الرئيسية » نقد » ادب » رسول بلاوي*: ابداعات يحيی السماوي في توظيف النصوص الموروثة

رسول بلاوي*: ابداعات يحيی السماوي في توظيف النصوص الموروثة

•    ناقد وباحث من طهران
يعدّ التناص من أبرز التقنيات الفنية التی عني بها أصحاب الشعر الحديث، واحتفوا بها بوصفها ضرباً من تقاطع النصوص الذی يمنح النص ثراء وغنی، ويسهم في النأي به عن حدود المباشرة والخطابة.
فالتناص عبارة عن حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر، لإنتاج نص لاحق. وهو بهذا المفهوم أمر قائم ومشروع لامناص منه، حيث لا يمکن قصور نص بريء ينشئه مبدعه من درجة الصفر، إذ إنه لا فکاک للإنسان من شروطه الزمانية والمکانية ومحتوياتهما.
وقد سعی عدد غير قليل من النقاد المعاصرين إلی وضع التناص في تصنيفات متنوعة: لتحديد أبعاده، والإحاطة بطرائقه، فصنفه بعضهم حسب توظيفه في النصوص صنفين: أحدهما التناص الظاهر ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين، ويسمی ايضاً الاقتباس الواعي أو الشعوري، لأن المؤلف يکون واعياً به . والآخر هو التناص اللاشعوری، أو التناص الخفاء، وفيه المؤلف غير واعٍ بحضور النص أو النصوص الأخری في نصه الذی يکتبه، ويقوم هذا التناص في استراتيجيته علی الإمتصاص والتذويب والتحويل والتفاعل النصی.
إذن من شأن التناص أن يسعی إلی تخصيب النصوص وتلقيحها بثقافات ورموز وإشارات تنشلها من حومة السطحية والغنائية، لتبدو قادرة علی التحليق بقارئها الی آفاق من العمق والجدة وذکاء التأويل.
في إطار سعي الشاعر يحيی السماوی للتعبير عن مواقفه ورؤاه تعبيراً فنيّاً موفقاً اهتدی الی استخدام مجموعة من وسائل التعبير الفنية الحديثة، وتوظيفها في البناء الفنی لقصائده من لغة شعرية موحية، وصور فنية مدهشة، وتناص، وإيقاعات نغمية ثرة، ومفارقات تصويرية، واستلهام معطيات التراث وعناصره، ذلک أن القصيدة العربية الحديثة لم تعد عملاً بسيط التکوين … بل هي نسيج محکم تشکله وتغذيه جملة من العناصر، لعل أهمّها ذاکرة الشاعر وما تجيش به من خزين معرفي ووجدانی.
و تقنية التناص واحدة من أکثر الوسائل الفنية التی حفلت بها اشعار السماوی، إذ شغلت حضوراً واسعاً في نتاجاته الشعرية، بما تمتلکه من إمکانات فاعلة في توسيع فضاءات المعنی في النص الشعری الی الحد الذی يجعله مفتوحاً علی التأويل، فضلاً عن دوره في تعزيز تجربة الشاعر وتوثيق دلالة محددة أو نفيها أو توکيد موقف وترسيخ معنی، وبالإجمال إنتاج دلالة مؤازرة للنص في حالتی قبوله ورفضه بالتضمين الصريح أو بالتلميح .
اعتمدت تقنية التناص عند السماوی علی محاولة التماهي والتفاعل وتشارب النصوص، بل محاولة تذويب الحدود الفاصله بينهما، حيث أنّ هذه النصوص موظفة ومذابة في النص الشعری عنده بإعتباره عملاً فنيّاً يجسّد لحظة فردية خاصة، وهي في أوج توترها وغناها، وهذا اللحظة تتصل علی الرغم من تفرّدها بتيار من اللحظات الفردية الأخری.
و مما لا شك فيه ان السماوي شأنه شأن الشعراء الآخرين تأثر بنصوص أخری. فقد استطاع ان يوظف هذه النصوص في شعره بصورة فنية كما استطاع ان يضفي عليها مفاهيم ودلالات أخری تتفق وفكرته التي بصدد بيانها.و التناص والتاثر كما اشرنا آنفا قد يكون لا شعوري فالشاعر حينئذ لا يدرك تاثره بنص آخر وعلی الناقد ان يبين هذا التناص والتاثر ويشرح مواطن الجمال والاسباب التي دعت الشاعر ان يستحضر نصا آخر.
يحيی السماوي شاعرٌ اطلع علی الموروث الادبي والديني وألم بهذه النصوص إلماما موفقا ولا عيب اذا تاثر بها، فأنا بأعتقادي لم يكن هناك صدی لشعراء آخرين في شعره كما زعم الاخ متابع بل ان الشاعر استخدم هذه النصوص لفكرة جديدة ورؤية معينة بأسلوب موفق وفني. وفي ما يلي نذكر علی سبيل المثال نموذجين لتناص الشاعر مع القرآن الكريم:
من أمثلة التناص مع القرآن استيحاء الآية الکريمة : « وهزی اليک بجذع النخلة تساقط عليک رطباً جنياً» (مريم /25)، اذا يقول في اولی قصائد ديوانه « هذه خيمتی فأين الوطن» :

رأيتُ نخلة علی قارعة الدربِ
هززتُها
فانهمر الدمعُ علی هدبی
و عندما هزرتُ جذع الأرض يا ربی
تساقط العراق في قلبی. ( السماوی، 1997 م :ص 9)

يحاول الشاعر بکل ما توافر لديه من امکانات فنيّة أن يوظّفَ الآية القرآنية توظيفاً فنياً وفق رؤيته الشعرية . فهو يتکئ علی الإشعاعات التی تنبعث من لفظة (هززتُ)، التي تدلّ علی الحاجة الی معجزة سماوّية لتغير الوضع الحالي للعراق، أما لفظة «نخلة» فهي تکتنز بإيحاءات خصبة رحبة، فالنخلة المغروسة في ثری العراق هي رمز للإنتفاضة . والشاعر حين يهزّ النخلة لايريد منها رطباً جنياً، بل يهفو إلی استقرار الأمان في بلده وعندما لم يتحقق حلمه انهمرت الدموع علی هدبه وتساقط العراق في قلبه . والآية الکريمة أخذت في نفس الشاعر مساراً نفسيّاً خاصاً، وتحددت أمامه ببعد شعوری يرتبط بأزمته الراهنة .
هذا تنويع جديد علی نفس الموقف، يؤکد أن العلمية ليست مطلقاً عملية اقتباس لنصٍ من التراث، وانما هي عملية تفجير لطاقات کامنة فی هذا النص، يستکشفها شاعر بعد آخر، کلّ حسب موقفه الشعوری الراهن.
و في ما يلي يحيلنا الشاعر الی قصة زکريا (ع) التی وردت في سورة مريم :

أعرفُ أنّ تنّورک
لن يجود علی صحنی بالرغيف …
فلا تبخلي علی جرحي
بالرماد …
وطِّنينی واحتک …
فقد بلغتُ من الغربةِ
عتّيا ! (السماوی، شاهدة قبر من رخام الکلمات، 2010 م: 111)

الجملة الأخيرة تناص مع قوله تعالی: «وقد بلغت من الکبر عتّيا» (مريم /8). وظّف الشاعر نص الآية بتحوير طفيف فقد أبدل لفظة «الکبر» بلفظة «الغربة»، فالشاعر حاول أن يحوّر في النص القرآنی فأدخله في سياق جديد يتماهی ورؤيته التی يريد الافضاء بها، وقد أعطی للآية دلالة أخری نفهمها من السياق الشعری في القصيدة، إذ أخذت القصة بعداً دلالياً جديداً مع الاحتفاظ بالشحنة المعنوية الدينية للنص الغائب في سياقه الجديد (النص الحاضر). ويبدو في الوهلة الأولی انّه مجرّد اقتباس ولکن بما أن الشاعر جعل الآية تتحدث عن نفسه متقمّصاً دور زکريا (ع) فقد اعطاها بعداً آخر بما يتناسب مع السياق.
و المشهد يصوّر لنا معاناة الشاعر في الغربة فقد أقبل يخاطب وطنه کی يفسح له مجالاً للعودة والتوطّن فيه ولايطمع السماوی برخاء العيش في العراق بل انّه قانع بالقليل اليسير وهو شفاء جرح الغربة بالرماد فقد أرهقته هذه الغربة وقضی ردحاً من الدهر مشرّداً بين البلاد حتی جاوز الستين من عمره ولعلّه أراد ان يلمحَ إلی هذه القضية فإنّه قد بلغ فعلاً من الکبر عتيا في الغربة واستدعاء الشاعر لهذه الآية الکريمة بما تحمله من دلالات مأساوية، تستحضر «الکبر» في ذهن المتلقی بصورة لاشعورية.
فهكذا أقبل السماوي علی توظيف هذه التقنية بوصفها ضرباً من تقاطع النصوص الذي يمنح النص ثراء وغنی، وتحمل في طياتها دلالات وايحاءات جديدة قد يعجز التعبير المباشر عن تأديتها. والتناص يتجلی بوضوح في شعر يحيی السماوي مما يدل علی عبقريته الفذة وإلتزامه الديني.
ثم نراه يستدعي من الذاكرة الشعرية العربية قول الحارث بن وعلة الذهلي المشهور:
قومي هم اذا قتلوا اميم أخي   فإذا رميت يصيبني سهمي
فيضمنه سياقه، ويوظفه أحسن توظيف، في ايماءة كاشفة منه إل‍ی جريمة الاحتلال العراقي للكويت من قبل النظام الصدامي البائد، بوصفها صورة من صور الضلال السياسي وتفسخ قيم الأخوة والعروبة، وأواصر الرحمی وحقوق الجوار لدی بعض ساسة العراق.
ومن شواهد تلك الاحالات التراثية قوله يخاطب الشيخ التويجري رحمه الله:
أعطرك أم شميم عرار نجد    سری بدمي فضاحكني بدمي الشباب؟
(قليلك لا كثيرهن، استراليا، 2006م،  ص 35)
وقوله ايضاً الی نفس الشاهد في سياق آخر:
فأنجدنا ولكن لا عرار    أفاء لنا ولا نفح الشميم
( قليلك لا كثيرهن، ص 63)
ففي البيتين إحالة بارعة وتلميح بديعي رائع الی قول الصمة بن عبدالله القشيري:
تمتع من شميم عرار نجد     فما بعد العشية من غرار
ألا ياحبذا نفحات نجد        وريا روضة غب القطار
ويتجلی لنا من خلال توظيف شاعرنا لذلك الشاهد التراثي في هذين الموضعين علی تباين سياقهما، مدی براعة استرفاد المعطي التراثي، وإحسان استلهامه وتوظيفه، بما يتناسب مع السياق والمقام، ففي حديثه مع الشيخ التويجرري نراه يقابل بين عطره وشميم عرار نجد الأحبة، وقد تماهيا، إذ سری الشميم النجدي بدمه، فأذكره عهو الأحبة، وسالف مغاني الوجد والصبا، أما في الشاهد الثاني فيبدو استحضار نجد والعرار مؤلمين، في وقعهما النفسي ومردودهما السياقي، فلقد أنجد صاحبنا يلتمس وصلاً أو ابتعاداً لعهود الأحبة وذكرياتهم، ولكنه لم ير من ذلك شيئاٌ، فما ثمة عرارٌ ولا شميمٌ، وهذا ما أعقب في نفسه الغصة، وأشعل نيران اللوعة.(العشق والاغتراب في شعر يحيی السماوي، محمد جاهين بدوي، دمشق، دار الينابيع، 2010، صص 122و 123).
كما لاحظنا إنّ ايحاءات هذا التناص ودلالته الموضوعية واللغوية والأسلوبية قد أدّت بدقة وانسجام أغراضها، ووظائفها الفکرية والجمالية في السياق الشعري الذي تداخلت فيه، وتناصت معه، وکانت جزءاً لايتجزأ من السياق العام للقصيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *