تابعنا على فيسبوك وتويتر

عمل الناقد.. ونجومية الكاتب

الناقد هو الحكم أو القاضي في المحكمة الذي يوزن العدالة , ويحاول أن يساوي بميزانها أو يعادلها على أن لاتميل كفة الميزان إلى طرف آخر , لكن موازين الناقد ليست سائبة فهي أيضاً تخضع إلى مفاهيم المجتمع وثقافة الناقد وبيئته والفكرة العامة التي يتبناها ويقيس عليها , وهي تميل بشكل او آخر رغم كل الجهد بالعدالة إلى قيم جمالية تتوقف على ذائقة الناقد لإبراز قيمة النص الأدبي أو الشعري فتميل مع الحق غير المطلق لأننا قلنا الناقد أيضا ًيميل وله توجهات ومفاهيم تبرز في ميزانه دون أن يشعرنا على الرغم من القيم التي يحملها ويدعيها بأنه مع الحب وضد الباطل متسلحاً بقيم إنسانية تستند إلى أرث تاريخي واجتماعي , وربما ثوري واشتراكي …..

ميزان عدالته يميل لصالح هذه الأفكار التي يعدّها حقاً يدافع عنه

على ألّا يخلط الناقد بين السيرة الذاتية للكاتب التي هي حق مطلق للأفراد باختيار طريقة الحياة التي يودون , وبين المسيرة الأدبية التي تخرج النص من الذاتية للموضوعية فتكون حقاً عاماً يعطي للأفراد الحق بفحصها وتفحصها لصالح المجتمع وقيم الجمال التي يألفها ذلك التجمع الثقافي أو البيئي وعلى وفقها يُقيم النص الادبي

هنا يعدّ الناقد نقده نضالاً وتنويراً يضيء الطريق للقارئ من أجل التزام الأدب بالمفاهيم العامة ومن ثم إلانسانية , و احيانا ًالثورية , بمعنى آخر النقد لايجري على إلاطلاق وإنما يجري على الألتزام وهذا يقودنا إلى فكرة الأدب الملتزم

والاديب الملتزم هو اختيار شخصي يكمن في رأس الكاتب أو الشاعر وهو حر في تبني الأفكار الاجتماعية أو السياسية أو الحياتية التي يعتقد أنها الأصلح لمسيرة شعبه فهو يتفوه بكلمات طليعية وأحيانا كثيرة يواجه قوى الظلام التي قد تقود الى أن يخسر الأديب أو الشاعر حياته من أجل كتاباته التي يعتقدها هي الأولى بالكتابة من غيرها , لكن مقياس الناقد أيضا يختلف باختلاف النص الأدبي فيصبح المعيار هو مبادئ الحق التي يفهمها الناقد فيهتم نقد النص الأدبي بذلك المعيار والذي قد يقود لهضم المفاهيم الجمالية المتعارفة عليها امام هذا الألتزام , لا اريد ان اخوض بشخصنة مقالي هذا للمسيرة الادبية والفنية العراقية التي قيمت الأدب والأديب فضلا عن ذلك الفن والفنان بشكل عام من منطلق التزام الأديب أو ارتباطه السياسي لهذه الجهة أو تلك , لعبت هذه الجهات و الأحزاب دورا ً كبيراً في شهرة الأديب وجعله أيقونة نضالية تلتف حولها الجماهير , فاصبح الشاعر أو الكاتب مشاركاً قضايا الناس وتطلعاتهم كما أصبح البارومتر الذي يؤشر احساس الجماهير بالخيبة من السلطة أو انطلاقة الشرارة لأية انتفاضة معبرا ًعن إحاسيسهم في حالة النكبات الوطنية, وبذا يصعد نجم الكاتب الراحل على سبيل المثال لا الحصر شمران الياسري في رباعية ابوكاطع معبراً عن خيبة الفلاح العراقي امام الاقطاعي والسركال المتنفذ و ادمون صبري الذي يعبر عن وجهة نظر فقراء مدينة بغداد ويسلط الضوء على واقعيتها باسلوب تراجيدي باعتباره اديباً ملتزماً , وكذلك يصبح الفنان الملتزم يوسف العاني أيقونة عراقية خالد ة عبرت بادائها عن مشاعر الشرائح العراقية كافة عبر مسيرة فنية طويلة أغنت الساحة العراقية وساهمت في نشر الوعي الأجتماعي وكذا الحال مع الراحلة الممثلة العراقية زينب , وما ينطبق على الأديب والشاعر والفنان ينطبق على الغناء فيصبح مارسيل خليفة أمل الشباب اليساري العربي ويصبح الفنان المصري الشيخ إمام صوت المسحوقين العرب يغني للرومانسية الثورية اليسارية التي ألهمت عقولنا تلك الايام

لا يقتصر الحال بالالتزام السياسي وإنما قد يتعدى الحال للالتزام القومي كما حصل للشاعر الكردي الكبير عبدالله كوران والشاعر العربي الكبير محمد الفيتوري وإيقونة الغناء العربي فيروز التي غنت للقدس ولبغداد وبيروت ومكة وأم كلثوم التي غنت ثوار أحرار وبغداد ياقلعة الأسود واحيانا الالتزام يكون مختلطاً ثوريا ًوطنيا ًوقومياً يساهم في نهضة الجماهير من أجل التحرير أمام قوى استعمارية غاشمة تجثو على صدر الأمة فيقول محمود درويش سجل أنا عربي

على أن المعايير الفنية للأديب الملتزم تختلف باختلاف درجة وعيه وإبداعه الشخصي لكن الجهة الملتزمة سواء كانت حزبية أو شريحة اجتماعية أو قومية التي تحسب الكاتب عليها تساهم في نجومية الكاتب وتصعيده كما حصل للكاتب إبراهيم الحريري فجعلت من نضاله الحزبي سبباً لتصعيد أدبه وبالتالي هذه الجهات تقربت من الأدب الشعبي وصعدت الشعر الملمع الذي يخلط بين ما بين الفصحى والعامية و دعمت الأدب الذي يخاطب الجماهير ويصل إلى عقولهم بصورة مباشرة فروجت للشعر الشعبي لأنه أكثر انتشاراً للأفكار فلمع شعراء فاقت شهرتهم الأدبية شعراء الفصحى وبرزت أسماء على الساحة العربية نتيجة هذا الالتزام الفكري فعرفنا الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم والراحل عريان السيد خلف على سبيل المثال لا الحصر وبذلك تراجع الادب الكلاسيكي وتنحى من عليائه كونه خاص للطبقة المترفة والمثقفة التي تجيد القراءة ليصبح أكثر ديمقراطية وشعبية وأصبحت (الحسجة ) والكلمة الشعرية العامية على لسان كافة الجماهير , لتحقق نجاحاً ساحقا ًمنقطع النظير تجبرنا على الاعتراف بها ادباً للشعوب يطغي عليها المحلية ويركز على خصوصيتها كما في شعر ونثر اللبناني سعيد عقل , لكن الحال لم يصفي بهذا الشكل ابداً , وبالتالي انجرت هذه الظاهرة للنقاد ليبرز من يحذر من مغبة الانجرار وراء المحلية والكلمة الشعبية التي لا يستسيغها كثير من النقاد والمنظرين فضلاً عن ذلك عدم استساغتها من قبل الأدباء الملتزمين أنفسهم الذين يلتزمون التزاماً قوميا ً يحملون ذات الأدوات التي تصدت للأدب من باب فكري بمسميات شتى أحيانا يسارية وآخرى شعبية بمفاهيم ديمقراطية متخطية جميع المعايير التي كان يحظى بها الادب العربي بمحاولة الدعوة مجدداً للحفاظ على لغتنا القومية العربية الفصحى متهمة الشعر الشعبي بالانحدار

لا ضير من النقد اي كان شكله ومضمونه فمع النقد هناك نقد النقد وكل هذه الاجواء صحية و هي محرك أساس تغني الساحة الثقافية والحراك الأدبي بشكل كبير وهي دليل نضج ووعي للوصول للحقيقة المطلقة التي لا يدركها أحد

يبقى هناك نقد آخر ينجر تبعا للأدب السلطوي الذي ينتج نتيجة إكراه السلطة أو إكراه الأيديلوجية الشمولية التي تمسك زمام الأمور , هذه الأيديلوجيات لا تعير اهتماماً للأدب غير ما يروج لمفاهيمها وبالتالي يكون الأدب وسيلة أداة بيدها تحركها حيث ما تشاء وتبقى إرادة الأديب مكرهة في أختيار الفكرة والموضوع المراد كتابته فيجبر ويضيق عليه لا بل يخضع أدبه لمقص الرقيب فترتبك كل المضامين الجمالية والإنسانية فينتج أدبا باهتاً مؤدلجاً , هنا تتوقف نجومية الأديب على ماكنة إعلامية كبرى تسندها الدولة وتروج كل امكانياتها الذاتية والموضوعية من أجل الابقاء على السلطة فترشي الكاتب ومن ثم الفنان فيصبح الخروج عنها خيانة وطنية تدين الكاتب والفنان لتخل به الذوق الفني العام وتسخر كل الامكانيات لخدمتها فيصعد كتاب كانوا صغاراً ليمارسوا أعمالاً وظيفية تسخر أقلامهم كموظفين في مجالات ثقافية كبرى من صحف ومجلات ودور نشر ووزارات ودوائر توجيه معنوي وسياسي ممنهج لا يستطيع الكتاب الأحرار الدخول اليها فنكون أمام حالة اخرى من نجومية مختلفة عما عرفناه من كتاب وفنانين ملتزمين لكن التزامهم هنا سلطوي ونتيجة لتراكم الخبرة بالعمل الروتيني الممنهج بهذه المؤسسات التي تتبنى هؤلاء الكتاب وتدخلهم في دورات فنية لتطوير مهاراتهم الذاتية وترسلهم ببعثات للاطلاع على تجارب الاخرين نشأ جيل سلطوي يقود الثقافة وينظر بسخرية إلى تجارب الاخرين لما يمتلكه من خبرة وشهرة إضافة لتراكم معرفي كبير ما زال فاعلاً ومؤثرا ً داخل الساحة الأدبية العراقية والعربية

وما بين الكاتب السلطوي والكاتب الجماهيري يبقى الكتاب الأحرار يحاولون البحث عن مساحة نظيفة تساعدهم على التنفس وايجاد مكان بالكاد يفسح لهم .

نيران العبيدي

كندا 10ديسمبر 2018


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “نيران العبيدي : عمل الناقد.. ونجومية الكاتب”

  1. عباس محمد عمارة يقول :

    بمناسبة النقد، بعض الملاحظات البسيطة
    ١-ظاهرة غير صحية وهي أن لبعض الشعراء اصدقاء نقاد!.
    ٢-سلطة الأدب ونجوميته تسقط بسقوط المرحلة السياسية إذا كان الاديب مودلج لها.
    لكنها لا تنطبق على المطرب أو الممثل أو الرسام..لأسباب كثيرة
    ٣-المراة الاديبة والفنانة والمثقفة.لم نجد صداها في مقالتك المهمة وشكرا

  2. نيران العبيدي يقول :

    الف شكر استاد عباس
    ملاحظاتك جديرة بالاهتمام , نفترض ان المعني بالمقال الرجل والمرأة وهذا ما اعتاد عليه العرب المخاطبة بالمذكر ونجومية الكاتب لا تسقط بسقوط المرحلة وهذا مثبت في المقطع الاخير من المقال لان الناس بمجتمعاتنا تبجل الصنمية سواء الجماهيرية كما ذكرنا ( المعارضة المرتبطة بحزب , الشيوعي مثلا الذي صعّدَ الكثير ) او الكاتب السلطوي
    تحياتي

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"