تابعنا على فيسبوك وتويتر

على خطى كاردشيان

عدنان يعقوب القره غولي

(1)

أخيراً…

 قرر ان يغير حياته ، ان يترك ما يخطط له للارتقاء ، قرر ان يترك المواظبة والجدية في تفاصيل حياته وطموحه ، سيسير حيث القشور والعبث .

جاء قراره هذا بعد ان أفنى عمراً في مقارعة واقع اقعاه في ذات المكان حيث هو هو ، دون تقدم أو تحقق لطموح . 

قراره هذا قد اتخذه وهو يجالس رفيقه القديم الذي يشاركه ذات الحال , المتواصل في صداقته منذ رحلات الدراسة .

قراره اتخذه فيما ارتكنا مصطبة في حديقة عامة . 

ضحك صاحبه ساخراً من قراره غير مصدق : 

– أنت … ؟ أأنتَ تترك التخطيط والجدية والبحث عن الحلول !! .       

تعالت ضحكاته مرة أُخرى لتصدمه الكلمات المتدفقة المؤكدة لجدية القرار .

– صدقني سأتركُ كل معقول في هذه الدنيا .. لقد تعبتُ من الحقائق .. سأعبثُ وأكملُ طريقي عبثاً فهذا ما تريده مني الحياة . الحياة تبحث عن عابث يسوقها عبر غير المعقول . خذ مثلاً كيم كاردشيان , ما الذي جعلها شهيرة . هل تمتلك مؤهلات كالتي أمتلكها ؟ .

–  ههههه , بل تمتلك … تمتلك مؤخرة لا تمتلكها انت , ولا حتى جدتكَ .

– ما لكَ تثيرني .

– بل اني انورك بالحقيقة .

عند ذات اللحظة تلك مرت امرأة رشيقة أمامهما .. كاملة الصفات , ممشوقة ببراعة ، مغناج بخطواتها , تخفي عيونها بنظارة شمسية سوداء لا تحجب شمساً متوهجة بل كان ارتدائها للأناقة ليس إلّا وأعطت ملامحها مزيداً من الغرابة والجاذبية لما يخفى .                                      

مرت بخفة وسط تأكيداته :

– سأعبث ، سأعبث .

 لمحاها أمامهما بذات اللحظة ، فاصطفت نظراتهما تتبعان قوامها المتموج وانفهما يحلّق وراء عطر ساحر منبعث من خطواتها المائسة . قوامها المتخصر يطرب لطقطقات كعبها العالي على الاسفلت , فيما راحت حلقتا أُذنيها تراقص هذه النغمات . 

طرأت الفكرة لصاحبه :

– تقول ستعبث ؟ اذهبْ إذاً خلفها واعبث. 

قالها متحدياً.

ـ نعم .

لم يتأخر لحظة في قبول التحدي . قفز خلفها صارخاً :

– نعم سأعبث . 

خطواته تلاحقها . تتبع عطرها وأقراطها المهتزة . الكعب بطرقه , يناديه . 

لهفة مسعورة ترمي بأفكاره المتأصلة بعيداً .. 

ينفذ الفرح الى قلبه انه سعيد بما يفعل . 

انوثتها اللامبالية تقودها أمامه وهو خلفها يلاحق أملاً أحمقاً مجهولاً . 

فجأة حدث ما لم يتوقعه , بل ما لن يصدقه أحد … رجلاه … رجلاه … تقودانه الى الخلف . نعم الى الخلف , فكلما خطا خطوة فأنها خطوة الى الوراء . 

ابتعدت هي لكنه بات يسارع خطوته , خطواته تتسارع الى خلف وجهه , نحوها . قدماه تخطو بالاتجاه المعاكس وسط ضحكات صديقه الساخرة :                         

– هل عرفتَ وتأكدتَ الآن انك لا تسطيع ان تكون بما لست عليه . 

فيما صرخ هو :

– أوقف ضحكاتك هذه . الأمر لا يصدق , قدماي هما اللتان تقودانني خلفاً رغماً عني . 

 نعم .. 

بالفعل أصبحت قدماه تشدانه خلفاً دون إرادته , باتت محاولاته لإيقافهما بلا جدوى.

ـ هه ، ههه  ، ههههه .

 قهقهات أُخرى تلقاها من صديقه المُراقِب للموقف من مكانه إذ ركض الراكض خلفاً قريباً منه الآن. وحين كاد يمر أمامه بالفعل شاهد الرعب على وجهه . أصبح الآن جسداً بشرياً عجيباً ينقاد لخطوات مهرولة .

– انجدنــــــــــي . 

صاح ووجهه يقاسمه الهلع , والرعب .. 

اكمل وهو يجتازه :

ـ الأمر صار خارج السيطرة ،  انقذنـــــــــــــي .

فغر رفيقه فاه فقد أدرك بأن الأمر الذي يحدث لا يصدق بالفعل , ملامح صاحبه غير كاذبة ، لكن ذهول الصدمة جعله مشلولاً لا يعرف ما يفعل , وغاب عنه ان يمسك ذراعه المستنجدة الممدودة إليه.  

ظل صاحبه ينأى عنه وصرخاته تكرر التماس المساعدة . عندها تحرر من كلاليبه ليركض وراءه : 

ـ اصمد .. استكن .. يا إلهي .. أحقاً ما تقول ..أًيُصَدّقُ هذا؟.. رجل بركض الى الخلف .                

ظل يردد هذا وساقاه تلاحق صاحبه الذي ازدادت خطواته امتداداً وبات يعدوا عدواً . 

لا يوجد منطق لما يحدث لكنها الحقيقة التي استمرت عبر الشوارع . شابان راكضان بتوالٍ , يركض باتجاه ظهره , لا يكل ولا يتعب … بات يبكي ، يصرخ ، يطلب المساعدة من المحيطين المذهولين , وحين يرون من يعدو خلفه يظنون ان في الأمر مزحة فتتعالى ضحكاتهم وبعضهم يحمل هواتفه بكاميراتها ليصور الموقف الكوميدي والاستعراض الذي يجري . هكذا ظنوا الامر . 

بعض الاطفال راحوا يقلدون المشهد فركض بعضهم الى الخلف وتبعه البعض الاخر وسط القهقهة والمتعة!.  

تقطعت قدماه وبح صوته وهو يحث الناس على إيقاف صاحبه , حتى فقد القدرة على الحراك فسقط بدموعه الباكية على مصير الراكض المبتعد حين بات لا يراه , لقد طالت المسافة بينهما وظلت تلكم الاقدام تقود صاحبها كقطار تقوده سكته بعد ان فقد فرامله ليظل يسابق ـ دون كلل ـ اللانهاية.  هكذا فقد صديق عمره في ظلام المساء حين حل , فيما غاب عنه النوم ليلتها وهو يرجو لصاحبه  ان يهده التعب فيتوقف او يتعلق ببعض المارة فيمسكون به ! . 

(2)

الصحف بعد أيام ..

((رجل يعدو دون انقطاع او كلل الى الخلف . لا يتوقف  بالمرة على مدار 24 ساعة .  رجل لا ينام والخبراء حائرون بأمره . وحين يتمكن الناس من تقييده وربطه الى الأعمدة يظل يهرول في بمكانه. يطعموه ويسقوه كي يجدد طاقته ثم يصرخ اطلقوني اطلقوني , فيعيدون اطلاقه)) .               

((شركة تطوعت بتقديم مرافق صحية متنقلة ومتحركة على عجلات بستارة كي يقضي الراكض حاجته في مسيرته المستمرة . بات يسحبها في عدوه)) . 

انباء وصور ومحطات التلفزيونية تصور , حتى انشغاله بقضاء حاجته خلف الستارة .

المنظر مثير .. لم يرَ أحدٌ من قبل مرحاضاً راكضاً   . 

الشركة المصنعة للمرحاض طلبت منه وضع شعارها مكبراً على منتجها (مرافقتي العزيزة), وطلبت منه ان تكون ركضة المرحاض فلماً دعائياً لها مقابل مبلغ مالي ضخم.. قًبِلَهُ على الفور  . 

أخذت المدن تستقبله باحتفاء , الخوف الذي لازمه في اول محنته فارقه الى الأبد , بل ان الامر جلب له سعادة من نوع لا يوصف . صوره تفتتح بها الصحف , واصوات محطات الاذاعة تنقل اخبار رحلته بالتفصيل , فضلاً عن أن مواقع التواصل الاجتماعي راحت تنقل صور أوضاعه لحظة بلحظة. 

هكذا أصبح الشخص الأشهر خلال عدة أيام . 

المرحاض باتت لوحة الاعلانات المفضلة , إذ تعاقدت الشركة المصنعة للمراحيض لوضع ماركات تجارية عالمية تعليق على ستارة مرحاضه , من ثم لم تبق شركة سيارات شهيرة أو خطوط طيران أو شركة أجهزة الكترونية إلّا وظهرت علامتها التجارية على رفيقة رحلته ..            

صار الأمر أكثر سخرية حين تزاحمت شركات العطور على إيجاد محل لها على ستارة المرحاض الجليل . أصبح غنياً .. غني بشكل لا يصدق.. كل اعلان جديد يضيف لثروته مالاً جديداً واحتفاء جديداً من شركة راعية جديدة . 

الشهرة التي حلم بها لسنين أتته اضعافاً مضاعفة عبر أيام تسابق خطاه غير المعقولة .             لم يجعل للشركات الجديدة حقوق احتكار أُخرى , فقد تعلم التجارة لكثرة العروض , تعلم ألّا يقنع بالعروض إلّا بعد مفاوضات طويلة توقع على طاولة المرحاض العجيب حين يتم الاتفاق النهائي  . ها هو يعلن اليوم  لشركة شفرات حلاقة وهو (يحلق ويركض) : 

((احلقْ والحقْ موعدَكَ مع شفرة أمينة)) .

((اعدُ بأفضل حذاء رياضي واقطع الكرة الارضية دون كلل)) . 

هكذا علقت شركة رياضية في اعلانها . 

((عصير القوة المذهل للرجل المذهل)) . 

وشركة عصائر :

((اتصل من اي مكان على الأرض وفي اي وقت من اليوم . ها هو الراكض قد اختار شبكتنا بين جميع الشــبكات لأجراء مكالماته)) . 

وشبكة هاتف محمول :

الكل يطارده ويتملقه ويزيد اموال عروضه عله يجد قبولاً لدى الرجل الراكض للخلف , بل لم يعد أحدٌ يدعوه بالراكض للخلف , سموه الرجل الراكض . 

اغنيات شتى ورقصات شتى غزت العالم تشيد بالحبيب الذي يركض الى الخلف .

((ان كنتَ تحبني اتبعني واركضْ خلفاً)) .

تقول كلمات اغنية راقصة درت لخزينته أموالاُ أُخرى لمجرد استنادها على ركضته . الشعلة الاولمبية بات يشرفها ان يحملها هذه الرجل إذا صادف مروره بالمدينة الاولمبية تلك .     

الاطباء حائرون , يتناقشون , في ندوات طويلة عبر المحطات التلفزيونية ..            علماء الاعصاب يفسرون الامر بانقلاب مفاجئ في نواقل الحركة العصبية في الجهاز العصبي المركزي لتصبح الايعازات تدار بشكل عكسي . 

سخر البعض الآخر من الاطباء :

((ما هذا الهراء أ يحدث ذلك كله بلحظة ؟)) . 

الجميع اتفقوا , حتى لو حدث ذلك لهذا الرجل , فمن أين له الحصول على الطاقة المستمرة .                

ألا يتعب هذا الرجل . ألا ينام ؟!.

((لنستضيف الآن الرجل الذي شهد بداية الموقف)) . 

علق احد المراسلين وهو يقف في الحديقة التي جرت فيها الوقائع الاولى لينقل اللقاء الى محطات عالمية أُخرى على الهواء مباشرة .. هنا يظهر صديقه للمرة الاولى ليوضح للناس القصة الحقيقية لعدوه . 

لم يخف شيئاً بالمرة , تحدث عن صاحبه وحياته الماضية وطموحه بالشهرة , وفشله المستمر في نيلها ثم عن لحظة التغير التي انبثقت والمرأة التي مرّت وسحرها وعطرها وكعبها وقرطها .            

لم يخف شيئاً بالمرة , كان صادقاً كل الصدق وقد زال همه حول صديقه بعد ان وجده قد حقق ما طمح اليه , فقد تحقق المستحيل وهو مسرور لذلك . 

ألف امرأة أو أكثر اتصلت بالهواتف المعقبة على اللقاء , تدعي كل واحدة منهن انها كانت المرأة صاحبة النظارة السوداء ملهمة الراكض . 

مواقع التواصل الاجتماعي عجت بهن ، كل منهن تدعي انها الملهمة .. الاف الاولى اصبحت آلاف والألف من جنسيات مختلفة , من الصين والفلبين والمجر والمكسيك واوزبكستان  ونيجيريا بل من كل الدول . نساء من كل الأقوام والملل , كلهن كن يعرضن عليه بيع الأقراط والحذاء ذو الطرقة الساحرة وزجاجة العطر والحقيبة والثوب الذي كن يرتدينه ساعة الهام الراكض , حتى ملابسهن الداخلية لم تنجُ من عروض المزاد على الانترنيت . 

تسابقت الشركات الاعلامية بالتنسيق مع شركات الموضة والعطور , على البحث عن الملهمة الحقيقية . 

اتفقوا مع الراكض على تخيل اسما للمرأة الملهمة , وكونها وما تحمل من منتجات , انها ممثلة لشركة منتجة عابرة للقارات.. ووعدوه بأنه سيفوز بالقرط و الكعب العالي والنظارة  و ،  و ، و . 

((لاحقا .. فيما بعد .. أستبعد الصديق لأنه بات يصرح بان المرأة كانت متخفية وراء النظارة ولا يمكن البت حول من تكون  من خلال الملامح)).  

هذا الرأي لا يناسب النجاح للشركات المفبركة لإنجاح الحملة الدعائية ((كوني مميزة والهمي الرجال)).

 

(3)

– ألو هل تسمعني  يا صديقي . 

– ألو…. ألو ..صوتك متقطع ، اللعنة على شبكة المحمول الصوت اما متقطع او ضعيف .                             ـ هل تسمعني الآن ؟.

– ألو . الصوت غير واضح  ، أوه ، الآن أسمع بشكل مقبول .

– كيف تجري الامور معك .

– ما زلت أركض .

– للخلف ؟

– بالطبع . وهل يوجد شيء غير ذلك . لكني سعيد . اصبحتُ محتفى بي أينما حللتُ .   توا ً برنامج المواهب قبلني حيث اجرى دون وصولي الى مسرحه كوني موهبة فريدة  ً .

– اهنئك مقدماً أنتَ الفائز حتماً .

– اشكرك حتماً سأفوز .

– هل أنت مقتنع بالمرأة التي اختاروها والتي أكدت أنتَ , بانها كانت هي التي حرضتكَ على السير بالمعكوس ؟. 

اني لا اصدق هذا ، فملامحها لم تبق بالذاكرة ووجها كان نصف مخفي .

– دعك من هذا . ارادوني ان اختار فاخترت ، لو لم اختر لتركوني في العراء أجرُّ مرحاضي كحمار .

– لكنك لم تقل الحقيقة .

– عن اي حقيقة تتحدث ؟ الحقيقة الآن تقول : انني الأشهر ومرحاضي أشهر من مؤخرة كاردشيان حتى ! .

– وما الجيد في هذا ؟ .

– ما الجيد !. أ تقول ما الجيد في هذا !!! .انك حقود تنفث سمومك حيث رأيتني انال الشهرة .             

ثم اردف : 

ـ بسببي انا قدمّوك عبر التلفاز وارادوا الاستعانة بك في برنامج ((كوني مميزة والهمي                 الرجال)) , لكنك لا تعرف اقتناص الفرص كدأبك . ان الفرص لي أنا , أنا الذي اعرف كيف اقتنص الفرص . ثم أغلق هاتفه .

– ألو .. ألو .  ما بالكَ زعلتَ وغضبتَ بهذا الشكل . 

انقطع الخط من الطرف الآخر , فيما ارتسم على الشاشة التلفازية لرفيقه شريط اعلاني لماركة عالمية للعوينات : ((اخفي نظراتك .. خذي نظاراتنا وكوني ساحرة .. ستجعلينه يطوف العالم لأجلك دون أرادة)).  

(4)

((عاجل . عاجل)) .. 

كان الشريط الاخباري للمحطة العالمية لتلفزيون الواقع الناقلة  لرحلة  الراكض قد غطى الشاشة  .

((اعزاءنا المتابعين , نزف اليكم خبراً مفرحاً)) قال المذيع وتابع : 

((هنا ، من موقع الحدث حيث الشهير المعروف بالراكض سيصل حافة القارة (الأوراسية) ليقطع المحيط الهادي . ستنتظره باخرة ليكمل مسيرته مغادراً اليابسة الى داخل الماء , الباخرة صممت ليكون على سطحها أحزمة أرضية دوارة يركض عليها . كما صممت أحزمة مثلها داخل الصالات  تحسباً للظروف الجوية الطارئة لتظل عاملة طوال مدة الرحلة فهو كما تعلمون لا يستطيع التوقف ولو للحظة واحدة . سيقطع الرحلة الى اميركا الشمالية ليكمل دورته الماجلانية المعكوسة حول الارض . وستكون مرحاضه ايضاً , رفيقة دربه الملازمة له أبداً , على متن الباخرة كما هي على الارض)).               

نعم رفيقته الملازمة التي تنافسه في الشهرة ، تلك المرحاض التي يسحبها من أول               رحلته , ستكون هناك.

((اعزاءنا المشاهدين والمتابعين : توقعوا ان تلازم الرحلة دلافين المحيط فقد صمم طريق الرحلة ليكون في مناطق تواجده , وستكون رحلة مشوقة مذهلة تتابعونها على محطتنا مع التي ألهمت قلبه فاتبع رحلة الغرابة هذه ، رحلة الجمال حيث الشروق والغروب والدلافين في افق المحيط السرمدي)).

لكن المفاجأة قد أتت من الدلافين .. فلم تأت في اليوم الأول ولا في اليوم الثاني , بل              لا دلافين في اليوم الثالث والرابع ايضاً .

((لا دلافين بالمرة . الدلافين قاطعت الرحلة)).

خرج مقال صحفي في جريدة واسعة الانتشار عالمياً  ـ دفعت ثمنه ـ من تحت الستار ـ القناة الراعية لرحلة الراكض تتهم فيه الدلافين بتطرفها وأفقها الضيق ونظرتها السطحية وتزمتها بمواقف وافكار قديمة وبالية فهي لا تشارك فرحة الجمهور وبهجته                          ((انها كائنات غير منفتحة على الحياة)).  

واقترحت الصحيفة ان تخصص 10% من ارباح تغطية الرحلة البحرية تقدمها القناة تبرعات لجمعيات حماية الحياة المائية املاً في رد الدلافين عن قرارها .

لم يغرِ هذا العرض المبطن الدلافين, ولم تقترب من  المركب الذي يمخر أمواج  المحيط .                فكانت كارثة القناة : من اين يأتوا بالدلافين ؟.

– ((ما بال الدلافين وبماذا تفكر , هل نقنع الانسان بما نريد ولا نستطع اقناعها ؟؟ 

حسناً .. أأتوا بدلافين مدرّبة من ساحات السيرك المائية المنتشرة في العالم . انقلوها بطائرات واطلقوها الى جانب المركب)) , بهذا أمر مدير القناة موظفيه .

قاموا بالأمر المطلوب , وفعلاً أطلقت اسراب دلافين شتى لكنها ما لبثت ان غابت في الامواج العميقة متمتعةً بحريتها التي أتتها من حيث لا تعلم . غطسن عميقاً بعيداً عن الكاميرات في اعماق المحيط .

بعد يومين كانت تلك الأفواج تلتحق متراقصة بمرح الحرية مع أقرانها في مكان يبعد مائة كيلومترا عن المركب تاركة الراكض لمرحاضه . 

أخيراً …

وصل القارة فاتح جديد ، كولومبوس ثانٍ ، لكن هذه المرة من جهة غرب القارة . آلاف مؤلفة كانت تستقبله بأعلام مختلفة , بالونات غطت السماء وظللت الأرض تحتها ،  جماهير أتت من كل حدب وصوب تحيط به من كل جانب . تستقبله بشوق هو                     ومرحاضه :

((خطواته تقطع الزحام  ، وقبالة وجهه ينسحب مرحاضه ، فارس قل نظيره)) .                            علق المذيع  ثم اردف :

((يذكرني المشهد بجموعه هذه بيوم دخول ديغول لباريس بعد انتصار النورماندي)) .

الكل يركض بجواره ويلتقط السيلفي  ، بل يلتقطون السيلفي مع مرحاضه أيضاً .

هاتَفَهُ صاحبُهُ وهو يشاهد دخوله الى الارض الجديدة . رفع الهاتف وشاهد اسم المتصل لم يلبث ان اغلق الخط وهو يقول مستهزئاً : ” لا وقت لدي . انها الشهرة يا صديقي ” .   وبعد نطقه لكلمة صديقي كانت حركة شماتة واستهزاء قد انطلقت من وجهه , شوهدت تدور حول العالم عبر الميديا .             

قطع السهول العظمى وجبال الروكي ، قطعها بذات المثابرة التي بدأ بها حتى أتم الرحلة الى الساحل الشرقي .

النساء من حوله أينما حلّ كُنَّ هنالك دائماً بكعوب ذات طقطقات وعطور خلابة وحلق يعزف ألحان النجومية .      

الكاميرات تسير حيث يتجه يقطع محيطاً جديداً مرة ثانيةَ ، بعض الدلافين قد خانت صويحباتها هذه المرة فرافقنه , بعضهن سرن جواره لمسافات قصيرة زادته نجاحاً , فثمة ما تم في الظلام ، دعونا من نظرية المؤامرة . ربما استهوتها صور السيلفي فأرادت حصة منها!.

أوربا الجميلة تطأُها قدمه ، ها هو يعود الى العالم القديم ومنها سيقطع ماجلان الحديث رحلته الى نقطة الانطلاق إذ مرت الحسناء الملهمة ذات مرة . 

ماجلان الجديد لا أحد يريد قتله كما قتل سلفه الأول فالعالم ما عاد به متوحشون !!!                              الجميع يربح من رحلته هذه , فالكل اما مستفيد أو متمتع بالمتابعة , وكل اعلان على وجه المرحاض او ملابس الراكض يقفز مرتبة باسهم معلنه .

الفصول تمر تتوالى والصديق الذي لا يجاب ظل يتصل بهاتف لا يجيب فالراكض لم يعبأ به بالمرة فهو حافلاً بمعجبيه. 

وحده الصديق يعلم بحقيقة التغيير وآلامه وما مرّ به من تغيير , متذكراً محاولاته في اللحاق به لإنقاذه , ثم ما تبعه من ليلة قضاها ساهداً قلقاً على مصيره  يوم غاب عنه صديقه في الظلام ، ولم تغب عنه كلمة الراكض في اخر مهاتفة لهما : 

((أرادوني ان اختار فاخترت ، ولو لم اختر لتركوني في العراء أجرُّ مرحاضي كحمار)).

 ـ لماذا لا يجيبني هل يراني لا اليق به صديقاً الان ؟. هل تبلى الصداقة؟ .

((الحذاء الذي لا يبلى يلبسه نجمك الراكض الشهير)) ..

اجابه الاعلان الظاهر امامه على  شاشة التلفاز  .

كان بإمكاني ان أوقع عقداً مثله فأنا من تحداه للتغيير وحذائي حملني خلفه في بدء رحلته .                 كان من الممكن ان أتصل بشركة ما. 

فكر بهذا ثم رفض بلادة الفكرة فمثله لم يخلق لهذا . 

(5)

مرت شهور .. وتوالت العقود المربحة الكثيرة … 

ها هو الراكض الشهير يعود الى ذات البقعة في المتنزه التي انطلق منها .

كان الحشـد الهائـل من المعجبيــن بانتظار/

((غاغارين الثاني العائد الى أرض الوطن من الرحلة المعجزة)) , بل لم يحدث قبلاً ان احتشدت جموع غفيرة من كل أقطاب الارض كما احتشدت لحفل برنامجه المعد لاستعراض تسعة اشهر من رحلته . 

الكل كان ينتظره للمتعة , ولكن صديقاً واحداً وسط الجمع مزقه الشوق لصاحبه بعد طول زمن.. هيهات هيهات ان يجد له طريقاً وسط آلاف المتزاحمين .  

وصل الراكض أخيراً الى حيث انطلق , وأهملت القنوات المغطية للاحتفال رفيقَ المصطبة الذي شهد أول حدث في القصة ، فمثله غير جدير بالاحتفاء . 

وصل الى حيث انطلق والكل يرقب بدء دورته الثانية حول الأرض , لكن الذي حدث كان أكثر مفاجأةً مما حصل قبلاً , فقد تباطأت خطواته التي لم تنقطع ليل نهار في عدوها ، تباطأت حالما دخلت المتنزه ثم تباطأت أكثر فأكثر لتتوقف أمام المصطبة ذاتها وسط ذهول المحتفلين ، خفت الصرخات المرحبة وسكنت الأعلام المرفرفة , شهقت الأفواه وتجمدت الأجساد والأيدي لتتوقف ومضات (الفلاش) المنبعثة من الهواتف والكاميرات .    الذهول شل الجمع حتى المعلقين الاخباريين ((ماذا تراه سيفعل .. لقد توقف  ، توقف تمامأً… ها هو يسقط منهاراً)) .

نطق المعلق فيما ركض صديقه المنطلق وسط الجمع المصدوم اذ وجد الفرصة قد حانت وسط تراخيهم وانذهالهم بالحدث فاستغل انشغالهم ليصل متدافعاً الى حيث ترنح الراكض, وحين اقترب منه كان قد تمدد على الارض وحينها سمعه ينطق :

((لقد تعبتُ . عليً ان استريح أخيراً)) , عندها غفى  ونام نومته الأولى منذ شهور .              يقال انه نام ستة ايام بلياليها , صحى بعدها وحال فتحه عينيه سأل :

– اين انا؟.

– في المستشفى .

عاد بعدها لينام لثلاثة ايام بلياليها .. ظل هكذا حتى استعاد نشاطه بعد اسابيع .               

 غادر المستشفى  الى فندق وانعزل عن الناس ، ثم اختفى الى جهة مجهولة ليرتب حساباته المالية . 

انشأ شركاته الخاصة ومنظمته الانسانية – حتماً سوف لا تهتم بشؤون الدلافين –  ..

هكذا تبدلت حياته من انسان منسي الى نجم يحفل بالورود وبالاستقبالات الخاصة حيثما حل ، وفي اي بلد أقام . 

بات رجل شرف عالمي  . 

المعجبون والمعجبات وكاميرات الصحافة تلتقط أقل تفاصيل حياته على تفاهتها .           

اللقاءات التلفازية والحفلات الخيرية اصبحت حليفاته الدائمة في ان يكون رجل الشرف لها.                   

لقد تُوّج سفير للنوايا الحسنة قبل ان يتوفى في قصر منيف . 

مات خالداً ووارى جثمانه الثرى في المتنزه ذاته الذي انطلق منه برحلته الفريدة العجيبة إذ اوصى أن يدفن فيها .

مات من ثم نُصِبَ له تمثال مهيب بعد سنوات , ووضعت المرحاض عند قاعدة النصب , فهي رفيقته ومؤرخته في رحلته الكبرى .

ظل السياح الى اليوم يلتقطون الصور التذكارية عند هذا النصب المميز المزدان بالزهور دائماً. ويقال ان كاردشيان ذاتها مرت به بمؤخرتها التي هَزلت بعض الشيء , ويومها وضعت باقة زهور اعترافاً وتقديراً لإنجازه  .

لكن وعلى الرغم من هذا كله ، حين حل الصباح يوماً وجدتْ عبارة عند قاعدة النصب مكتوبة بطبشور : ((كثيرة هي الفضلات التي تختلق نجوماً)) .

 

ملحق

عدنان يعقوب القره غولي

(سيرة)

مواليد بغداد , العراق 1964

* كاتب وروائي عربي من العراق 

* نشر انتاجه الادبي منذ 1988 في الصحف المحلية ثم جريدة العرب اللندنية 2002 حتى عام 2012

* عمل مدرساً جامعياً بجامعة بغداد حتى عام 1999 

* حاصل على البكالوريوس طب وجراحة بيطرية 

* ماجستير علوم احياء مجهرية .

صدر له : 

1 – عنكبوت وكر اللذة , قصص قصيرة , مكتبة مرام .بغداد.2000. 

2 – النورس وقصص اخرى , مكتبة مرام ,2001

3 – صور من احلام عليل . قصص قصيرة , دار الشؤون الثقافية , بغداد2002 

4 – الضفاف السعيدة ـ رواية ـ الدار العربية للعلوم ناشرون . بيروت 2014 

 

 

 

 

 

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"