الرئيسية » نقد » ادب » محمد جودة العميدي : قراءة في مجموعة (الصمت لا يليق بالعصافير) للشاعر هلال الشيخ علي العذاري

محمد جودة العميدي : قراءة في مجموعة (الصمت لا يليق بالعصافير) للشاعر هلال الشيخ علي العذاري

قراءة في مجموعة :
( الصمت لا يليق بالعصافير ) للشاعر هلال الشيخ علي العذاري *

قراءة / محمد جودة العميدي

أحتفت جمعية الرواد الثقافية المستقلة / بابل بالشاعر هلال الشيخ علي العذاري في امسية جميلة حيث شهدت حفل توقيع منجزه السادس عشر وهو ديوان ( الصمت لا يليق بالعصافير ) الصادر عن دار الصواف للطباعة والنشر .

ان أي اقتراب من ديوان الشاعر هلال الشيخ علي العذاري ( الصمت لا يليق بالعصافير ) لا بد ان يقابله ذلك التوهج النادرالذي لم تنطفىء شعلته على مدار العديد من سنوات الأبداع ، فقد أتيحت للشاعر عشرات الروافد لتغذية طاقته الشعرية العارمة أهمها هو نشأته في بيئة مثقفة وبين أفراد عائلته الذين يكتبون الشعر . ووجدان الشاعر المرهف الشديد الحساسية يهتز لتجارب الحياة و الوجود ويمور بفيض هائل من المشاعر و الاحاسيس .
وديوان ( الصمت لا يليق بالعصافير ) سجلا حيا ناطقا باللوحات الشعرية المعبرة و الصور البديعه . الأماكن التي انتظمها عالم الشاعر هلال الشيخ علي شاخصة في دائرة الرؤيا والذاكرة ومحركا للهمم و العزائم وخاصة في قصائده التي يتغنى فيها بحب الوطن .
واذا كان الشعر معرفة نوعية حدسية تدرك مالايدركه الآخرون كما يرى ( كروتشه ) ، فان النصوص تشكل صفاءا وحميمية في تجربة الشاعر . تأتي هذه الحميمية من كون النصوص صادرة عن ذات شاعرية هي نفسها الذات الراوية .
ان النصوص القصيرة بعناوينها ذات الكلمات المفردة تطفو في فضاء الديوان دون تاريخ يربطها بالكتلة النصية . نصوص الشاعر تحمل من التجربة الشعرية ما يغنيها ، فهي نصوص تختلف عن نصوص الشعراء الآخرين يتمايز فيها الشاعر من خلال استخدامه لبعض التقنيات الشعرية كالأسترجاع flash back و الحوارdialogue الذي يربط الحاضر بالماضي والترصيع الأيقاعي و الأنسجام الصوتي harmony الذي يدعو المتلقي الى أعادة قراءة النصوص مما يجعلها جزءا من الحياة اليومية.
يؤمن الشاعر هلال الشيخ علي العذاري بأن لا بد للكلمات ان تستقر في القلوب من بعد ان تعيها الأذن ، لهذا نراه يتغنى بمجموعة من النصوص الرومانسية مستذكرا مواقف الوفاء لحبيبته التي هي زوجته .
أستطاع الشاعر أن يحقق جزءا من الحداثة الشعرية عبر اللغة الفنية العالية و المفردات السهلة والتخيل .
كتب الشاعر نصوصه بنمطين وهما : قصائد نثر متوسطة الطول ونصوص ومضة التي ضمت مجموعة من قصائد الهايكو . كتب الشاعر نصوصه بأنزياحات لغوية من أجل التكثيف و الأبتعاد عن النثرية المفرطة في فضاءه الشعري .
واذا تأملنا عناصر الرومانسية في نصوص الشاعر هلال الشيخ علي العذاري وجدنا العاطفة الصارخة المشوبة والخيال المحلق في فضاء عريض والوجدان النابض بكل ما يمثله الشعور و الفكر معا في نسيج شعري مرهف ولغة طيعة محكمة و تعبير عن الذات المتحكمة في الموقف الشعري رؤية و معايشة و تأملا . وهي عناصر تمثلها أروع تمثيل قصيدته ( همس : 1 و 2 ) التي يقول فيها :
(1)
مازال ……
يهمس لجوريته
وهي في عنفوان تألقها
…. البهي
احيانا
تحمر وجنتاها
……….
يفيض عطرها بسمة
تملأ المكان

****
(2)

ما زال يمهس
لجوريته
يشم ما بقي من عطرها
يعيد تالقه
ثم يحفظه
في الشغاف
******
وقصيدة ( يا عصفورتي ) التي تحمل أسطرها الأخيرة عنوان المجموعة فيها من صدق المشاعر و الأحاسيس ما يجعلها أكثر رومانسية ، وفيها يقول :

ياعصفورتي
وأنت في تألقك
الحميم
المدى بيننا يفيض
بوحا
الصمت لا يليق
بالعصافير
***
ان نصوص الشاعر هي في جوهرها احتفاء بالحياة واحتجاج على كل وجوه القبح فيها ، فالنصوص هي مزيج من مشاعر الغضب و الفرح و الرفض و الأدانة . والشاعر في مزيجه هذا انما يؤكد عبارة كولريدج ( ان قيمة الشعر رهينة بمدى ما يتحقق من نظرة ناقدة للحياة ) . ونصوص الشاعر الرومانسية تشبه لحد ما شعر المهجرين وشعر شعراء جماعة ( ابولو ) .

و قصائد : ( حب العراق ) ( الشهيد ) و ( كذبوا ) تبوح بفيض من المشاعر الوطنية الصادقة ، فالشاعر هلال الشيخ علي العذاري يتغنى بأنتصارات الجيش العراقي الباسل :

كذبوا وقولك أصدق ……
وبغوا وسيفك أسبق
يا أيها الجيش الذي
بفم الشهامة ينطق

ومن يقرأ نصوص المجموعة جيدا يلاحظ ثمة ملامح دينية في بعض النصوص مما يدل على أكتساب الشاعر لهذه الثقافة من بيئته العائلية . ظهرت آثار هذه الثقافة في مفردات وأقتباسات قرآنية كما في :

قصيدة ( هو ) = ( رجس من عمل الشيطان )
قصيدة (ركض) = ( بلغ السعي )
نفس القصيدة = ( مغتسل بارد وشراب )
قصيدة (بحث) = ( منسأة لم تؤكل )
قصيدة (فلما) = ( فلما جن علي الليل )

وتضم نصوص الومضة بعض نصوص (الهايكو ) ومنها :

لم يكن
بينه وبين الله
حجاب
المظلوم
**
أحدق
في عينيك فأرى
وطني
**
وخلاصة القول ان نصوص المجموعة تمتلك من المفردات العذبة مما يدل على أحتراف الكتابة الشعرية وامتلاك تجربة ثرية صقلتها السنين . ان الصورالشعرية التي تحملها النصوص منفتحة على تجليات ذالتجارب الذاتية و الانسانية ، وان اللغة الشعرية التي كتب بها الشاعر هي خروج عن اللغة النمطية ( المعيارية) ، اذ تكتسي طابع الشاعرية بالأنزياحات التركيبية و الدلالية ، فهي هدم للغة وأعادة تشكيلها من جديد لتبرز بمختلف الصور الأيحائية والمجازية لتحقق التفرد والخصوصية ، فتخرج الألفاظ عن دلالتها المعجمية لتتجلى فيها صور الايحاء .احتفظ الشاعر بلحظات توهجه الشعري الى نهاية قصائد الديوان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *