تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة : 

رحل المبدع الكبير “رافع الناصري” بعد عذاب ومعاناة تاركاً تراثاً فنّيًاً تجديدياً هائلاً على المثقفين العراقيين الجادّين الإخلاص له ونشره وتحليله ونقله إلى الجيل الحالي والأجيال القادمة. تواصل أسرة موقع الناقد العراقي نشر حلقات ملفها عنه والذي بدأت بنشره قبل رحيله وهو في محنته، وتدعو القرّاء والكتاب إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق. 

5 سنوات على رحيل رافع الناصري:جماليّات الحروفيّ والحفّار

عمر شبانة

بين الألوان والحفر والطباعة، ثمة مبدع من طراز رفيع ومختلف، فنًا وإنسانيةً، تعرّفنا عليه في أثناء إقامته في عمّان، وخلال عمله في دارة الفنون التي أقام فيها ورشته الفنية لسنوات، وأقام خلال ذلك عددًا من المعارض الفنية المتميّزة، ربما كان أبرزها ذلك المعرض الذي يستحضر المتنبي بقصائده، في مرحلة حفلت بمعارض لشخصيات مبدعين من وزن ابن زيدون وصولًا إلى محمود درويش، تجربة تراوح بين استلهام الشخصية وإبداعها وبين التماهي معها، كانت هي خاتمة رحلة غنية، زمنية ومكانية، للفنان المبدع رافع الناصري، الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات (7 كانون الأول 2013)، ويجري استحضاره اليوم، هنا، في مناسبة صدور كتاب “رافع الناصري: خمسون عامًا بين الشرق والغرب / مقالات وحوارات” الذي جمعته وأعدّته وحرّرته زوجته ورفيقة مسيرته الشاعرة والناقدة مي مظفر، وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

مي ورافع – الصورة مهداة من الأديبة د. باهرة محمد عبد اللطيف .. فشكرا لها.

هنا إضاءات على ملامح من المسيرة والكتاب.

ابتداءً، يأخذنا هذا الكتاب، عبر المقالات كما الحوارات، في رحلة تمتدّ بين ولادة رافع في تكريت (1940)، حتى رحيله في عمّان (في مثل هذه الأيام عام 2013). رحلة طويلة وعميقة وشديدة الشفافية، سواء عبر الحوارات أو المقالات، تمتدّ بين مكان ولادته وبين العوالم التي تجوّل أو عاش فيها، من الصين التي تعلّم فيها فنّ الحفر، مرورًا بفرنسا ولشبونة ولندن، وصولًا إلى مرحلة عمله مدرّسًا في جامعات العراق ثم اليرموك (الأردن) وجامعة البحرين، وما تنطوي عليه التجربة من هموم وقضايا، أكاديمية وفنية وإنسانية. فنحن هنا إزاء كاتب يكتب بحب، ومن ذاكرة تختزن الكثير من التجارب، يرويها في مقالاته وحواراته بقدر كبير من الشغف والتأثّر، وبروح شاعرية ليس عبر اللغة والصورة فقط، بل عبر كونه يتقمّص روح الفكرة والمكان، متنقلا بين الأمكنة كطائر اختار الحريّة.

رافع الناصري – تكريت – 1952

ميّ ورافع: الشراكة

مي مظفر حاضرة في الكتاب، ليست كمحررة فقط، بل بوصفها شريكة حياة، شريكة في التجربة الفنية الممتدة أكثر من خمسين عامًا، فهي رفيقة السفر والمنفى والترحال والإقامة، وشِعرها أحد مصادر الإلهام، ونقدها هو أحد البوصلات الموجّهة للعمل الفنيّ. ومن هنا نبدأ بما تقوله ميّ عن رافع في تقديمها للكتاب، فهي خير من يعرف هذا الفنان، خصوصًا في الجوانب الشخصية، فضلًا عن الحياتية اليومية. تقول في تقديمها للكتاب “كان رافـع الناصـري شـديد الحـرص علـى توثيـق إرثـه الفنـي ليـس فقـط مـن خلال صــور أعمالــه، وإنمــا بنصــوص أدبيــة متنوعــة لتكــون شــاهدا علــى مسـيرة تجربتـه التـي امتـدت خمسـين عامًـا، بـدءًا مـن أحلام صبـاه حتـى اسـتعادة ذكرياتـه، مـرورًا بالمحطـات الكثيـرة التـي قـد يقـف عنـد بعضهـا طويــلًا ويتجــاوز الأخرى. كمــا أســهم بالكتابــة عــن تجــارب فنيــة عراقيــة وعربيــة، ضمتهــا كتبــه الثلاثة التــي صــدرت فــي أثنــاء حياتــه. لقــد كانــت الكتابـة لديـه حاجـة ملحـة للتعبيـر بالصـورة وبالكلمـة أيضًـا عـن ذاتـه وعـن آرائـه ومواقفـه”.

ومن هنا يمكننا القول إن رافع وميّ لم يكونا مجرّد زوجين، أو صديقين فقط، فلقد كانا شريكين أسّسا في العراق، وأينما حلّا في العالم، علاقة إنسانية/ فنية لم تشهد الساحات الثقافية العربية سوى القليل منها. لقد تابعت مي مظفر تجربة الفنان منذ مراحل التأسيس الأولى، وهو ما يعطي الكتاب بعدًا هامًّا يتمثل في حضور ميّ، خصوصاً في حوار ثلاثيّ بينها وبين رافع وبين عادل كامل، الذي أراد الحوار “دردشة” تجمع الثقافيّ والاجتماعي، وتدخل في خصوصيّة العلاقة بين رافع وميّ، حيث يعلنان بخصوص الشراكة ما يشبه الشعار أو البوستر “نختلف في بعض الأشياء، وأحلامنا واحدة”، فهما قد يختلفان ويتفقان في بعض شؤون الحياة اليومية، كما في الذائقة والتلقي للأعمال الفنية التشكيلية، وللفنون عمومًا.

وفي حوارهما المذكور أعلاه مع عادل كامل، تتكشّف رؤية كل منهما إلى الآخر وإلى الفن والحياة، ومن ذلك إجاباتهما على أسئلة المُحاور حول بعض القضايا التفصيلية في “التجربة”، ففي حديثها عن إنتاج جديد للفنان، في مرحلة ما تقول مي “أعتقد أنها مرحلة جديدة، فيها وحشية غريبة عليه”، فيردّ رافع إنها “مسألة طبيعية للحالة النفسية التي أعيش فيها في الوقت الحاضر.. ربما بسبب حالتي الذهنية.. فأنا من النوع الذي لا أدّعي الأشياء. وعملي الفني يسيرني، ونادرًا ما أسيّره”. وحول ما يحققه العمل الفنيّ للفنان يقول رافع “اللوحة جسر لكل السعادات الغامضة. اللوحة وجود”.

رافع الناصري مع زميله جانغ امام مدخل اكاديمية الفنون المركزية، بكين ،1961

عودة إلى البدايات

“عندمــا وضــع أســتاذنا جــواد ســليم تلــك اليــد البرونزيــة الرشــيقة أمامنــا، وقــال: انحتــوا مثلهــا بالطيــن. لــم نكــن نعــرف أنهــا يــد فنّاننــا الكبيــر فائــق حســن. كان ذلــك هــو الــدرس الأول فــي الفــن 1956. حــدث ذلــك فــي يــوم خريفــي جميــل مــن عــام فــي إحــدى قاعــات معهــد الفنــون الجميلــة ببغــداد”. في هذه الفقرة القصيرة، يضع رافع الخط الأول في لوحة مسيرته الفنية، مسيرة ستنطلق بعد ذلك إلى الصين، هذه المحطة (ما بين 1959 و1963) يعتز بها الفنان بشدة، سواء بالأساتذة الذين تتلمذ عليهم، أم بالفنون الصينية وعلى رأسها الحفر والطباعة (الغرافيك) الذي برع به الصينيون من اختراعهم للورق. وإلى ذلك فثمة وقفات عميقة أمام المجتمع الصيني وحياته. لكن علاقته مع الفن الصيني بدأت قبل ذلك عندما شاهد معرضا للفنون الصينية عام 1959، وجعله انبهاره بهذه الفنون يختار الصين لدراسة الغرافيك، هنا نقرأ: أحببــت الرســم الصينــي التقليــدي منــذ ذلــك الحيــن، وأدركــت بأنــه يختلــف فــي كثيــر مــن الجوانــب عــن الفــن الأوروبــي، وعندمــا أصبحت أمارســه أثنــاء دراســتي فــي الأكاديميــة المركزيــة للفنــون الجميلــة فــي بكيــن (1959-1963) زادت محبتــي وتعلقــي بــه، لأنــه ببســاطة يمتلــك كل العناصــر الأساســية للفــن الأصيــل، بمعنــى أنــه يقــوم ويســتند بقــوة علــى روحيــة الإنســان وعلــى عنصــري المــكان والزمــان، ويتوافــق كليــا مــع فلســفة الحيــاة الشــرقية وطــرق رؤيتهــا للطبيعة والكــون، وانســجامها مــع مفــردات الحساســيات البصريــة.                                                            

المحطة التالية الأساسية والمهمة في مسيرته كانت فــي لشــبونة، وجاءت فــي العــام (1967) حين حصل على منحة زمالة للدراســة من كولبنكيــان فــي إحــدى المؤسســات الفنيــة التــي يرعاهــا (محتــرف غرافــورا). ففــي هــذا المحتــرف، كما يقول “أنتجــت أفضــل أعمالــي الطباعيــة بالحفــر علــى النحــاس، وفــي هــذه الفتــرة أيضــًا، اكتشــفت الحــرف العربــي وجمالياتــه، واســتخدمته فــي مواضيــع تجريديــة، فأصبــح المنطلــق الأساســي لكثيــر مــن أعمالــي اللاحقــة”.

العلاقة بالمكان                                                   

ومن بين حوارات ومقالات وقضايا كثيرة، نختم بالعلاقة العميقة لرافع بالمكان، علاقة تبرز في الكثير من أعماله، وهي تبرز أيضًا في حواراته ومقالاته، ففي حوار معه أجراه الفنان البحريني عباس يوسف، يتحدّث الناصري عن كيفية تحقق مسألة المكان في عالمه التصويري؟ فيقول إن علاقــة الإنســان بالمــكان علاقــة عضويــة، تنشــأ معــه وتتطــور وتتجــذر بمــرور الزمــن. لــكل إنســان مكانــه الأثيــر إلــى نفســه، وعــادة مــا يكــون المــكان الــذي ولــد فيــه وترعــرع. هــذا مفهــوم عــام يــكاد يكــون قاعــدة. المــكان عنــدي جــزء مهــم مــن بحثــي البصــري، الــذي هــو بحــث فــي الطبيعــة والبيئــة المحليــة. ولأنــي أهــدف إلــى خصوصيــة فــي التعبيــر عــن هــذه الطبيعــة والبيئــة، يكــون المــكان عنصــرا أساســيا لهــذا التعبيــر، أحــاول مــن خلالــه إعطــاء اللوحــة انتماءهــا وهويتهــا، موظفــا عناصــر اللوحــة المختلفــة التــي تخــدم هــذا الهــدف، وهــي الأشــكال والرمــوز والألــوان، إلــى جانــب روحيــة الفنــان ومزاجــه ســاعة تنفيــذ ذلــك العمــل. فذاكــرة الفنان البصريــة، والتــي تتراكــم فيهــا عشــرات المشــاهد مــن هنــا وهنــاك، تفعــل فعلهــا، وتتدافــع علــى ســطح اللوحــة منــذ اللحظــات الأولــى. الجــزء الكبيــر منهــا تلقائــي وغيــر مباشــر، والبعــض منــه مقصــود ومبرمــج. وهنــا تتداعــى الأفــكار والصــور، ومنهــا يتجلــى المــكان فــي آخــر المطــاف. فــي معرضــي الأخيــر “عشــر ســنوات.. ثلاثــة أمكنــة” تعاملــت مــع أمكنــة عربيــة مختلفــة هــي العــراق والأردن والبحريــن، ولــكل منهــا طبيعــة مختلفــة بعــض الشــيء، لكــن البيئــات متقاربــة، فهــي بيئــة عربيــة في نهاية المطاف.

*عن موقع ضفة ثالثة

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"