حافزاً لطرح رهان مصيري مقابل.. وهذا ما يغفله في كثير من الأحيان الجلاّدون فيوصلهم صمود ضحاياهم إلى حافة الجنون.. بل إلى الجنون نفسه.. نسي (هو) أنّ عمليات (الاستحالة) التي مرّ بها قد يثبت عند مرحلتها الأولى البعض من المناضلين فيكونون أبطالاً.. وإنّ استمرارية الألم الرهيب قد يُفقد الموت رهبته المزروعة في النفوس لأن هذه الاستمرارية تجعل المعتقل يتجرع جرعات الموت فلا تعود للأخير تلك المهابة الوحشية التي تقوّض أركان النفس البشرية وتحطم إرادتها كما حصل لدى (هو) الذي جعل تجربته معياراً لقياس ردود أفعال الشامخ وتوقّع استجاباته ناسياً أن تجربته لا يصح أن تكون مركز قياس إلاّ إذا جُرّدت من كل عواملها الذاتية – عوامل التاريخ الشخصي السرّي، تجارب اللاشعور المكبوتة – وحينها سنحاكم التجربة الإنسانية على أساس قاعدة أنّ واحداً زائداً واحداً يساوي اثنين وهو ما رفضه (هو) نفسه، لكنه يعود ليغالط القواعد التي خطّها بنفسه لأنّ (مصلحته) الشخصية قد أصابته بـ(العمى النفسي) الذي شوّش بصره وبصيرته. إنّه ممزّق في تعامله كجلاّد مع ضحيته الصامد/الشامخ الذي أربك حساباته بإصراره على مواقفه وعدم انخذاله رغم كل صنوف التعذيب والإهانة. كانت نفسه تتقطع بين خيارين: في الظاهر كان يحاول بكل أشكال القسوة الفوز برهانه وإهارة رفيقه خلال خمسة أيام، جرّب ربط يديه وقدميه حتى تورّمت أطرافه، جرّب الابتذال والقذارة بجعله يبول ويتغوط على نفسه، جرّب الماء البارد في عزّ صقيع الزنزانة ثم الماء المغلي الذي سلخ جلد قدميه، جرّب أساليب الإغواء والتهديد والحرب النفسية.. جرّب حتى المحاكمات (المنطقية) ولم يفلح في سحب الشامخ إلى هاوية الخيانة. ولكنه – وفي الباطن – نجده يصرخ برفيقه – بصوت مكتوم أو بصرخة حادّة – بأن يصمد ولا يتخاذل:
«هو: (إلى الناس) وجاءوا بماء مغلي ما إن رأيته حتى أحسست بالخوف واقشعّر جسمي.. صرخت بوحشية: خذ..
وسكبت الماء، وسمعت صرخته المكظومة تتردّد في حنجرتي، بل أحسبني صرخت معه. وفررت، تركته والتجأت إلى زاوية حيث لا يمكنني أن أرى شيئاً.. وخجلت.. خجلت من فعلتي.. وخجلت من ضعفي.. ورحت أدق الجدار وأنا أردّد في أعماقي: لماذا؟ لماذا؟».
إنّه – هو – يُعذِّب ويتعذب، إنه يقول – وفي أكثر من موضع من مواضيع الرواية/الرهان – إنّه حتى الجلاّد يتعذّب، لكننا – كجمهور – لا نصدّق ذلك بطبيعة الحال. الأبطال والخونة والجلاّدون هم أقنعة أو أدوار يلعبها بنو البشر، أو هي – كما قلنا وبتعبير أدق – (استحالات) لجوهر واحد، فلو لم يكن الثلاثة محملين بالقدر نفسه من شحنة العدوان لما استطاعوا أداء أدوارهم، والشامخ – في الواقع – يمارس العدوان – من أجل الصمود – بدرجة أشد وأقسى مما يمارسه الجلاّد – من أجل التهديم والسحق طبعاً. و«الصائغ» يريد توصيل (رسالة) حللّنا تفصيلاتها وخفاياها حتى الآن، ولكنه يصعّد التعبير الدرامي عن رسالته هذه ليوصلها الذروة الصادمة، بل الصاعقة عندمـا يجعـل (هو) الجلاّد الآن/ الخائن والبطل سابقاً يوشك أن يفقد مقاليد عقله وهو يشاهد الصمود الخرافي – بل الأسطوري – لرفيقه الشامخ:
«هـو: (للـناس).. كان فزعي يشتد بمرور الساعات.. كنت أحسّ أنني أجن بطريقة ما، بحيث أتبين أحياناً أنني لا أعي ما أريد. فللحظات، كان يطغى على مشاعري حنان غير متوّقع وأودّ حينذاك لو أكف… انقطع عن هذا الكابوس الرهيب الذي اخترته، فيريعني أن الطريق يبدو مسدوداً وميئوساً منه، ثم ومن خلال ذلك، بل في أعقابه تماماً يدركني رثاء غريب لنفسي، وكراهية فظيعة لكل ما يبدو متماسكاً، بحيث امتلئ بالتحدي وأدرك أنني أتشهى اختيار انهيار العالم بأسره..». إنه يرى في صمود رفيقه صورة إرادته الأولى التي أمضى عشرات السنين يقارع بها الجلادين لكن لا أحد يتيح له الآن – بل لا يصدق – أنّ بإمكانه أن يلعب (دور) البطل مثلما لعب (دور) الخائن ويلعب (دور) الجلاّد الآن. حتى رفيقه الشامخ نفسه نفض يديه نهائياً منه رغم أنه كان يؤكد له أنه ليس ميئوساً منه إلى هذا الحد وحاول مساعدته على الهرب. إنه يحاول الإعلان عن حقيقة يحياها – رغم تناقضها ومرارتها – وهي أنه مازال قادراً على أن يلعب دور البطولة وأنه في دور الجلاّد لا يقل – إرادة وشجاعة – عن رفيقه الشامخ بأي حال من الأحوال رغم تعاكسهما في هدف واتجاه حركة كل منهما. في حركة معبّرة ومشحونة بالدلالات يقوم بإشعال سيكارة لرفيقه الشامخ المحطّم، وحين حاول أن يقرّبها من فمه، خطر أن يقلب السيكارة،ففعل وجعل جانبها المشتعل متجهاً إلى فمه ودسّها بين شفتي الشامخ وقال له: «لا.. لا تئن.. إنّ الأبطال لا يئنون.. ولا يصرخون.. فإذا فعلوا كان ذلك إيذاناً بانهيارهم..
أحزنتني ملامحه.. رأيت فيها وجهي ووجه أصدقائي، ورحت أشعل سيكارة جديدة ودسستها مشتعلة بين شفتي. فعلت ذلك بروح رياضية إكراماً له:
– انظر.. لا تغضب.. لقد فعلت بنفسي نفس الشيء.. ها أنذا أحرق شفتي أنا أيضاً.. انظر..
لم ينظر.. غضبت فلطمته.. لم أكن محقاً في ثورتي ولكني كما قلت مظلوم.. فأنا أدري أنني لم أكن عادلاً حين طالبته بالتخلي عن عذابه الشخصي، ليرمق بإعجاب هوايتي في أن أشاركه العذاب، لقد صمّم على أن يحسني كجلاّد.. ولقد كنت جلاّده حقاً.. إنما.. أنّى له أن يدرك أنني كنتُ جلاّد نفسي».
[وقفة:-
قد يعتقد البعض ممن يحاول تطبيق أطروحات التحليل النفسي الفرويدية بصورة جامدة أنّ «الصائغ» كان يضع مضامين هذه الأطروحات في ذهنه عندما وضع مسميّات شخصيات روايته، فهو يقصد بـ«هو» الـ«هو» مستودع الغرائز الطفلي والمكوّن الأساسي للاّشعور، أمّا «أنا» فهو الـ«أنا» صاحب الأحكام المنطقية والوسيط بين الهو والأنا الأعلى والمسؤول عن الآليات الدفاعية، أمّا الشامخ فهو يمثل الأنا الأعلى من البناء النفسي وهو العين الرقابية وممثل السلطة الوالدية والاجتماعية أي الضمير مضافاً إليه مثال الأنا الأنموذجي، لكن من الواضح أنّ مقاصد «الصائغ» – كما يتضح من خلال تحليل وقائع الرواية – أوسع من ذلك وأكثر ثراءً، فهو يريد تأكيد حقيقة طرحها منذ البداية وهو رفض النظرة النمطية التي تقسم البشر إلى خندق للشياطين وآخر للآلهة والصحيح أنّ كياناتنا الفردية تنطوي على عناصر من الاثنين تشكل شخصياتنا وسلوكياتنا من خلال تفاعل ديناميكي خلاّق، وهذا ما ظهر واضحاً في أفعال كلّ من «هو» و«أنا» و«الشامخ/القتيل»، فعلى سبيل المثال نجد أن «أنا» الذي اضطلع بتقويم سلوكيات «هو» والحكم عليها بصورة منطقية هو الذي أطلق النار وقتل ثلاثة من الجمهور بدم بارد من أجل الحفاظ على هدوء القاعة].
وها هو (هو) يضع السيجارة المشتعلة بين شفتيه بلا تردد مثلما وضعها مشتعلة بين شفتي الشامخ في حركة (جنونية) لكنها ثرية المعنى حيث يحاول أن يثبت من خلالها أنّه لا يقل قدرة على احتمال العذاب والألم من ضحيته وأنه كجلاد ساوى نفسه مع الضحية في كلّ شيء، وفوق كل ذلك فإنه ما يزال «يجلد نفسه» – حسب وصفه الموفق – لإطفاء شعوره بالذنب. إنّ الهاجس الأساسي الذي تسلط على عقله هو محاولة أن يثبت لرفيقه الشامخ أنّه لا يقل شأناً عنه وأنه كان مثله بطلاً حتى وهو (يختار) الخيانة بعد أن عانى كلّ أشكال التعذيب التي يمارسها الآن كجلاّد ضدّ الشامخ الذي أثبت له أنّ بإمكان الإنسان أن يقاوم ويتحمل ولا يهزم حتى لو تحطم . كانت أمنية (هو) الغريزة على نفسه كجلاّد تحمل بإرث خياني أعقب مسيرة نضالية أن يجبر الشامخ على إعلان خيانته لكي يثبت لذاته وللناس المتفرجين/الحكّام الباردين أنه لم يكن استثناءً، وأنّ أيّ مناضل – مهما كانت صلابته وإيمانه بمعتقده – له قدرة على الاحتمال والاختيار بين الحياة/ الخيانة والموت/البطولة دون أن ينتقص ذلك من (بطولته) في الاختيار مادام قد (اختار) وهو في أتون جحيم التجربة أولاً ومادام قد بلغ منصة الاختيار بعد أبشع شوط يقطعه المناضل في مضمار التعذيب ثانياً. لقد كانت قناعة (هو) هذه هي قناعة جنونية إذا جاز التعبير. وقد أشعل الشامخ/ القتيل – ومن وجهة نظر (هو) لا فائدة من أن تكون شامخاً وأنت قتيل – ردود فعل (هو) الجنونية بصموده الأسطوري وتحمله التعجيزي حتى بلغ الأمر بـ(هو) حدّ أن طلب من الحرّاس مطرقة ضخمة كي يكسر بها عظام ساق رفيقه الشامخ/القتيل الصامد/الضحية والذي أدرك الآن وبعد فوات أوان المنطق أن هناك فعلاً (خيانة) في البطولة مثلما أن هناك (بطولة) في الخيانة وأنّه يشعر – ولأول مرة في حياته – بتمزقات وجنون رفيقه السابق/جلاده الحالي/(هو) شعوراً أصيلاً وملتهباً لأنّه نابع من أحشاء جحيم التجربة – تجربته هو نفسه/الشامخ/ القتيل. وهذه الذروة النفسية والفلسفية والأخلاقية والسياسيّة الهائلة يجسدها «الصائغ» المقتدر في مشهد ختامي رائع هو من عيون الذرى الدرامية في مجال الفن الذي يعالج معضلات السلوك البشري وتحديداً معضلة العلاقة الجدلية – كما تصورها «يوسف» بين البطولة والخيانة في الحياة الإنسانية، ولذلك لا أجد مناصاً من أن أنقل هذا المشهد الحاسم كاملاً:
«- يدخل الحارس بالمطرقة –
هو: في كلّ ساق عظمان.. حللت الوثاق عن قدميه.. وبدأت بالساق اليسرى.. لم أستطع أن أفعل ذلك بضربة واحدة كما خيل لي. كان خوفي يشل يدي. ومع كل ضربة كان الألم يتصاعد في داخلي. وأغمي عليه. فقمت كالمجنون وسفحت عليه الماء فأفاق. وتطلع إليّ برعب وانخذال، ولم أستطع أن أمنع نفسي عن الصراخ: – أيها الغبي علام كل هذا؟ أنت تدري أنني سأهشم الساق الأخرى فاحذرني.. لست تدري كم يحتمل من هم على شاكلتي من جنون.. يا صديقي.. إنني أعذبك وأتعذب.. أفلا تحسّ هذا.. هيا.. طاوعني.. تكلّم.. وسمعت صوته وانياً يهتف:
– لا..
– بل ستتكلم.
همس:
– أبداً.
أي حلم كريه؟ قلت لكم أنني كنت مجنوناً وفي غمرة من جنوني حملت المطرقة وأهويت بها على ساقي أنا هذه المرّة.. هويت بها.. مرّة.. مرتين.. لماذا؟ كان يراني.. التقت عيني بعينه، وفهمت بطريقة مبهمة تعاطفه، فامتلأت حزناً وعاطفة، ورحت أزحف إليه ودموعي تسيل على وجهي، وحين أدركته، بدا لي أننا إنسانان غريبان، محكومان بشروط ظالمة.. ورحت أبكي على صدره، وفي نفسي إحساس صادق.. وإحساس مزيّف.. إحساسان يختلطان.. وكل منهما يتهم صاحبه..
وجاء في صوته:
– أنقذني.
قلت من بين بكائي: كيف؟ بل أنت من سينقذني.. تكلّم..
همس بصعوبة: لن أفعل.. يجب أن لا تسمح لي..
– ولكنك ستتكلم.. إذا أخذوك فستقول لهم.. ستنهار..
– كرّر من جديد: أنقذني.. لذلك يجب أن تنقذني..
– رفعت رأسي وصحت به: كيف؟
– همس: اقتلني.. ستكون بطلاً إنْ فعلت.
– ولكن..
– كل شيء سيمّحي.. وسنعود أصدقاء من جديد.
– ولكن..
كنتُ أضغط على رقبته.. وكان مطر ما يسقط في مكان من روحي.. مطر ولذّة تعدل السقوط والخيبة واليأس.. كانت الحياة تنخر في صدري.. آه.. آه.. كنا بدائيين مثل الخطيئة الأولى.. وصوته.. إع..خ.. خ.. وعندما انتهى كل شيء.. أحسست بالراحة.. وبدأ مطر كثير بالسقوط..».
هكذا يختم «الصائغ» روايته بالمطر مثلما ابتدأها به.. ومن قرأ الرواية بدقّة وانتباه فسيتذكر مشهد التحام (هو) برفيقته عند الباب الداخلي للبيت/الملجأ الذي ضمهما وقت هروبهما في بداية الأحداث: «قميصها مبلل.. وكان صوتها في أذني.. وكان على شفتي..
– آه..
– إه..
كنا بدائيين.. ولم يكن ثمة مطر.. ولا خوف ولا ريح.. كلانا الآن ساقط على الراحة.. واقع، وغير مصدق لدرجة جدّ متناقضة.. ثم رويداً رويداً، يبدأ المطر بالسقوط..».
.. وأخيراً، هل استطاع (هو) وبتخطيط من «الصائغ» طبعاً أن يبّرر أمام الجمهور الغاضب الصاخب في المسرح وهو يستجوبه عن أسباب خيانته؟ وما هو ردّ فعل (أنا) الذي كان يقود تلك المحاكمة؟ لا نعرف شيئاً عن ذلك وكأن «الصائغ» بإنهائه روايته مستغنياً عن الجمهور وعن(أنا) بصورة تامّة يعلن أمامنا – ومع سبق الإصرار – أنّ الوحيدين المهيئين لإنهاء الوقائع وختامها هم أولئك الذين يتقلبون على جمر المحنة ويكتوون بنيران التجربة ويكوّنون أحكامهم من داخلها.
[حاشية:
عند التعرّض لمعضلة البطولة والخيانة في الحياة الإنسانية ومعالجتها في الأدب لابد أن نستدعي صورة «رجب إسماعيل» بطل رواية «شرق المتوسط» للروائي الراحل «عبد الرحمن منيف» والذي أنقل هنا رأي الناقد «جورج طرابيشي» في سلوكه وذلك في كتابه «الأدب من الداخل» حيث يقول: «لقد كان «رجب إسماعيل» بمعنى من المعاني، مسيح هذا العصر. صحيح أنه لم يكن ابناً سماوياً، ولكن كل عظمة مأساته تكمن في أنه كان ابن هذه الأرض: من طين هذا الأرض جُبل، وبأسلحة هذه الأرض عُذب وقتل، وعلى هذه الأرض صمد وسقط وبُعث. ولقد قال وأثبت في ظلمات يأسه ومحنته أن «الإنسان هو الإله». كان الفادي. لا الإله الفادي وإنما الإنسان الفادي. نقصه بالنسبة إلى الآلهة أنه لم يفد أحداً غير نفسه. ولكنه إلهياً كان في نقصه الإنساني: فبفدائه بنفسه فدى إن لم يكن أهل الأرض، فعلى الأقل أهل عصره.. لقد كان «رجب إسماعيل» لقاء الإنسان العظيم بالفكرة العظيمة. بكلمة واحدة، كان شاهد العصر وشهيده». لكن هذا الفادي/المسيح/شاهد العصر وشهيده (سقط) و(خان) وقدّم براءته، والغريب أنه سقط بعد صمود دام خمس سنين عانى خلالها من شتى أنواع التعذيب وأنه مرّ على سبع سجون ولم يضعف ولم يعترف!! – راجع كتاب (الأدب من الداخل) للناقد «جورج طرابيشي» دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – 1978.
هوامش:
(1) 1984 – رواية – جورج أورويل – ترجمة أحمد عجيل – المكتبة العالمية – بغداد – 1990.
(2) Rejali, Darius – 2005  – Whom do your trust? What do you count on? Internet.
(3) – المسافة – رواية – «يوسف الصائغ» – اتحاد الكتاّب العرب – دمشق – 1974.
(4) أنا والشعر والشعراء – يوسف الصائغ – الحلقة (29) والحلقة (30) نُشرت في صحيفة (الأديب) البغدادية – العددان (78) و(79) – 2006.
(5) راجع لقاءنا بالمبدع «يوسف الصائغ» الذي نشر في خمس حلقات في صحيفة (الزمان) الغرّاء – ملحق (ألف باء) أعداد تشرين الثاني – 2005.
(6) يقول «يوسف الصائغ» في حلقة عنوانها: «البراءة من الحزب» من سلسلة مذكرته التي بعنوان (أنا والشعر والشعراء):
«يتهمني البعض بأني منتم إلى الحزب الشيوعي الهدّام، وحيث أنني مخلص لوطني ومليكي، أعلن براءتي من هذا الحزب العميل». ويضاف إلى ذلك اسم صاحب البراءة وصورته، ثم حرقة دمعة كانت مخفية وها هي الآن تسيل على وجه المناضل الذي (باع شرفه) ليسلم بجلده، والناس يقرؤون ويهزون رؤوسهم أو يبتسمون. فإذا كان العار الذي يلحق بمن يقوم بالبراءة لا ينحصر به وحده، ولكن يتعداه إلى أهله وأقاربه وأصدقائه، فهو عذاب من نوع خاص. وقد يقرأ الآخرون نصّ البراءة ويعلقون عليها بهمس حيناً وبصوت عالٍ أحياناً أُخر، استهجاناً أو حقداً أو شماتةً، فممارسات من هذا القبيل تعطي دائماً ردّ فعل لا يخلو من قسوة ومبالغة، وواضح أن كثيراً من هؤلاء لا يرغبون في التفاهم مع حقيقة أن من يقدم على هذا العمل، إنما يفعل ذلك تحت ضغط من الأذى والخوف والتهديد به، كأن يجري تعذيبه حتى الموت أو إلحاق عاهة مستديمة في الروح أو الجسد في الذاكرة أو التاريخ. بلى.. يقدم المناضل البراءة لأصدقائه من أعدائه، سيمتدحونه ويملؤون جيوبه بالوعود ويغرونه بالمزيد. ولكن إلى أين يذهب صاحب البراءة حين يُطلق سراحه، كيف سيستقبله أهله وأصدقاؤه أو حتى أعداؤه؟ وماذا سيقول عنه جيرانه؟ وكيف سيحيّون حين يمروّن به؟ هل سيحيونه.. كما في السابق، في أيد دافئة وعيون مليئة بالتثمين والاعتزاز؟ وماذا إذا انبرى له أحدهم فأخذه جانباً وطلب منه أن يُخبره بالأسباب التي جعلته يُقدم على هذه الفعلة التي لا تليق بسمعته وسمعة أمثاله.. من الشرفاء الطيبين؟ وأخيراً.. ماذا عن ذلك المناضل الذي أسمى ابنته البكر (البراءة)، ما الذي أراد أن يقول؟ والسؤال الأقسى.. هنا.. هو الثمن.. بماذا سيكافئونه به لقاء ما فعله؟ إنّ من يرتكب هذه الخطيئة سيبقى يحمل في جيبه عشرات الأسئلة، تنصب جميعها في السؤال الأكبر.. أما كان يمكن اجتياز هذه التجربة؟ هذا النوع من الأسئلة كان يتجمع في فم الرفيق (×) حين زرناه في بيته أنا و(س) لنطمئن على وضعه النفسي بعد أن أُطلق سراحه مكافأة له على تقديمه نصّ البراءة من الحزب. كان يقف أمام الباب كأنه يريد منعنا من الدخول ولا يستطيع فهو حائر في التعبير عن نفسه في وجه ما يعيشه من تناقضات (…) قال بعصبية: تصوّروا كنت معلقاً بالمروحة السقفية وكان ثمة شاب أوكل إليه أمر تعذيبي.. لا يكف عن جلدي وصفعي بذلك النوع من أسلاك الكهرباء.. الذي يُستعمل في التعذيب.. وبين حين وآخر يقترب منّي ويهمس لي (حين يحققّون معك لا تنسَ أن تؤكد على وطنية عبد الكريم قاسم) وراح يضحك: هل سمعتم، هل فهمتم؟ إنها لمهزلة درجة أولى.. وانخرط فجأة بالبكاء وراح صاحبي يعانقه وهو مستسلم للعناق ومستمر في البكاء مثل طفل صغير (….) وغادرنا الدار مودعين صوت الرفيق (×) وهو يقول لنا بنظرة حزينة: مع السلامة.. ومع هذا فأنا أحبكم يا أولاد الكلب، أنتم في كلّ الأحوال لستم أحسن منّي.. وحين يأخذونكم للتحقيق سنرى ما ستفعلانه بوطنية عبد الكريم قاسم..» أمّا في الحلقة التي عنوانها: «الخائن بطلاً» فيقول:
«كنت أسير في المظاهرة وفي فمي صلواتي، أتشفع بها عند بغداد وأستنجدها:
ميزّي وجهي، إذا اعتُقلت
يا بغداد
واعرفيني عندما يسألني المحقّقون عن هويتي..
– أنت شيوعي؟
سكت
– قومي؟
سكت
– بعثي؟
سكت
– أنت.. إذاً.. الأخوان؟
ما أجبتُ
لكن كان وجهك القمحيّ
يا سيّدتي
ملقى على الرخام
في أقبية التعذيب»
كنت أقول لنفسي : عجباً.. كيف يمكن فهم الضعف الذي يواجهه المناضل حين يسقط في الارتباك ونقص الإيمان.. وكنت أستعيد محنة الرفيق (×) حين طُلب منه وهو في تلك الحال من الحصار والأذى أن يقفز فوق التناقض وينـزع عذاباته لكي يؤكد على وطنية السلطة/وطنية عبد الكريم قاسم. إني واثق رغم (بُعد) المسافة أنّ ما همس به (الرفيق) المحقق للرفيق (×) هو الذي أوقعه في الغموض واللامعقول، بل اللاجدوى.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"